لودريان غيّب المبادرة الفرنسية حيال لبنان... والخيار الثالث يتقدم رئاسياً

أكد عدم إدراج لبنان على لائحة الاهتمام الدولي

الموفد الفرنسي مع كتلة النواب «التغييريين» (السفارة الفرنسية في بيروت)
الموفد الفرنسي مع كتلة النواب «التغييريين» (السفارة الفرنسية في بيروت)
TT

لودريان غيّب المبادرة الفرنسية حيال لبنان... والخيار الثالث يتقدم رئاسياً

الموفد الفرنسي مع كتلة النواب «التغييريين» (السفارة الفرنسية في بيروت)
الموفد الفرنسي مع كتلة النواب «التغييريين» (السفارة الفرنسية في بيروت)

أنهى الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان وزير الخارجية السابق جان إيف لودريان مهمته في الاستقصاء عن الأسباب التي ما زالت تعيق انتخاب رئيس للجمهورية، وأجرى لهذه الغاية مسحاً سياسياً شاملاً لم يكن محصوراً بالكتل النيابية، وإنما تجاوزها ليشمل المرشحين للرئاسة، ليكون في وسعه إعداد تقريره الذي سيرفعه إلى ماكرون للتداول في إمكانية بلورة مجموعة من الأفكار يعود بها إلى بيروت في يوليو (تموز) المقبل في محاولة جديدة لفتح ثغرة في انسداد الأفق الذي يؤدي إلى تعطيل انتخاب الرئيس.

وحرص الموفد الفرنسي على رسم الإطار العام لمهمته بقوله، بعد اجتماعه بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، إنه لا يحمل معه أي طرح، ويريد الاستماع إلى الجميع وسيعود لاحقاً إلى لبنان، وهذا ما دفع معظم قوى المعارضة التي تقاطعت مع «التيار الوطني الحر» على دعم ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور إلى الاعتقاد بأن صفحة ترشّح زعيم تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية قد طُويت، بذريعة أن لودريان لم يتطرق إلى المبادرة الفرنسية التي كانت رشّحت فرنجية كونه أسهل الطرق لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، رغم أن مثل هذا الاعتقاد ليس دقيقاً حتى الساعة.

لكن بقاء فرنجية في عداد المرشحين لم يمنع لودريان، في ردّه على الذين انتقدوا المبادرة الفرنسية وعدوها محاولة لفرض الرئيس على الآخرين، ومن بينهم النواب المنتمون إلى «قوى التغيير»، بقوله أمامهم إنه لم يحمل معه مبادرة ولا اسم أي مرشح.

انقسام البرلمان

وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية إن لودريان توقف أمام الفرز الذي انتهت إليه الجلسة النيابية الأخيرة بحصول أزعور على 59 صوتاً في مقابل 51 صوتاً لفرنجية و6 أصوات للوزير السابق زياد بارود، كان حاضراً بامتياز في اجتماعاته لجهة تأكيده أن الانقسام الحاصل بداخل البرلمان أظهر أنه ليس لدى أي فريق القدرة لإيصال مرشحه إلى رئاسة الجمهورية.

وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الفرز كان وراء إلحاح لودريان بسؤاله الذين التقاهم «ما العمل للتخلص من انسداد الأفق أمام انتخاب رئيس للجمهورية، ما دام أن المواقف ما زالت على حالها، وما دام أن أحداً لم يبدّل في خياراته الرئاسية؟». وتقول إنه لم يسألهم ما إذا كان لديهم خيار ثالث، وإن كان يهدف من وراء طرحه السؤال إلى استدراجهم للكشف عن البدائل، وهذا ما حصل من دون دخولهم في الأسماء، باستثناء ذكر عبد الرحمن البزري الدوافع التي أملت على زملائه في الكتلة ترشيح الوزير السابق زياد بارود.

وتلفت إلى أن لودريان أعد بإتقان، من خلال مهمته الاستطلاعية، الإطار العام لخريطة الطريق التي سيرفعها إلى ماكرون، الذي سيبادر من خلال فريقه المولج بالملف اللبناني إلى التواصل مع أعضاء اللجنة الخماسية من أجل لبنان بالتلازم مع انفتاحه على إيران لما لديها من تأثير على «حزب الله» الذي يتمسك وحليفه رئيس المجلس النيابي بترشيح فرنجية، في مقابل تمسك قوى المعارضة بتقاطعها مع «التيار الوطني» بدعم ترشيح أزعور.

وتقول إن عودة لودريان إلى بيروت، كما أبلغ الذين التقاهم، مرتبطة بما سيتوصل إليه مع أعضاء اللجنة الخماسية من جهة، ومع القيادة الإيرانية من جهة ثانية، ليكون في وسع ماكرون بأن يبني على الشيء مقتضاه لبلورة الأفكار التي سيحملها معه موفده إلى بيروت، وإن كان الشغور الرئاسي يدخل الآن في فترة مديدة يمكن أن تمتد إلى ما بعد سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إذا حصلت تطورات أدت إلى تقصير أمد الفراغ في رئاسة الجمهورية.

وتكشف المصادر نفسها أن لودريان وجّه طوال فترة إقامته في بيروت مجموعة من الرسائل أبرزها إلى البطريركية المارونية، ومن خلالها إلى الفاتيكان، بقوله إنه لا يحمل معه مبادرة، ما يعني أن باريس ليست في وارد فرض رئيس للجمهورية على اللبنانيين، ويعود للنواب انتخابه، وبذلك يكون قد حيّد المبادرة الفرنسية عن جدول لقاءاته رغبة منه بعدم الدخول في سجال لا يمت بصلة إلى مهمته الاستطلاعية.

أطراف متنازعة

وتضيف أنه كان صريحاً لأقصى الحدود بقوله للذين التقاهم إن لبنان ليس مدرجاً على خريطة الاهتمام الدولي، لأن معظم الدول المعنية باستقراره باتت على ثقة بعدم تدخلها لوجود صعوبة في التوفيق بين أطرافه المتنازعة التي ترفض الدخول في حوار جدي لوقف تدحرجه نحو الانهيار القاتل بانتخاب رئيس للجمهورية يعيد الانتظام لمؤسساته الدستورية، وأن باريس لن تتوانى عن مساعدتها لإخراجه من التأزّم.

وتؤكد أن لودريان صارح الجميع بأن عامل الوقت ضد مصلحة لبنان وأنه سيلحق الأذى به، وتنقل عنه قوله إنه يخشى أكثر من أي وقت مضى على مستقبله، ولا تنتظروا مَنْ يساعدكم إذا لم تساعدوا أنفسكم لوقف تشويه صورته لدى المجتمع الدولي، وإن أي طرف يراهن على قدرته في الصمود أمام هذا الوضع المأسوي سيكتشف أن صموده لن يدوم طويلاً.

وتوقفت المصادر المواكبة أمام تجدد الدعوات للحوار التي كانت مدار مكاشفة بين لودريان والذين التقاهم، وقالت إن هناك مجموعة لا تحبذ الحوار انطلاقاً من الجلسات الحوارية السابقة التي اتخذت جملة من القرارات لم تطبّق وبقيت حبراً على ورق بامتناع «حزب الله» عن تطبيقها، وترى أن المطلوب حالياً الالتزام بتطبيق الدستور في الإبقاء على الجلسات مفتوحة إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية بدلاً من أن يراد منه أن نبصم على انتخاب فرنجية رئيساً وأن الحوار يدور حول البحث في مرحلة ما بعد انتخابه.

وتقول إن هذا الموقف يعبّر عنه حزبا «القوات» و«الكتائب» وكتلة «التجدد» والنواب التغييريون الذين اقترعوا بغالبيتهم لأزعور كمرشح وسطي لقطع الطريق على فرنجية، إضافة إلى آخرين أيدوا بارود بالتوافق مع كتلة نواب صيدا-جزين التي أبلغت لودريان بلسان النائب عبد الرحمن البزري أنها ضد الاصطفاف السياسي وأن تأييدها لبارود كونه لا ينتمي للمنظومة السياسية.

وفي المقابل بحسب المصادر نفسها فإن كتلتي «اللقاء الديمقراطي» و«الاعتدال الوطني» وتكتل «لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل أجمعت على جدية الحوار بما يسمح بانتخاب رئيس من خارج الاصطفافات السياسية ولديه رؤية إصلاحية ولا يشكل تحدياً لأي فريق، فيما يؤيد الثنائي الشيعي الحوار بلا شروط ولا يريد التخلي مسبقاً عن فرنجية الذي لم يسمع من لودريان، كما تقول أوساطه، ما يوحي بتخلي باريس عن مبادرتها بخلاف خصومه الذين يتصرفون على أن صفحته الرئاسية قد طويت، فيما رأى النواب التغييريون أن لا مانع من الحوار بعد انتخاب الرئيس.

ويبقى السؤال: هل يمكن مع عودة لودريان إلى بيروت فتح الباب أمام البحث عن خيار ثالث من خارج المنافسة بين أزعور وفرنجية؟ خصوصاً أنه سجل تقدماً من خلال ما سمعه من غالبية الكتل النيابية التي التقاها، في ضوء سؤاله عن إمكانية تعويم الدعوة للحوار، في ظل إصرار بري على رفض الشروط المسبقة لانعقاده، تاركاً للنواب تحديد اسم المرشح للرئاسة؟ وما إذا كان يأتي قبل انتخاب الرئيس أو بعده.



أستراليا تحاكم امرأة «استعبدت إيزيدية» في سوريا

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

أستراليا تحاكم امرأة «استعبدت إيزيدية» في سوريا

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بينما دانت محاكمة هولندية مواطنة بجرائم حرب على خلفية سماحها لابنها الصغير بالانضمام إلى تنظيم «داعش» في سوريا، قال محامي امرأة متهمة باستعباد مراهقة إيزيدية في سوريا، لمحكمة في ملبورن بأستراليا، اليوم (الجمعة)، إنها ستوافق على ارتداء سوار مراقبة إلكتروني في الكاحل وأن تخضع لإرشاد ديني، إذا تم إطلاق سراحها بكفالة.

وقدمت زينب أحمد (31 عاماً) طلباً للإفراج عنها بكفالة في محكمة ملبورن الجزئية بتهمتين تتعلقان بالاستعباد، بحسب وكالة «أسوشييتد برس». وتم النظر في طلبها الخميس والجمعة، وسيتم مواصلة النظر فيه يوم 15 يونيو (حزيران)، وقد استدعت محاميتها غريس مورغان شاهداً من الشرطة للإدلاء بشهادته.

وستعيش زينب، وهي أم لثلاثة أطفال، مع ابنتها في منزل عمها إبراهيم عباس في ملبورن. وأدلى هذا الميكانيكي بشهادته أمام المحكمة، قائلاً إنه يكره تنظيم «داعش».

وكانت امرأة إيزيدية قد زعمت أنها تعرضت للاستعباد في منزل أسرة زينب أحمد في عامَي 2017 و2018 في مدينة الرقة السورية، معقل تنظيم «داعش» آنذاك.

وفي لاهاي، ذكرت وكالة «رويترز» أن محكمة جزئية دانت الجمعة امرأة هولندية تبلغ من العمر 49 عاماً بارتكاب جرائم حرب، وقضت بسجنها سبع سنوات؛ لأنها سمحت لابنها الذي كان يبلغ من العمر 14 عاماً آنذاك بالانضمام مقاتلاً إلى تنظيم «داعش».

وقالت المحكمة في بيان صحافي إن المرأة دِينت بارتكاب جريمة حرب تتمثل في المساعدة والتحريض على تجنيد طفل من خلال السماح لقاصر بحمل السلاح لصالح تنظيم «داعش». ودانتها المحكمة أيضاً بالمساعدة والتواطؤ مع منظمة إرهابية، وتعريض أطفالها القاصرين للخطر.

واصطحبت المرأة ابنها وابنتها من هولندا للعيش في مناطق سيطرة التنظيم في سوريا عام 2014. ويقول القضاة إنها سمحت بعدها لابنها بالانضمام إلى الشرطة العسكرية لتنظيم «داعش» وهو في سن 14 عاماً. وكشف الحكم أن الصبي لقي حتفه بعد عامين خلال خدمته في وحدة عسكرية تابعة للتنظيم.

وخلال المحاكمة، التزمت المرأة الصمت، مستخدمة حقها القانوني في ذلك. وبعد سقوط تنظيم «داعش» في 2019، بقيت في سوريا حتى جرى ترحيلها إلى بلدها في 2024 مع ابنتها وطفل آخر أنجبته في سوريا. وقد أوقفت عند وصولها إلى هولندا.


نتنياهو يكبح غضب الوزراء في جلسة عاصفة: لا يوجد لدينا اتفاق... ننتظر «حزب الله»

ترمب ونتنياهو (صورة أرشيفية من رويترز)
ترمب ونتنياهو (صورة أرشيفية من رويترز)
TT

نتنياهو يكبح غضب الوزراء في جلسة عاصفة: لا يوجد لدينا اتفاق... ننتظر «حزب الله»

ترمب ونتنياهو (صورة أرشيفية من رويترز)
ترمب ونتنياهو (صورة أرشيفية من رويترز)

استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إعلان الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني نعيم قاسم رفضه وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، ورد على وزرائه الغاضبين جداً في اجتماع للمجلس السياسي والأمني المصغر «الكابينت»، والذين طالبوا بعرضه للتصويت قبل إقراره، بأنه لا يوجد لدينا حتى الآن اتفاق.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» و«القناة 12» الإسرائيلية إن نتنياهو أجاب وزراءه في الاجتماع العاصف الذي عُقد في وقت متأخر، الخميس، بأنه لن يدعو إلى التصويت الآن؛ لأنه «في الوقت الحالي، لا يوجد اتفاق. (حزب الله) يعارض ذلك، ولهذا لن أتخذ قراراً»، مضيفاً: «إذا وافق، فسأعرضه عليكم للمصادقة».

وجاء موقف نتنياهو في محاولة لتهدئة الغضب في الجلسة التي قالت «القناة 12» إنها تحولت إلى ساحة مواجهة عاصفة، لم يقف فيها الوزراء مكتوفي الأيدي أمام الهجمات المستمرة من قبل «حزب الله»، وهاجموا نتنياهو بشدة. وطالب الوزراء نتنياهو بتغيير وجه المعركة مع «حزب الله»، وعدم الخضوع للإملاءات الدولية، معربين عن إحباطهم العميق من ضبط النفس الإسرائيلي الحالي، ومعتبرين أن الدولة تظهر بمظهر الضعيفة.

كانت الخلفية لهذه النقاشات هي الإعلان الأميركي عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان، وخلال الجلسة أُبلغ الوزراء بمقتل ضابط المدرعات النقيب إيتان لامبرغ في جنوب لبنان، وهو ما أجج الموقف أكثر ضد أي اتفاق مع لبنان. وكشفت محاضر الاجتماع المغلق عن حجم الغضب والفجوة بين الخط الذي يقوده نتنياهو، ويتلخص بمجاراة الأميركيين والموافقة على الاتفاق، وجزء كبير من الوزراء. وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه كان يجب أن يَجري تصويت، لكن إعلان الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم رفضه لمقترح وقف إطلاق النار، ألغى التصويت.

ونقلت «يديعوت أحرونوت» و«القناة 12» جملة من مواقف الوزراء في الاجتماع العاصف. وقال وزير الطاقة والبنية التحتية إيلي كوهين: «علينا أن نقول الحقيقة لأنفسنا. في مواجهة من هذا النوع يجب أن نحطمهم (توجيه ضربة شديدة لـ/حزب الله)» وأيد الوزير في «الكابينت» زئيف إلكين، ضرب «حزب الله»، وقال: «الطرف الآخر لا يريد وقف إطلاق النار. يمكن الانتظار قليلاً، لكن لا بد من الرد». أما وزيرة الاستيطان أوريت ستروك فذهبت للمطالبة بتغيير الحدود مع لبنان، وقالت: «يجب تغيير الحدود. علينا أن نتجه في هذا الاتجاه». وقال الوزير يتسحاق فاسرلاوف وزير النقب: «لا يمكن إرضاء الأميركيين. الوقت ليس في صالحنا».

وخاطب إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي المتطرف، نتنياهو، وقال له: «اذهب إلى الولايات المتحدة، وخذ معك أطفالاً من كريات شمونة والمطلة. قل لترمب: نحن نحبك، لكن يجب الرد في الضاحية الجنوبية. وحتى إذا أدى ذلك إلى مواجهة أوسع، يجب تنفيذ مناورة عسكرية برية. سيمر ذلك سيقبله (ترمب)، جنودنا أكثر أهمية».

وشارك في بداية الاجتماع رئيس الأركان إيال زامير، لكنه لم يتحدث كثيراً. وقالت «القناة 12» إن الغضب وعدم الرضا لدى الوزراء يعود إلى عمق أكبر، فقبل ذلك بيوم واحد فقط، عرض الجيش الإسرائيلي خطة عملياتية جاهزة ومفصلة لمناورة برية واسعة النطاق في لبنان، وحظيت هذه الخطة بدعم جارف من وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اللذين أكدا أن حزب الله لن ينسحب إلى ما وراء الليطاني برغبته، وأن الحكومة اللبنانية أضعف من أن تفرض أي اتفاق على الحزب، لكن نتنياهو رد متحفظاً في هذه المرحلة على عملية برية واسعة في لبنان.

وشرح نتنياهو اعتباراته للوزراء وعلى رأسها أن «ترمب شريك استراتيجي لنا، ولا يمكننا الدخول في مواجهة مباشرة معه»، مضيفاً: «ملزمون بمراعاة المصالح المشتركة الواسعة مع إدارة ترمب في واشنطن». وقالت «القناة 12» إن هذه الإجابة لم تكن مُرضية بتاتاً لقطاع واسع من أعضاء «الكابينت»، الذين يشعرون بأن إسرائيل تكبل يديها بنفسها. ورأت القناة أنه حتى الآن، فإن إيران تتحكم في الأمور.

وكتب كل من يارون أفراهام ونير دافوري وأوهاد حامو، وهم مراسلون سياسيون وعسكريون ومحللون في «القناة 12» في تقرير مشترك: «خلف ما يحدث في لبنان، هناك تدخل إيراني واضح جداً. وكما طلب (حزب الله)، طلب (الحرس الثوري) الإيراني أيضاً: يجب على الجيش الإسرائيلي الانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية، ووقف الهجمات». وأضافوا: «لم يكن هذا مفاجئاً؛ إذ دار صراع في الأيام الأخيرة حول من يمنح الرعاية لاتفاق وقف إطلاق النار: هل يأتي عبر التفاهمات في المحور الأميركي الإيراني كما ترغب طهران، أم عبر المحور الإسرائيلي اللبناني الأميركي كما تريد تل أبيب».


قاسم يضبط إيقاعه على توقيت إيران وأجندتها السياسية

إيرانيون يحملون أعلام إيران و«حزب الله» في مسيرة في طهران (أ.ب)
إيرانيون يحملون أعلام إيران و«حزب الله» في مسيرة في طهران (أ.ب)
TT

قاسم يضبط إيقاعه على توقيت إيران وأجندتها السياسية

إيرانيون يحملون أعلام إيران و«حزب الله» في مسيرة في طهران (أ.ب)
إيرانيون يحملون أعلام إيران و«حزب الله» في مسيرة في طهران (أ.ب)

لم يكن رفضُ الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، للاتفاق الأميركي - اللبناني - الإسرائيلي مفاجئاً لكلٍّ من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. ويأتي هذا الموقف في سياق رفضه المفاوضات المباشرة، ورهانه على المفاوضات الأميركية - الإيرانية، برعاية باكستانية، بوصفها البديل الوحيد. وهذا ما أراد إبلاغه إلى المعنيين في الداخل والخارج، ومفاده أنه يضع أوراقه في السلة الإيرانية، وأن قرار الاتفاق كان ولا يزال في طهران، لا في واشنطن أو أي عاصمة أخرى.

وفي المقابل خرج رئيس المجلس النيابي نبيه بري عن صمته، بعد أن أجرى «مروحة من المشاورات» تلازمت مع اتصال تلقاه صباح الخميس من عون، وأصدر بياناً وصف فيه الاتفاق بـ«الهجين».

الدخان يتصاعد من مركبة تعرضت لاستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فموقف بري بقي تحت سقف إبدائه مجموعة من الملاحظات على الاتفاق، من دون أن يقترن بالتذكير برفضه المفاوضات المباشرة أو بربطها، أسوة بحليفه قاسم، بأجندة خارجية دافع فيها عن إيران، أو برهنها بالتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. بقدر ما توخّى من هذه الملاحظات «تحقيق التوازن من خلال تصويب الخلل الذي تضمنه الاتفاق، على قاعدة التلازم في تطبيق الخطوات، بحيث لا تقتصر على جانب واحد يتمثل في انسحاب (حزب الله) من جنوب الليطاني، من دون إلزام إسرائيل بالانسحاب من المناطق التي احتلتها»، كما تقول مصادر مطلعة على موقفه. وبالتالي، فإن أقصى ما يطمح إليه هو الأخذ بملاحظاته لتعبيد الطريق أمام تنفيذ الاتفاق، لئلا يبقى حبراً على ورق، وهذا ما لا يريده، لأن ما يهمه، كما تقول مصادره لـ«الشرق الأوسط»، هو «التوصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ يفضي إلى تحرير الجنوب، ويُعيد الاستقرار إليه، ويسمح بعودة أهله إلى قراهم، ولو اضطروا إلى الإقامة في الخيام ريثما يُعاد إعمار بلداتهم».

محاولات إنقاذ الاتفاق

أما على صعيد عون، فهو يواصل اتصالاته العربية والدولية لإنقاذ الاتفاق وقطع الطريق على عودة الجنوب إلى المربع الأول، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية بوتيرة كثيفة، لإبلاغ من يعنيهم الأمر، خصوصاً «حزب الله»، كما يقول مصدر وزاري بارز لـ«الشرق الأوسط»، بأن البديل يتمثل في تصاعد وتيرة الحرب في الجنوب من دون أي ضوابط، وقد تمتد إلى مناطق خارجه. وفي المقابل، يصرّ قاسم، من خلال رفضه الاتفاق، على ضبط أدائه السياسي وفقاً للتوقيت الإيراني، ما يُبقي مصير لبنان معلقاً على لائحة الانتظار، ريثما تتوصل الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، إلى اتفاق ينظر إليه «حزب الله» بوصفه المعبر الوحيد لتثبيت وقف إطلاق النار.

ولفت المصدر إلى أن الحزب برهانه على إيران يعتقد أن اتفاقها مع الولايات المتحدة يفتح الباب، من وجهة نظره، أمام التوافق على مخارج لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب على قاعدة التوصل لوقف شامل للنار، رغم أن اتفاق واشنطن يبقى الوحيد في متناول اليد برفض الموقّعين عليه ربط لبنان بمسار التفاوض الإيراني - الأميركي، وهذا ما أكده الرئيس دونالد ترمب.

أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم (أرشيفية - د.ب.أ)

وفي هذا السياق، سأل المصدر قاسم: كيف سيكون عليه الوضع في الجنوب في حال تأخر التوصل لاتفاق بين طهران وواشنطن؟ ومن يضمن عدم قيام إسرائيل بتوسعة الحرب؟ وهل لديه القدرة على الصمود بلجوء إسرائيل لتكثيف غاراتها على مدن وقرى الجنوب أم أنه يكتفي بالبيان الصادر عن قيادة «الحرس الثوري» في وجه الإجماع الدولي والعربي والمحلي بأكثريته الساحقة الداعم للاتفاق، وآخره الموقف الذي صدر عن الأمانة العامة للأمم المتحدة؟

البديل عن نتائج محادثات إيران وأميركا

وقال إن بعض ما ورد في الاتفاق ليس ملزماً للبنان، وتحديداً فيما يتعلق بتضمينه قول وزير الخارجية الأميركية روبيو إن «حزب الله» ليس عدواً لأميركا وإسرائيل فحسب، وإنما للبنان.

وأكد أن كل طرف في الاتفاق أدخل عليه، من وجهة نظره، ما يريده. وسأل قاسم: ما الضمانة بأن البديل عنه الرهان على ما ستتوصل إليه إيران وواشنطن؟ وهل أن الحزب بعد الضربات القاسية التي أصابته من جراء تفرّده بإسناده لغزة وإيران في الموقع الذي يتيح له بأن يفرض شروطه، وهو من جرّب الحل العسكري الذي كلّف البلد أثماناً لا تعوّض على المستويين البشري والمادي، وأوقع نفسه في التقدير الخاطئ لرد فعل إسرائيل؟

ولفت إلى أن «حزب الله»، نقلاً عن أوساطه، ينظر إلى الاتفاق على أنه حمل مضامين قاسية لا يمكنه تمريرها أو القبول بها، لكنها تبقى أقل قساوة على لبنان من تفرّده بقرار الحرب والسلم، وتفلُّت قاسم من تعهُّده لأخيه الأكبر، أي بري، بعدم التدخل إسناداً لإيران.

وقال إنه يتفهم حاجته للشعبوية لشد عصب بيئته، سواءً بإطلاقه الدعوة لزوال إسرائيل وباقتراب حلول التحرير الثالث، أو بتهديده بالنزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة، رغم أن حليفه بري كان أول من أعلن معارضته لإسقاطها.

ورأى المصدر أن التحذير الذي أطلقه عون وسلام بأن رفض الاتفاق يعني الإطاحة بآخر فرصة لإنقاذ لبنان، وأن إخلاء جنوب الليطاني من السلاح ليس مطلباً خارجياً فحسب، وإنما لبناني بامتياز، وكان يُفترض تطبيقه منذ صدور القرار «1701».

وقال: بدلاً من أن يتجاوب مع سحب سلاحه، بادر إلى إقامة الأنفاق ورفع جاهزيته بتطوير وتعزيز منشآته العسكرية التي توزّعت ما بين فوق الأرض وتحتها.

اقتران الأقوال بالأفعال

وسأل قاسم: كيف يوفق بين تمسكه بتطبيق القرار «1701» والتزامه بما نصّ عليه اتفاق «الطائف» بحصر السلاح بيد الدولة، وبين امتناعه عن تقديم التسهيلات اللوجستية لتأمين نشر الجيش في جنوب الليطاني؟ وهل يمكن تطبيقه بالتحريض على قوات الطوارئ الدولية الـ«يونيفيل» ومنعها من التحرك بتسيير دورياتها بمؤازرتها الجيش اللبناني للانتشار حتى الحدود الدولية مع إسرائيل؟

عنصر في الـ«يونيفيل» يشارك في فتح طريق مرجعيون - حاصبيا في جنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

كما سأل المصدر قاسم: ألا يستحق الشعب اللبناني منك إسناده لإنقاذه بعد إسنادك غير المحسوب لغزة وإيران؟ وما الذي يمنعك من اتخاذ قرار شجاع لتحرير الجنوب بدلاً من اتباعك سياسة المكابرة والإنكار بوقوفك خلف إيران بدلاً من دعمك الخيار الدبلوماسي الذي اتخذه عون وتبنّته حكومة سلام لتحرير الجنوب من الاحتلال؟ وألم يحن الوقت لتحريره من الرهان على إيران؟

وأضاف: ليس هناك ما يمنع قاسم من تسجيل ملاحظاته على الاتفاق بدلاً من إصراره على إسقاطه ويبادر للتفاهم عليها مع بري الذي لم يخفِ ملاحظاته عليه وطرحها للعلن بوضوح.

وتابع المصدر: نحن نتفهم الأسباب الكامنة وراء نزول قاسم بكل ثقله لمعارضة الاتفاق، وتهديد أحد مسؤولي الحزب، نواف الموسوي، بإسقاطه كما أُسقط اتفاق «17 أيار». وتعود هذه الأسباب إلى رغبته في ردّ الجميل لإيران على خلفية دعمها الحزب، وإلى ما نصّ عليه الاتفاق من «رفض أي محاولة من أي دولة أو جهة غير حكومية لاحتجاز مستقبل لبنان أو التحكم به»، فضلاً عن إدانته الهجمات الإيرانية على دول المنطقة والأنشطة المستمرة التي تقوّض الاستقرار في أنحاء الشرق الأوسط، سواء عبر دعم الوكلاء أو من خلال أي أعمال عدوانية أخرى، في إشارة مباشرة إلى إيران.ورأى أن مواصلة عون وسلام تحركهما دفاعاً عن الاتفاق يرمي لإقامة شبكة أمان دولية لتوفير الحماية للبنان بالضغط على إسرائيل لمنعها من توسعة الحرب، لا سيما أنها ماضية في تمرير رسائل نارية بالضغط على «حزب الله» لإعلامه بأن ما يحصل الآن في الميدان هو عيّنة عن البديل لرفضه الاتفاق.

فيما يترقب اللبنانيون رد فعل ترمب، وما إذا كانت الضربات الإسرائيلية ستحظى بغطائه لرفع منسوب الضغط العسكري على البلد، مع أن مصادر دبلوماسية غربية تعد أن التصعيد يخدم الحزب، ويشكل إحراجاً للحكومة ما لم تتدخل واشنطن لوضع حد له.

لذلك يمكن القول إن المشهد السياسي الخاص بـ«الثنائي الشيعي» قد اكتمل بالموقف الذي صدر عن بري، وبقي تحت سقف إعادة التوازن للاتفاق على نحو يزيل العقبات أمام تطبيقه، وأن الأخذ به سيؤدي إلى حشر «حزب الله» وسحب أوهامه من التداول واضطراره تدوير الزوايا أسوة ببري، وبالتالي الكف عن رفع السقوف السياسية في وجه العهد والحكومة.

ويبقى السؤال: كيف سيتعاطى عون والحكومة حيال ملاحظات بري على الاتفاق والتي من شأنها تحصينه؟ وهل يلقيان تجاوباً من راعيه، أي واشنطن؟ أم أن ما كُتب قد كُتب، ما يضع لبنان في مواجهة مع «الثنائي» لا يريدها بري، ولا يتمناها عون وسلام.