نواب رياض سلامة يشترطون الإصلاحات لإدارة «مصرف لبنان»

تباين بينهم وبين الحاكم «المركزي» حول السياسات المعتمدة من قبله

المقر الرئيسي لمصرف لبنان (رويترز)
المقر الرئيسي لمصرف لبنان (رويترز)
TT

نواب رياض سلامة يشترطون الإصلاحات لإدارة «مصرف لبنان»

المقر الرئيسي لمصرف لبنان (رويترز)
المقر الرئيسي لمصرف لبنان (رويترز)

يجتمع نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، غداً الاثنين، لتقييم المرحلة السابقة، من دون إعلان استقالتهم، حسبما قالت مصادر في المجلس المركزي لمصرف لبنان التي رفضت التصريحات التي تحمّل النواب الأربعة مسؤولية الشغور في منصب الحاكم في حال وقع مع نهاية ولاية رياض سلامة في 31 يوليو (تموز) الحالي، وأكدت أنهم يرفضون تسلم المهام بعد انتهاء ولايته «من دون تغيير في الاستراتيجية والمنهجية القائمة ومن دون إصلاحات جذرية يتخذ القرار فيها البرلمان والحكومة».

النائب الأول لحاكم «المركزي» وسيم منصوري (فيسبوك)

ويأتي انتهاء ولاية سلامة في ظل استعصاء سياسي يحول دون تعيين حاكم خلفاً له. وبينما يفرض قانون النقد والتسليف أن يتسلم الحاكمية في هذه الفترة نائب الحاكم الأول وسيم منصوري، لوّح نواب الحاكم الأربعة بالاستقالة من مناصبهم.

وبعدما تحدثت معلومات عن أن النواب الأربعة سيعلنون استقالاتهم غداً الاثنين، نفت مصادر معنية في المجلس المركزي لمصرف لبنان لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هناك توجه لإعلان الاستقالة الاثنين، مؤكدة أن نواب الحاكم الأربعة «سيجتمعون الاثنين لتقييم المرحلة السابقة، من دون أن يكون هناك أي إعلان للاستقالة».

ويتولى أربعة اختصاصيين يتوزعون على 4 طوائف، موقع نواب الحاكم الأربعة، ويشغل الدكتور وسيم منصوري (شيعي) موقع النائب الأول للحاكم، كما يشغل بشير يقظان (درزي) موقع النائب الثاني، فيما يشغل سليم شاهين (سني) موقع النائب الثالث للحاكم، ويشغل ألكسندر موراديان (أرمن كاثوليك) موقع النائب الرابع للحاكم.

ولوح النواب الأربعة بالاستقالة من مناصبهم بصورة جماعية ما لم يتم تعيين حاكم جديد للمصرف في أقرب وقت، وذلك عملاً بالمادة الـ18 من قانون النقد والتسليف، وهو ما دحض التقديرات بأن تكون الاستقالة سياسية، بالنظر إلى أن الأربعة ينتمون إلى مذاهب مختلفة، ويحظون بتزكية من قوى سياسية مختلفة.

وأثار موقف النواب الأربعة موجة من الجدل ومطالبات لهم بتولي المسؤولية وتكليفهم بتسيير أعمال المرفق العام، وجاءت أبرز تلك المطالب على لسان نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي الذي اعتبر هذا التلويح «خطيراً». لكن مصادر المجلس المركزي في مصرف لبنان، استغربت الحديث عن «فراغ في الحاكمية» في حال استقالوا، وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «على الحكومة أن تعيّن حاكماً بديلاً بعد انتهاء ولاية سلامة». ورفضت المصادر المعنية «كل حديث عن أن نواب الحاكم سيدمرون البلد في حال استقالوا»، مشددة على أن هذه الاتهامات «لا أساس لها من الصحة، بالنظر إلى أنه في الوقت الحاضر هناك حاكم للمصرف المركزي على رأس عمله، وهناك حكومة وبرلمان»، مضيفة: «أما الطلب من النواب الأربعة تحمل مسؤولياتهم، فهو اجتزاء. المطلوب هو أن يتحمل الجميع مسؤولياته، بمن فيهم الحكومة والبرلمان».

رياض سلامة (رويترز)

وقالت المصادر: «لا يمكن أن يُطلب من النواب الأربعة تنفيذ مهام الحاكم، بغياب الحد الأدنى من الإصلاحات المالية والسياسية المطلوبة»، وذلك «في فترة معقدة يحيط بها وضع مالي دقيق وخطير»، مشيرة إلى أن «إرث المرحلة السابقة غير هيّن، بما فيه الملاحقات بحق سلامة والإجراءات المالية والنقدية المعمول بها، وكلها تعطي صورة عاطلة وتقوّض الثقة بالبلاد». وأكدت المصادر أنه «من دون إصلاحات ودعم حكومي وبرلماني، ستكون مهمة النواب الأربعة فاشلة».

وأضافت: «أمام كل الوقائع المالية، لا يمكن تحميلنا مسؤولية من دون تغيير في المنهجية القائمة»، في إشارة إلى أن «تمويل الدولة لا يمكن أن يسير كما هو وفق الوضع الحالي، كما أن العمل في منصة صيرفة (العائدة لمصرف لبنان لتحديد سعر الصرف) غير كافٍ ولا يمكن أن يكمل بالشكل القائم وهو مكلف على الخزينة». وتابعت: «يجب تغيير المنهجيات العلمية، وهو ما يشرع في العمل عليه نواب الحاكم منذ صيف 2020 بعد تعيينهم، وتتمثل في مداولات وأعمال تبقى ضمن المداولات السرية ولا تخرج إلى العلن».

وجزمت المصادر بأن الإصلاحات «لا يمكن تطبيقها من دون توحيد لسعر الصرف، كما أن تحرير سعر الصرف لا يمكن تنفيذه من دون إقرار قانون الكابيتال كونترول»، ما يعني في النتيجة أن ذلك «يحتاج إلى تكامل الحكومة والبرلمان والمصرف المركزي في جهود متطابقة وتعاون لإضفاء جو من الثقة».

وأشارت المصادر إلى أن نواب الحاكم يعملون منذ وقت طويل على ربط «منصة صيرفة» بمنصة «بلومبيرغ»، بما يسمح بتحويلها إلى منصة تداول رسمية معترف بها عالمياً، وستكون باباً لتحرير سعر الصرف وتخفيف الخسائر على المصرف المركزي، «وهو مطلب صندوق النقد الدولي».

وإذ لفتت المصادر إلى أن «صلاحيات الحاكم واسعة»، أشارت إلى أن نواب الحاكم لا يمتلكون سلطة تقريرية ويبدون رأيهم بالسياسات، لكن الحاكم هو من ينفذ. واستغربت المصادر الاتهامات الموجهة لنواب الحاكم بالتقصير، في إشارة إلى انتقادات وتأويلات لإعلانهم الأخير. وأكدت المصادر أن النواب «خرجوا إلى العلن منذ وقت طويل، وأرسلوا إلى الحكومة ومؤسسات الدولة مئات المراسلات التي تشرح الإخفاق في السياسة النقدية، وأعلنوا عن مواقفهم وملاحظاتهم في المراسلات والمداولات، ولكن في ظل التعثر، أخرجوا هذه المواقف إلى العلن في البيان الذي أصدروه». ولفتت المصادر إلى تباين بين النواب وحاكم «المركزي» رياض سلامة حول السياسات المعتمدة من قبله، منذ 3 سنوات، وأشارت إلى «كتب واضحة بهذا الصدد كان أولها في 10 أغسطس (آب) 2020 بعد شهرين من تعيينهم في مواقعهم».

ورفضت المصادر الاتهامات لبيان نواب الحاكم بأنه بيان سياسي، مشددة على أن النواب «يعملون كفريق وطني، يمتلك دراية وغيرة على وضع البلاد، ويدفعون لتطبيق الإصلاحات، ويعملون باستقلالية عن التوجيهات السياسية ولا يلتفتون لزعيم سياسي، وهو ما دفعهم لاتخاذ موقف مشترك»، مشددة على أن «التحسين لا يكون إلا ضمن الشروط التي نتحدث عنها»، مؤكدة أن نواب الحاكم الأربعة «لا يتفهمون الخلافات السياسية ولا يتقبلونها، ويشددون على ضرورة تطبيق الإصلاحات فوراً لإنقاذ البلاد».

وحالت الخلافات السياسية دون اجتماعات البرلمان في جلسات تشريعية، كما حالت دون اجتماعات الحكومة في ظل الشغور الرئاسي. ويرفض كثيرون أن تجري الحكومة «تعيينات الضرورة»، ويأتي الرفض بشكل خاص من قبل قيادات سياسية مسيحية.

سيناريوهات

وفي حال الشغور بموقع الحاكمية، تتعدد السيناريوهات القانونية. وبحسب القانون، فإنه مع تعذّر تعيين البديل على رأس السلطة النقدية من قبل حكومة تصريف أعمال، فإن الخيار الأول والمرجح في أحوال عادية، يرد صريحاً في قانون النقد والتسليف (المادة 25)، ويقضي بانتقال الموقع والمهام حصراً إلى نائب الحاكم الأول الدكتور وسيم منصوري.

ومع تلويح النواب بالاستقالة، اقترح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن يطلب منهم وزير المال «الاستمرار في تسيير المرفق العام»، وهو ما تواجهه عوائق قانونية أيضاً، بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة للحاكم الذي يعطيه قانون النقد والتسليف شكلاً قانونياً يختلف عن موظفي القطاع العام، وبالتالي فإن «نواب الحاكم لا يمكن معاملتهم كأنهم يخضعون لقانون الموظفين في الإدارات والمؤسسات العامة».

وتتحدث معلومات سياسية في البلاد عن اقتراح آخر يتمثل بتكليف الحكومة للحاكم المنتهية ولايته رياض سلامة «الاستمرار بتسيير المرفق العام»، وهو مخرج مناسب مع الأزمة، كما تقول مصادر مالية، وينتهي التكليف بمجرد تعيين حاكم جديد، مشيرة إلى أن الاقتراح «يستند إلى سابقة في عام 1985، عندما جرى تكليف حاكم مصرف لبنان ميشال الخوري بالاستمرار في مهامه إلى أن تم تعيين حاكم المصرف المركزي الراحل أدمون نعيم، بعد أربعة أشهر، في موقعه في يناير (كانون الثاني) 1985». وقالت مصادر مالية لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكن اتهام الرؤساء السابقين كميل شمعون وأمين الجميل ورشيد كرامي بتجاوز القانون. لقد أعطوا أولوية لتسيير المرفق العام، ويمكن أن يُطبق ذلك اليوم»، مستنكرة «الالتباس الدائم» و«التأخر في حسم القرار» قبل 15 يوماً من انتهاء ولاية سلامة.



الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
TT

الداخلية السورية: جاهزون لاستلام وتأمين سجون «داعش» في الحسكة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» في الحسكة شمال شرقي سوريا (رويترز - أرشيفية)

أكدت وزارة الداخلية السورية اليوم الاثنين جاهزيتها الكاملة لاستلام إدارة وتأمين سجون عناصر تنظيم داعش في محافظة الحسكة بشمال شرق البلاد، بما يضمن منع أي خرق أمني أو محاولات فرار.

كما أعلنت الوزارة في بيان استعدادها للتنسيق المباشر مع الجانب الأميركي في إطار الجهود المشتركة لمنع عودة الإرهاب وضمان أمن المنطقة واستقرارها.

وحمل البيان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) «المسؤولية الكاملة عن أي حالات هروب أو إطلاق سراح لعناصر تنظيم داعش من السجون الواقعة تحت سيطرتها، ولا سيما ما جرى في سجن الشدادي، وتعتبر ذلك خرقا أمنيا خطيرا يهدد الأمن السوري والإقليمي والدولي».

سجن يضم عناصر من «داعش» في القامشلي بالحسكة تحت حراسة قوات «قسد» (رويترز)

وقالت الوزارة إنها أتمت تجهيز قوة خاصة مشتركة من إدارة المهام الخاصة وإدارة السجون، مهمتها استلام وتأمين محيط السجن وإدارته الداخلية، وضمان تطبيق أعلى معايير الحراسة والاحتجاز، ومنع أي محاولات تسلل أو تهريب.

وأكدت الوزارة رفضها القاطع لما وصفتها «محاولات قسد استخدام ملف معتقلي داعش كورقة ابتزاز سياسي وأمني ضد الدولة السورية، أو ربط استعادة سيادة الدولة وبسط القانون بما يسمى ‘خطر السجون‘».

كان الجيش السوري أعلن قبل قليل السيطرة على مدينة الشدادي، وبدء عمليات لتأمين المنطقة واعتقال عناصر داعش الفارين الذين أطلقت «قسد» سراحهم.

وقالت قسد في وقت سابق إن سجن «الشدادي»، الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش، خرج عن سيطرتها بعد هجمات متكررة نفذتها فصائل مسلحة تابعة للحكومة المركزية في دمشق. وذكرت أيضا أن 9 من مقاتليها قتلوا وأصيب 20 آخرون في اشتباكات مع فصائل تابعة للحكومة قرب سجن «الأقطان» بالرقة الذي يضم معتقلي تنظيم داعش.


استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
TT

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)
عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها، في ظلّ تصعيد ميداني وغارات جوية متواصلة على الجنوب.

وفي سياق مواصلة الجيش اللبناني تعزيز انتشاره الميداني وتثبيت نقاط تموضع جديدة في بلدات الحافة الأمامية، عمد الاثنين إلى تثبيت نقطة جديدة في منطقة خلة المحافر جنوب بلدة عديسة، مقابل الجدار الحدودي لمستعمرة مسكاف عام، وذلك بعد تثبيت نقطة سابقة في وسط بلدة كفركلا.

عسكري لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تقوم بإزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إنه أثناء عملية تثبيت النقطة الجديدة، أقدم الجيش الإسرائيلي على استفزاز مباشر تمثّل في تحريك دبابة «ميركافا» خارج الجدار الحدودي وتوجيه مدفعها نحو الجنود اللبنانيين، في محاولة واضحة للضغط عليهم ودفعهم إلى الانسحاب من المواقع المتقدمة، إلا أن الجيش اللبناني واجه هذا التهديد باستنفار مماثل رافضاً التراجع، وعمد إلى تثبيت مركز له في المنطقة.

تصعيد جوي إسرائيلي

ويأتي هذا التوتر الميداني بالتوازي مع تصعيد جوي؛ إذ شنّ الجيش الإسرائيلي، يوم الاثنين، سلسلة غارات على جنوب لبنان، حيث قال إنها تستهدف مواقع يستخدمها «حزب الله» لتدريب عناصره. وقال في بيان إنه يهاجم «أهدافاً تابعة لـ(حزب الله) في الجنوب»، مشيراً إلى أن «هذه المواقع كانت تُستخدم لإجراء تدريبات تمهيداً لمهاجمة قوات إسرائيلية ومدنيين»، من دون أن يحدد مواقع هذه الغارات.

تصاعد الدخان جرَّاء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في المقابل، أفادت «الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام» بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفّذ سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت بلدات أنصار والزرارية، ومجرى نهر الشتى عند أطراف بلدة اللويزة في منطقة إقليم التفاح، إضافة إلى بلدة كفرملكي، ما أدى إلى حالة من الخوف والقلق في صفوف الأهالي.

وتواصل إسرائيل شن غاراتها على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرت أكثر من عام، وتقول إن اعتداءاتها تستهدف «حزب الله»، وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش اللبناني الأسبوع الماضي إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن إسرائيل شككت بهذه الخطوة واعتبرتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطالبتها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)
آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية، خارج قراهم الجنوبية؛ نتيجة الوضع الأمني الهشّ وعدم حصولهم على أموال إعادة الإعمار، وهم اليوم مهددون بخسارة سكنهم المؤقت إذا لم يحصلوا على بدل إيواء جديد؛ مما سيضاعف معاناتهم أكثر.

وبدل الإيواء هو مبلغ مالي دفعه «حزب الله» للنازحين الذين دُمرت منازلهم؛ كي يتمكنوا من دفع إيجار مسكنهم المؤقت لمدة عام، وهم الآن يحتاجون إلى مبلغ مالي إضافي حتى تؤمَّن عودتهم إلى قراهم وتُبنى منازلهم الخاصة من جديد.

في انتظار العودة البعيدة

«محمد.ح» (56 سنة) أحد هؤلاء النازحين، الذين نزحوا قبل عامين، أيّ منذ دخول «حزب الله» حرب «الإسناد» في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023... يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نزحت وعائلتي المؤلفة من 6 أشخاص، ولا نزال ننتظر عودتنا حتّى اللحظة؛ لدينا أمل، ولكنه ضئيل راهناً. أعتقد أن العودة وإعادة الإعمار تحتاجان مزيداً من الوقت!».

آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

ومحمد ابن بلدة شيحين الجنوبية التي تقع على الحدود اللبنانية الجنوبية، وهو أب لأربعة أولاد، ونازح يقيم في مدينة صور (جنوب لبنان)، دمرت إسرائيل منزله... يقول: «خسرت منزلي. أدفع نحو ثلثي راتبي؛ بدل إيجار وخدمات أساسية؛ الوضع الاقتصادي، كما الأمني، صعب للغاية هنا».

ومحمد أحد الآلاف من أبناء قرى حدودية عدة ما زالوا نازحين قسراً خارج قراهم؛ يعانون ظروفاً حياتية صعبة وغير طبيعية، وهم مهددون اليوم بخسارة مأواهم إذا لم يحصلوا على بدل إيواء مرة أخرى.

ووفق أرقام «اتحاد بلديات صور»، فإن أعداد النازحين المسجلين لديه تبلغ 15 ألفاً و600 شخص؛ هم 4500 عائلة. في حين تشير أرقام «مجلس الجنوب» إلى أن عدد النازحين من القرى الحدودية والخلفية بلغ 9585 عائلة، من أصل 17 ألفاً و106 عائلات، كانت تسكن بلدات الحافتين الأمامية والخلفية وعددها 40.

يروي محمد كيف تبدو البلدة راهناً: «مدمرة بنسبة 90 في المائة، ولا يقطنها أحد؛ غالبية أهلها نازحون قسراً ويقيمون في صور وضواحيها». ويقول: «محزِن جداً أننا لا نقصد بلدتنا سوى للضرورة؛ لدفن أحد موتانا أحياناً كثيرة»، علماً بأن بعض الأهالي يقصدون البلدة لأخذ حاجياتهم التي لم تتضرر جراء الاستهدافات الإسرائيلية.

ويضيف: «وُعدنا ببدل إيواء جديد، ربما في الأشهر الثلاثة المقبلة؛ صرفنا أموال الإيواء في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يبق منها أي شيء».

حُرمنا أبسط متطلبات الحياة

وعن المساعدات العينية التي تصل إلى النازحين، يقول محمد: «عادة ما نحصل عليها من جمعيات بالتنسيق مع (اتحاد بلديات صور)؛ لكنها باتت شحيحة للغاية في الأشهر الأخيرة، وغير ذلك، فهي عبارة عن مواد غذائية (كالمعلبات والحبوب) وأدوات تنظيف، ولا تكفي وحدها».

ويُعلق: «بالتأكيد نعاني راهناً من تبعات النزوح... بعض الناس حُرم أبسط متطلبات الحياة والأساسية منها، كاللباس الجيد والطعام الجيد، بحيث بات معظمهم يأكلون ويلبسون بهدف البقاء على قيد الحياة؛ ليس أكثر».

جانب من مبنى مستهدف في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ويضيف: «نأمل دائماً أن نعود إلى قرانا وحياتنا السابقة رغم الوضع الأمني المأزوم»، علماً بأن عودة النازحين تحتاج إلى أموال لإعادة الإعمار وتجهيز بنى تحتية، من مياه وكهرباء وطرقات؛ كي تكون الحياة ممكنة في تلك البلدات والقرى. ويختم: «نعلم أن منح لبنان الأموال اللازمة لإعادة الإعمار أمرٌ مشروط، ويتطلب تنازلات جمّة؛ لذا لا يمكننا تحميل الدولة مسؤولية ما نحن عليه اليوم، إذ إن هناك واقعاً يفرض نفسه».

من جانبه، يقول محسن عقيل، نائب رئيس بلدية جبين، إحدى قرى قضاء صور: «مرّ أكثر من عام وأنا أعيش تجربة النزوح مع عائلتي، وعائلة ابني أيضاً، وعددنا 9 أفراد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «نسكن جميعاً في منزل واحد بمنطقة برج الشمالي (صور)؛ بسبب بدلات الإيجار المرتفعة نسبياً بالنسبة إلينا».

مناطق جنوب لبنان تتعرض لقصف إسرائيلي دائم رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

وعقيل عسكري متقاعد في الجيش اللبناني... «بنيتُ منزلي في قريتي عام 2009، وبقيت منذ ذلك هناك أنا وزوجتي وخلال (حرب الإسناد)، إلى أن خرجنا منها قبل قليل من بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان». ويقول: «نهاية العام قبل الماضي حصلنا على بدل إيواء؛ لا نعلم أين ستذهب الناس في حال لم يُدفع هذا البدل مرة أخرى».

أمنية العودة ولو إلى خيام...

ويتحدث عقيل عن أقصى أمنياته وأمنيات جميع النازحين في العام الجديد بالقول: «نتمنى أن تحمل لنا السنة الجديدة عودة قريبة، حتى ولو اضطر بعضنا إلى السكن في خيام بقريته»... سئم النازحون العيش حياة غير مستقرة ومؤقتة بعيداً عن أرضهم: «كنا نعيش حياة كريمة في منازل واسعة شيدناها من طوابق عدّة، وكانت لنا متاجر وممتلكات خاصة، لكن للأسف أعادتنا إسرائيل إلى نقطة الصفر راهناً».

وعن البلدة المهجورة حالياً، التي لطالما اشتهرت بزراعة التبغ والحنطة سابقاً، يقول عقيل: «تمّ جرف جميع منازل البلدة المهدمة بالتنسيق مع (مجلس الجنوب)، باستثناء 13 منزلاً بقيت على حالها قيد الإنشاء؛ لأنها كانت سكناً للجيش الإسرائيلي»...

يزور عقيل البلدة بشكل شبه يومي، وحينما تتطلب الحاجة، بمؤازرة الجيش، ويقول: «نعوّل على الدولة اللبنانية، خصوصاً رئيس مجلس النواب، نبيه بري؛ كي تتأمن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية... دمرت إسرائيل منازلنا وقرانا وهجرت سكانها، حتى إننا حُرمنا أولادَنا الذين سافروا خارج البلاد بحثاً عن مكان أفضل أماناً».