أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) أن التصعيد التركي الأخير ضد مناطق نفوذها شمال شرقي سوريا «لن يمر بلا ثمن»، وذلك في وقت ربطت فيه «الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا» هذا التصعيد بقرب عقد الاجتماعات الرباعية بين دول «مسار آستانا» (روسيا وتركيا وإيران وسوريا)، وطالبت كلاً من الحكومة السورية وقوات التحالف الدولي بتحديد مواقفها حيال هذا التصعيد.
وشهدت مناطق نفوذ «قسد» شمال شرقي سوريا هدوءاً نسبياً، الجمعة، بعد توقف القصف التركي الذي اندلع رداً على قصفها قاعدة جبرين العسكرية التركية في ريف حلب ومركزاً للشرطة في ولاية كليس الحدودية جنوب تركيا الأحد الماضي.
وربطت «الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا»، وهي الجهة المدنية لهذه القوات، التصعيد التركي ضد مناطقها بقرب عقد الاجتماعات الرباعية بين دول «مسار آستانا»، وقالت «قسد» في بيان نُشر على موقعها الرسمي، الجمعة، إن الجيش التركي صعّد هجماته الجوية والبرية على المناطق المأهولة بالسكان، وخصوصاً مناطق الشهباء التي تحتضن مهجّري عفرين، وكذلك مناطق منبج وعين عيسى والجزيرة خلال الأسبوع الماضي، وأقرت بسقوط 4 من مقاتليها. وذكرت أن سكان تلك المناطق، بمن فيهم الأطفال والنساء، تعرضوا للهجوم المباشر الذي «أودى بحياة ثلاثة وإصابة أربعة آخرين بينهم طفلان»، بحسب بيان القوات.
وذكرت «قسد» أن الجيش التركي وفصائل «الجيش الوطني السوري» التابعة لها، قصفت يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، بقذائف المدفعية الثقيلة مزرعة قرية الدندنية الواقعة في ريف مدينة منبج شرق محافظة حلب شمال شرقي البلاد، وأسفرت عن إصابة طفلين وقيام مقاتلي «مجلس منبج العسكري» بالوصول إلى الجرحى المدنيين ونقلهم إلى مشفى المدينة، وتعرضت قافلة الإسعاف لقصف طائرة مسيّرة تركية أدت لمقتل أربعة مقاتلين من صفوف المجلس وإصابة اثنين آخرين بجروح بالغة. كما ذكرت أن مسيّرة تركية ثانية قصفت منزلاً في قرية عرب حسن غرب منبج وأودت بحياة أحد سكانها المدنيين.
وأخبر مدير المركز الإعلامي لقوات «قسد» فرهاد شامي في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» رداً على هذه الهجمات الأخيرة، بأنه «لا يمكن فصل هذا العدوان عن مساعي الاحتلال التركي لصرف الأنظار عن مشاريعه الاستعمارية على الأراضي السورية، وبقاء جنوده ومرتزقته داخل سوريا»، واعتبر أن الدعاية التركية بالهجوم على هذه القوات «ليست سوى محاولة لإضعاف كافة القوى الوطنية المناوئة للخطط الاستعمارية التركية وردعها لعدم المواجهة». وأضاف: «المطلوب من كافة الأطراف السورية الوعي بأن محاولات إضعاف قواتنا لا تهدف سوى للمزيد من التوغل التركي أكثر بالعمق السوري، بغية التأثير على القرار السياسي السوري حاضراً ومستقبلاً».
وتقول «الإدارة الذاتية» عبر بيان نُشر على حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، إن هذه الهجمات تأتي في الوقت الذي يزداد فيه الحديث عن استمرار الاجتماعات الرباعية، لـ«وضع خرائط الطريق للعمل وإحداث آليات أمنية جديدة بين الطرفين (التركي - السوري)، وهذه التطورات والوضع يخلق أمامهم إشارات استفهام كثيرة».

ورأى رئيس دائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة» بدران جيا كرد أن تركيا تسعى إلى تعميق الأزمة السورية وإطالة حربها وتفكيك أراضي البلاد ووحدتها، وقال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «تركيا دعمت وساندت المجموعات الإرهابية، وتدخلها كان لصرف الانتباه عن أزماتها الداخلية وتصدير مشاكلها إلى جيرانها، عبر اعتداءاتها وهجماتها واستخدامها للمجموعات الإرهابية والمرتزقة في سبيل تحقيق أهدافها».
وحذر جيا كرد من احتمالية عقد تفاهمات وصفقات جديدة بين تركيا وغيرها من الأطراف الفاعلة بالحرب السورية ضدها، وقال في ختام حديثه: «ستدفع بالمنطقة وسوريا عموماً للخطر الكبير، وستجعل الجميع أمام احتمالات جديدة سيئة للغاية في سوريا وكل المنطقة».
وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن التصعيد التركي خلّف 69 قتيلاً في صفوف «وحدات حماية الشعب» الكردية، أكبر مكونات «قسد»، وأنه تركز في اليومين الأخيرين على مدينتي تل رفعت ومنبج في ريفي حلب الشمالي والشرقي، إلى تحركات من جانب روسيا والتحالف الدولي.
وألغت القوات الروسية دورية مشتركة مع نظيرتها التركية كانت مقررة، الجمعة، في ريف الحسكة الشمالي، ضمن الدوريات المتفق عليها بحسب مذكرة تفاهم سوتشي الموقعة بين أنقرة وموسكو في أكتوبر (تشرين الأول) على خلفية عملية «نبع السلام» العسكرية التي شنتها تركيا في ذلك الوقت على مناطق «قسد» في شمال شرقي سوريا.

وألغيت الدورية بالتشاور بين الجانبين، وذلك بعد أن سيرت القوات الروسية، الخميس، دورية عسكرية منفردة في المنطقة دون حضور الجانب التركي. وتسبب القصف التركي على مواقع «قسد» في مقتل جندي روسي وإصابة 4 آخرين، الاثنين الماضي، حيث تزامن القصف بالمدفعية الثقيلة من داخل الحدود التركية مع مرور رتل عسكري روسي على طريق مزارع أم الحوش - حربل بريف حلب الشمالي.
كما هاجمت مسيّرة تركية مذخّرة قاعدة روسية في قرية الوحشية بريف حلب الشمالي، ضمن منطقة سيطرة «قسد» والقوات السورية، الأربعاء، وتسبب الهجوم في أضرار مادية فقط. وسيّرت قوات «التحالف الدولي» دورية عسكرية في مدينتي رميلان وقحطانية شمال شرقي الحسكة، ضمن مناطق سيطرة «قسد» والقوات السورية، مؤلفة من 5 دبابات «برادلي»، برفقة مدرعة عسكرية لـ«قسد»، وتجولت بين المدنيين في القرى الحدودية، للحديث مع الأهالي حول آخر المستجدات حول التصعيد التركي الأخير والاطلاع على مخاوفهم.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، بأن الأهالي طلبوا من القوات الأميركية فرض حظر جوي على مناطق شمال شرقي سوريا لحماية المدنيين من الهجمات التركية، وذلك بعدما نفذ سلاح الجو التركي 9 استهدافات بالمسيّرات المذخّرة على مناطق في شمال شرقي سوريا خلال 12 يوماً تسببت بمقتل 16 شخصاً، إضافة إلى إصابة 10 عسكريين و7 مدنيين بجروح متفاوتة. وعبّر الأهالي عن مخاوفهم بسبب الصمت الدولي على التصعيد التركي، مؤكدين أن هذا التصعيد كان متوقعاً في حال فوز الرئيس رجب طيب إردوغان في الانتخابات؛ لأنه أعلن مراراً قبل الانتخابات عزمه على استهداف مناطقهم.
وفي غضون ذلك، أغلقت فصائل ما يعرف بـ«الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا، معبر «الحمران - أم جلود»، الذي يفصل بين مدينة جرابلس ضمن مناطق سيطرتها والقوات التركية، ومدينة منبج ضمن مناطق نفوذ «مجلس منبج العسكري»، التابع لـ«قسد» في ريف حلب الشرقي، بشكل مؤقت بسبب التحليق المتواصل للطيران الحربي الروسي في أجواء المنطقة.








