المبعوث الأممي إلى سوريا: لحظة فارقة... وعلى دمشق التحرك

بيدرسون قال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك إجماعاً على عدم استمرار الوضع الراهن

غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
TT

المبعوث الأممي إلى سوريا: لحظة فارقة... وعلى دمشق التحرك

غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)

نوه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، اليوم (الخميس)، بـ«المبادرة العربية» مع دمشق، مشدداً على أهمية التوفيق بين هذه المبادرة ومسار موسكو الذي يضم روسيا وإيران وتركيا وسوريا والحكومة السورية، والموقفين الأميركي والأوروبي، للمضي قدماً نحو إيجاد حل سياسي.

وقال بيدرسون إن سوريا تمر بـ«لحظة فارقة» وعلى دمشق استثمار «نافذة الفرصة» للتحرك نحو التسوية، مشيراً إلى أن جميع الدول «تدعم» مقاربة «خطوة مقابل خطوة» التي تتضمن اتخاذ جميع الأطراف لإجراءات «متوازية ومتبادلة ويمكن التحقق منها»، إزاء قضايا عدة، بينها المعتقلون والسجناء وعودة اللاجئين والعقوبات.

وفي ما يلي نص الحديث الذي أجري عبر الإنترنت صباح الخميس:

* ستعقد القمة العربية في جدة وسيشارك الرئيس السوري بشار الأسد للمرة الأولى منذ 2010. ماذا يعني هذا بالنسبة إلى المبعوث الأممي؟

- لابد من البدء بالقول إن البحث عن حل سياسي مستمر منذ 12 سنة. ونعرف أن المشاكل عميقة جداً وأنه ليس هناك حل سياسي سهل. لكن في الوقت نفسه، نعرف أن هناك إجماعاً دولياً متفقاً عليه بأن قرار مجلس الأمن 2254 هو قاعدة الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية.

أيضاً، نعرف أنه على رغم أن لدينا اتفاقاً حول القرار 2254، فإن العملية السياسية لم تحقق التقدم المنشود. لنكن صريحين حول ذلك.

ليست هناك طرق مختصرة للحل السياسي للأزمة السورية، لكن في الوقت نفسه، يجب أن نرحب بالاهتمام الدبلوماسي المتجدد بشأن سوريا. هناك مسارات ومبادرات مختلفة. شاهدنا الاجتماع بين أربعة وزراء خارجية عرب ونظيرهم السوري في عمّان واجتماعات عدة في موسكو ضمّت الروس والإيرانيين والأتراك والسوريين، بما فيها لقاء وزاري رباعي وقبله لقاء بين وزراء الدفاع.

بالطبع، يجب أن نتذكر أنه بعد 12 عاماً من الحرب والصراع الدموي، ساهمت الزلازل الكارثية في فبراير (شباط) الماضي في تدهور الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً. الواقع أن الوضع على الأرض نتج عنه اتخاذ خطوات رمزية من الأطراف كافة، إلا أنها لم تؤد إلى تغيير الوضع على الأرض وتحسين وضع السوريين.

* ألا يوجد تحسن؟

- دعني أؤكد، كما قلت سابقاً، أننا بحاجة لتعاون جميع الدول الأطراف في عملية آستانا والعرب والأطراف الرئيسية. إن الحل الشامل للأزمة لم يتحقق حتى الآن، لكن يجب الاستمرار في المحاولة. بالتوازي مع إدراك أن الوضع الراهن غير مقبول أو مستدام، لابد من إيجاد طريقة للمضي قدماً. وما نراه من جميع الأطراف والأطراف المجتمعة في موسكو، أن هناك اتفاقاً على أن استمرار الوضع الراهن غير مقبول. حتى الأطراف الغربية تقول ذلك. هناك إجماع على هذا. السؤال هو: كيف ندفع الأمور للتحرك قدماً؟

«خطوة مقابل خطوة»

* هل يجعل هذا كله تنفيذ مهمتك أسهل أم أصعب؟

- المطلوب أن نبني على الإجماع كي نقوم بخطوات ملموسة لتنفيذ القرار 2254. وكما تعرف أنا اقترحت مقاربة «خطوة مقابل خطوة» بناء على التفاهم الذي ذكرته. كما تعرف أنني انخرطت مع أصدقائي العرب والدول أطراف عملية أستانا، والطرفين الأميركي والأوروبي والأطراف السورية.

* ما هي مقاربة «خطوة مقابل خطوة»؟

- نحاول القيام بما نسميه، خطوات ملموسة ومتدرجة ومتبادلة، تساهم في تحقيق دفع العملية السياسية. هذه الخطوات من المهم جداً أن تكون متوازية وقابلة للتحقق منها. ومن المهم أن تساهم في تغيير الواقع على الأرض.

* ماذا تتضمن الخطوات؟

- حددت بعض الخطوات التي يمكن القيام بها. نعرف جميعاً أن ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مهم جداً. وكذلك ضرورة توفير بيئة آمنة وكريمة للعودة الطوعية للاجئين. هذه خطوة مهمة. أيضاً، لابد من مناقشة حقوق الملكية والمنازل والأراضي والتوثيق المدني والخدمة العسكرية الإلزامية. يضاف إلى ذلك، السلم الاجتماعي أو أمور باتت أكثر أهمية بعد الزلزال. ولابد أيضاً من مناقشة العقوبات.

بشكل عام، يجب انخراط الأطراف كافة في عملية سياسية ذات مصداقية ووضع قضايا على الطاولة. بصراحة أرى أنه من خلال النقاشات التي أجريتها مع الأطراف كافة، أن هناك تقاطعات بين المبادرات المختلفة على رغم بعض الاختلافات، وهو أمر طبيعي.

بالتأكيد لاحظت أنني قلت، إن ما نراه في موسكو والمبادرة العربية، قد يخلقان ديناميكية جديدة للتحرك. وأقول إنه من المهم جداً أن تستغل دمشق هذه الفرصة للانخراط بجدية.

لا طرف يمكنه الحل بمفرده

* ذكرت «خطوة مقابل خطوة» وهي جزء من الحل السياسي. وهذه المقاربة ذكرت في بيان عمّان الوزاري الخماسي. هل تعتقد أن هذه المبادرات ستتبلور بشكل جدي أم أن الأمر يقتصر على مجرد بيانات؟

- أجريت مشاورات جيدة مع وزراء خارجية الدول العربية الرئيسية ووزير خارجية سوريا فيصل المقداد. الكل يعرف التحديات الرئيسية لحل الصراع السوري. كما قلت إن الواقع على الأرض لم يتغير، فسوريا مازالت مقسمة. هناك أطراف مختلفة تسيطر على مناطق مختلفة في سوريا، إضافة إلى أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة وتحدي الإرهاب والتطرف. وتتحدث الأطراف العربية عن مشكلة إنتاج المخدرات وتهريبها. وكلها أمور تحتاج إلى فهم عميق وتحرك مناسب.

تلقيت رسائل إيجابية من وزراء خارجية عرب عدة للتنسيق مع الأمم المتحدة لمعالجة هذه القضايا. وأتطلع بعد القمة العربية للبحث في كيفية المضي قدماً. كما أنني أتطلع إلى مواصلة التشاور مع مسار موسكو. كما قلت، هناك تقاطعات بين ما يناقشه العرب ومسار موسكو الرباعي. من الأهمية بمكان أن نستمر في التنسيق والتشاور.

لابد من القول، وأكرر، إنه لا يوجد أي طرف من الأطراف يمكنه بمفرده إيجاد حل. لذلك لابد من مشاركة جميع الأطراف. هذا يشمل العرب والأتراك والإيرانيين والروس والولايات المتحدة والأوروبيين والأطراف السورية. أرى أن دوري جمع الأطراف سورياً حول الطاولة لمناقشة كيفية تحريك دفع العملية السياسية وتغيّر الوضع على الأرض بشكل جذري.

* هل صحيح أن هناك برنامجاً زمنياً وضعته بعض الدول العربية، وهي تتوقع أن تقوم دمشق بالتحرك حول بعض القضايا؟

- لا أريد أن أتحدث نيابة عن الدول العربية. كان لدينا نقاش ممتاز وآمل في مواصلة الحوار والتنسيق والمتابعة لتحقيق بعض النجاح على بعض المسارات. هذا يتطلب العمل الجاد المكثف. فالاحتياجات في سوريا لا تزال هائلة وهي أكثر إلحاحاً بعد الزلزال، ولابد من التأكد مما إذا كانت هناك رغبة جدية للمضي قدماً بطريقة متقابلة ومتوازية ويمكن التحقق منها.

* لاحظت فجوة بين التطبيع العربي مع دمشق وبين قيام دول غربية، خصوصاً الكونغرس الأميركي، بفرض إجراءات إضافية ضد سوريا. بالنسبة إليك كمبعوث أممي، هل هذا يسهّل مهمتك أم يعقدها؟

- أنت محق، هناك انقسام في المجتمع الدولي إزاء كيفية التعاطي مع سوريا. هناك جدل في واشنطن وعواصم أوروبية حول كيفية التعامل مع التطورات الأخيرة. انطباعي، أنهم جميعاً يفهمون، بل يدعمون مفهوم «خطوة مقابل خطوة». أعتقد، إذا انخرطت دمشق في هذه العملية، ستكون هناك فرصة لتحقيق تقدم.

استئناف اجتماعات جنيف

* سمعت من مصادر أن المقاربة للحل هي أن نقدم حوافز لدمشق بينها التقارب العربي، ثم على دمشق أن تقدم شيئاً ملموساً في موضوع الكبتاغون وعودة اللاجئين خلال فترة بين 4 و6 أشهر، وأنه إذا لم يتحقق تقدم، فإن الدول الغربية ستعزز إجراءاتها العقابية ضد دمشق؟

- لاشك أن الإجابة على هذا السؤال لدى الدول الغربية. أما بالنسبة لي، فالوصغ كالآتي: بعد 12 سنة من الحرب والصراع، هناك مبادرات من العرب ومن الأتراك ومسار آستانا، تخلق فرصاً جدية للدفع قدماً. ما نريده هو أن تستجيب دمشق بشكل إيجابي لهذا الأمر. إذا لم يحدث ذلك، فإن الوضع الاقتصادي والإنساني، سيستمر في التدهور، وسينهار النسيج الاجتماعي. فنحن بالفعل إزاء لحظة فارقة. لقد صدرت تصريحات من المسؤولين العرب تدعو إلى عقد اجتماع جديد للجنة الدستورية. وقد وردت الإشارة إلى ذلك في بيان عمان. وأشدد من جانبي على ضرورة استئناف عقد اجتماعات اللجنة في جنيف كخطوة أولى.

كما قلت، من المهم أن تقوم اللجنة الوزارية العربية التي شكلت مؤخراً في إطار الجامعة العربية بدورها في المتابعة. ولابد من إجراء مناقشات جدية مع تركيا وإيران وروسيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية بالتنسيق مع الأمم المتحدة كجهة قادرة على التحدث إلى جميع الأطراف ودعوتها إلى الطاولة، وهو ما لا يتسنى لأي طرف آخر.

* البعض يقول إن مسار موسكو الرباعي والمسار العربي هما مساران بديلان عن مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة، وأن الضحية الأكبر لكل ذلك، هي عملية ترعاها الأمم المتحدة إزاء اللجنة الدستورية أو القرار 2254؟

- كما قلت، هناك مساحة للتوفيق بين هذا المسارات. إذا بدأت هذه المسارات في تحقيق تقدم ملموس سيكون هذ الأمر داعماً لما أريد إنجازه، وهو تحريك العملية السياسية للوصول إلى بيئة هادئة وآمنة و محايدة تمكننا من التقدم في العملية السياسية. كما قلت سابقاً، إن جميع المبادرات مهمة، لكن ما يجب أن نراه هو مزيداً من الانخراط الدولي ورؤية شاملة لما هو مطلوب تغييره في سوريا. الأمر ليس سهلاً، لكن هناك بداية وفرصة.

* ما الخطوات المقبلة التي ستعمل عليها؟

- نراقب ما يحصل في مسار موسكو والمبادرة العربية والوضع على الأرض، وبناء على ذلك، سنحدد كيفية التحرك مع الأطراف المختلفة لضمان التنسيق مع السوريين والعرب وموسكو والولايات المتحدة والدول الأوروبية.

نحن أمام تحدٍ كبير، فإذا لم تنخرط الدول الرئيسية بجدية، سنشهد جموداً في العملية، مهمتي هي الحيلولة دون حدوث ذلك. فالرسائل التي تصلني من المسؤولين العرب مشجعة.

محاولة جدية لتغيير الوضع الراهن

* ماذا ستقول للسوريين في دمشق وإدلب والقامشلي وفي سوريا وخارجها، كي يشعروا بأن وضعهم سيتحسن؟ كيف تقنعهم أن الحل قادم؟

- سأكرر ما قلته سابقا، أتفهم احباطهم بعد 12 سنة من الحرب والصراع إزاء عدم التقدم في العملية السياسية. وأتفهم أن هناك شكوكاً وخيبات كثيرة وأن هناك تحركات سياسية لم تغير الوضع على الأرض. دوري ودور فريقي، أن نجعل من هذا بداية للتغيير الحقيقي وتغيير الأمر على أرض الواقع. إذا لم يحصل هذا، فإننا نخاطر بامتداد الحرب والصراع على مدار سنوات ومزيداً من التدهور في الوضع الاقتصادي والإنساني. فالسوريون يستحقون بصيصاً من الأمل، والعيش بأمن وكرامة سواء داخل سوريا أو لمن يرغبون في العودة وتحقيق تطلعاتهم المشروعة. كما يتوجب إعادة اللحمة إلى المجتمع السوري. هناك حديث بين المسؤولين العرب، حول المصالحة الوطنية. دعنا نأمل أنها بداية لشيء لجديد. هل النجاح مضمون؟ المهم هناك محاولة جدية وقناعة أن الوضع الراهن غير مقبول.

* تشعر المعارضة السياسية السورية بأنه تم التخلي عليها... هل شعورهم صحيح؟

- إذا أدت التحركات الدبلوماسية المكثفة التي شاهدناها مؤخراً إلى تغيير الوضع على الأرض فسيكون هذا مصدر ترحيب من قبل الجميع. أتفهم التشكيك في ما إذا كان ذلك ممكناً.

* في بداية 2014 عقد مؤتمر في سويسرا لتطبيق «بيان جنيف»، وفي نهاية 2015 عقد مؤتمر في فيينا أسفر عن صدور القرار 2254 من مجلس الأمن. في 2023، هل سنرى مؤتمراً دولياً، بحضورك، للبحث عن حل سياسي سوري؟

- من المبكر التنبؤ بما سيكون عليه الحال. ما أريد قوله، إنه كي نتحرك إلى الأمام، لابد من أن تعمل جميع هذه المبادرات معاً. أريد العمل على أن تكون جميع الأطراف على الطاولة: الأطراف السورية، دول مسار استانا، الأطراف العربية، والولايات المتحدة والدول الأوروبية. وسأبذل قصارى جهدي لتحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعيد تشكيل انتشارها في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية تمرّ قرب منازل مدمّرة جراء غارات إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تدخل العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان مرحلة مختلفة، مع اتجاه الجيش الإسرائيلي إلى تقليص حجم قواته وإعادة تنظيمها على امتداد ما يسميه «الخط الأصفر»، بالتوازي مع إنشاء شبكة جديدة من المواقع العسكرية، فيما تشير التغييرات في تركيبة الوحدات إلى انتقال من الاعتماد المكثف على القوات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت خطوط الانتشار والإمساك بالمواقع.

وأفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن «الجيش الإسرائيلي سيدخل خلال الأيام المقبلة ما وصفته بـ(مرحلة جديدة) من القتال في جنوب لبنان، بعد استكمال عملياته في مرتفعات علي الطاهر ومناطق أخرى»، مشيرة إلى أن «ذلك يتيح تقليص القوات وإعادة تنظيمها في منطقة (الخط الأصفر) وإنشاء منظومة جديدة من المواقع العسكرية وإراحة قوات الاحتياط».

مبانٍ متضررة ومدمرة في المنصوري بجنوب لبنان فيما تهدم آليات إسرائيلية ثقيلة منازل في البلدة كما تبدو من الحنية (رويترز)

سحب وحدات هجومية

وقال مصدر مطلع على تفاصيل الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن التغييرات الأخيرة التي أدخلها الجيش الإسرائيلي على تشكيل قواته في الجنوب «تشير، من الناحية العسكرية، إلى الانتقال من الاعتماد المكثف على الوحدات الهجومية والنخبوية إلى تثبيت الجبهة والإمساك بالمواقع بواسطة وحدات نظامية ومدرعة».

وأوضح المصدر أن «القوات الإسرائيلية كانت تعتمد خلال العمليات السابقة على مجموعة من الفرق والألوية المنتشرة في الجنوب»، لافتاً إلى أن «(الفرقة 146) تولت جزءاً من المهام في القطاع الغربي، فيما شاركت (الفرقة 36) في العمليات بالقطاعَيْن الأوسط والشرقي».

وقال إن المرحلة الأخيرة «شهدت سحب عدد من الوحدات التي اضطلعت بأدوار هجومية، بينها لواء (غولاني)، واللواء المدرع الاحتياط الرابع (كرياتي)، ولواء (الكوماندوز 89)، ولواء (المظليين الاحتياط 55)، مقابل إدخال اللواء المدرع (188 باراك)، ولواء (بيسلماح 828)، وهو لواء تدريبي يمكن استخدامه في مهام قتالية».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات نخبة ووحدات كانت مهيّأة للاقتحام والهجوم، وتُستبدل بها وحدات نظامية أو مدرعة ووحدات تتولى أساساً الإمساك بالمواقع، فهذه إشارة عسكرية إلى أن الهدف في هذه المرحلة ليس التحضير لاندفاعة برية واسعة، بل تثبيت الجبهة والحفاظ على الوضع القائم».

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم منازل في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن لواء «الكوماندوز»، الذي تضم تشكيلاته وحدة «إيغوز»، إلى جانب وحدات هندسية متخصصة مثل «يهلوم»، شارك خلال المرحلة السابقة في عمليات هجومية وتدمير منشآت وأنفاق، بما في ذلك العمليات التي شهدتها منطقة علي الطاهر.

وقال: «هذه الوحدات هي من القوات التي استُخدمت في المهام الهجومية المعقّدة، وعندما يُعاد قسم منها إلى الخلف وتُستبدل وحدات أخرى به، فهذا يعني أن طبيعة المهمة نفسها تتغير».

وأضاف: «عندما تُسحب وحدات هجومية مثل (الكوماندوز) و(المظليين) و(غولاني)، فهذا يُعطي مؤشراً إلى أن الأولوية باتت تثبيت الخطوط أكثر من فتح محور هجوم بري جديد».

وشدد المصدر على أن هذا التحول «لا يعني توقف العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان»، قائلاً: «يمكن أن تستمر أعمال التفجير والهدم والعمليات الهندسية والغارات والتحركات أمام ما تسميه إسرائيل (الخط الأصفر) وفي مناطق أخرى، لكن طبيعة القوة الموجودة على الأرض تصبح مختلفة، فهي أقرب إلى قوة إمساك ودفاع منها إلى قوة معدّة لتنفيذ هجوم واسع».

وختم: «المؤشر العسكري الذي يمكن قراءته من إعادة الانتشار الحالية هو تثبيت الجبهة وإراحة الوحدات الهجومية، وليس التحضير، وفق المعطيات الموجودة حالياً، لهجوم بري واسع. أما إذا كان لذلك بعد أو قرار سياسي فهذا لا يمكن حسمه انطلاقاً من حركة الوحدات العسكرية وحدها».

تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار

من جهته، قال العميد المتقاعد سعيد قزح لـ«الشرق الأوسط» إن الحديث عن تقليص إسرائيل قواتها في جنوب لبنان «لا يعني بالضرورة تقليص انتشارها أو تراجع سيطرتها الميدانية»، موضحاً أن أمامها، وفق المعطيات العسكرية، أكثر من خيار يتعلق بشكل انتشارها وحجم القوات المستخدمة.

وقال قزح: «هناك احتمالان أساسيان: إما توسيع المنطقة العازلة والعمليات العسكرية باتجاه إقليم التفاح ومجرى نهر الزهراني، وإما العودة إلى ما سبق أن طُرح تحت عنوان (الخط الرمادي)، عبر إنشاء قواعد ونقاط عسكرية على امتداد هذا الخط، بعمق يقارب أربعة كيلومترات، على الصف الأول من التلال المشرفة على المستوطنات».

وأضاف: «يمكن أن تنتشر إسرائيل في نحو 20 إلى 25 نقطة على هذا الخط، بعد استكمال عمليات التدمير في المنطقة التي حددتها ضمن (الخط الأصفر)، بالإضافة إلى مناطق أخرى، بينها علي الطاهر، وتبقي بعد ذلك المنطقة المقابلة تحت المراقبة والاستطلاع الجوي والسيطرة بالنار».

وشدد على أن «تقليص القوات لا يعني تقليص الانتشار»، وقال: «بعد حجم التدمير الذي نفذته إسرائيل في القرى والمناطق الجنوبية، أصبحت قادرة على مراقبة أي تحرك في هذه المنطقة واستهدافه بالطيران، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى العدد نفسه من القوات البرية. يمكنها خفض عدد القوات أو سحب فرقة أو فرقتين والإبقاء على الانتشار الحالي، كما يمكنها تقليص القوات إذا تراجعت إلى (الخط الرمادي)».

وأضاف: «أما إذا كان القرار هو التقدم وتوسيع نطاق العمليات فلا يمكن عندها تقليص القوات، بل تحتاج إسرائيل إلى قوات إضافية. لذلك، إذا كان الاتجاه فعلاً نحو خفض عديد القوات، فهذا يرجح عدم التقدم براً، مع الحفاظ في المقابل على السيطرة النارية».

وأكد قزح أن إسرائيل «ستحافظ على السيطرة بالنار والمراقبة الجوية والرصد، ولا سيما في المناطق التي تعتبر أنها تشكل خطراً مباشراً على المستوطنات»، مشيراً إلى أن «مواقع الرصد في جبل الشيخ تمنحها قدرة واسعة على مراقبة البقاع الغربي وأجزاء كبيرة من الجنوب، فيما تتيح المواقع والتلال التي تسيطر عليها مراقبة مساحة واسعة تمتد من مجرى الليطاني شرقاً باتجاه البقاع الغربي، وغرباً باتجاه الساحل».

تصعيد إسرائيلي في جنوب لبنان

ميدانياً، توغلت قوة إسرائيلية، صباح الجمعة، إلى محلة سدانة في خراج كفرشوبا، وطوّقت مزرعة يوجد داخلها عدد من الرعاة، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي في المنطقة.

وتعرضت أطراف الهبارية لقصف مدفعي وتمشيط بالرشاشات الثقيلة، مع تحركات لآليات إسرائيلية، فيما أضرمت القوات الإسرائيلية النار في عدد من المنازل بمنطقة الجلاحية في الخيام.

وطال القصف المدفعي أطراف زوطر الشرقية وميفدون والنبطية الفوقا، بالتزامن مع غارات على زوطر الشرقية وبني حيان والمنطقة بين كفرتبنيت والنبطية الفوقا، وأخرى بين فرون والغندورية أدت إلى اندلاع حريق.

كما نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرات في دير سريان ومحيط الطيبة، وقصف وادي الخنازير وأطراف كفرتبنيت، فيما سجل تمشيط بالأسلحة الرشاشة باتجاه المنصوري وبيت ياحون. وكان القصف المدفعي قد استهدف ليلاً وادي الحجير ومجدل زون والأودية المجاورة.


واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
TT

واشنطن تضغط ليتولى الجيش اللبناني وحيداً أمن الحدود الجنوبية

جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)

تتبنى الولايات المتحدة الأميركية مقاربة مختلفة عن المقاربة الأوروبية تجاه الحضور الدولي في الجنوب وتعزيز استقرار المنطقة الحدودية، وسط مخاوف لبنانية من «فراغ» في الجنوب، مع نهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام (اليونيفيل) أواخر العام الحالي.

وبعدما أسقطت واشنطن في الأسبوع الماضي مقترحاً لبنانياً لتمديد مهمة القوة الدولية لمدة 6 أشهر، يصل وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيار لاكروا إلى بيروت، الأسبوع المقبل، للبحث مع الرئيس اللبناني جوزيف عون والمسؤولين اللبنانيين في مقترحات لتجنب الفراغ في الجنوب، بعد نهاية ولاية «اليونيفيل».

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، إن بيروت تنتظر ما يحمله لاكروا، لافتة إلى عدة مقترحات طُرحت خلال الفترة الماضية، من بينها تشكيل قوة أوروبية بديلة عن «اليونيفيل»، وزيادة عديد قوة هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO). ولفتت إلى المبادرة الفرنسية - الإيطالية لتشكيل قوة بديلة، إثر إعلان دول أوروبية وآسيوية مشاركة في «اليونيفيل» عن استعدادها للبقاء في لبنان لاستكمال المهمة.

مقاربتان أميركية وأوروبية

ومع أن أغلبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن تدعم تمديد مهمة «اليونيفيل» أو تشكيل بديل عنها، فإن واشنطن ترفض ذلك. وتقول مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» إن وجهة النظر الأميركية تفيد بأن الجيش اللبناني وحده يجب أن يتولى مهمة أمن الحدود، ومن هذا المنطلق، «يجب ألا يكون هناك داعٍ لأي قوة أخرى في المنطقة».

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

لكن المقاربة الأوروبية تختلف عن المقاربة الأميركية، ولو أنها تتفق مع واشنطن على أنه في النهاية يجب أن يتولى الجيش اللبناني وحده مهمة حماية الحدود وضبط الأمن. ويتمثل الاختلاف في التوقيت. وتقول المصادر الدبلوماسية نفسها إن المقاربة الأوروبية «تفيد بأن الجيش اللبناني يجب أن يتولى المهمة بنفسه في النهاية، لكنه في هذا الوقت، لا يستطيع أن ينفذ المهمة وحده، ويحتاج إلى مؤازرة دولية في هذه المرحلة الانتقالية».

وتستند المقاربة الأوروبية إلى عاملين؛ أولهما الاحتلال الإسرائيلي وتعثر المفاوضات الأمنية في الوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، بينما يتمثل العامل الثاني في حاجة الجيش اللبناني للدعم، على صعيد العديد والتسليح، وهو ملف لم يُحسم في اجتماعات باريس الأسبوع الماضي، رغم الاستعداد الدولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية الرسمية.

تنسيق مباشر وشاهد دولي على إسرائيل

ويؤيد لبنان المقاربة الأوروبية، بالنظر إلى أن الجيش اللبناني «يحتاج إلى السلاح والذخيرة والآليات»، وتؤكد المصادر اللبنانية أنه «من دون هذا الدعم المطلوب، لا يستطيع الجيش وحده أن ينفذ المهمة»، وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «على واشنطن البدء بتجهيز الجيش وتقويته، قبل الحديث عن تسليمه أمن الحدود وحده».

عنصر في «اليونيفيل» يشارك في مهام إزالة مخلفات الحرب (اليونيفيل)

ولا يقتصر إلحاح لبنان على بقاء قوة دولية في الجنوب، على تجهيزات الجيش اللبناني فقط؛ إذ يرى أن الإصرار الأميركي على رفض قوة دولية في الجنوب، «تسعى به واشنطن إلى دفع الجيش اللبناني نحو تنسيق مباشر مع الجانب الإسرائيلي»، في وقت تدفع فيه بيروت باتجاه أن يكون هناك شاهد دولي على الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب.

وقالت مصادر لبنانية مواكبة للملف، إن بيروت «تريد شاهداً على أي خروق تقوم بها إسرائيل في الجنوب؛ لأن تل أبيب ستشكك بتقارير الجيش اللبناني وتشن الحملات عليه، لذلك فالمطلوب أن تكون هناك قوة دولية تشهد على الخروق الإسرائيلية أمام العالم، كما يتوجب عليها أن تساعد الجيش اللبناني على الانتشار». وأوضحت المصادر: «نطلب أن تكون القوة الدولية مساعدة للجيش في الانتشار وإزالة الألغام ومخلفات الحرب، والمساعدة في فتح الطرقات وتأمين الكهرباء والإسعافات والرعاية الصحية في المستوصفات وغيرها؛ لأن مهام الجيش اللبناني في الجنوب تشمل توفير الأمان للسكان العائدين في ظل الظروف الحالية».

دول منسجمة في المهمة

وخلال الفترة الماضية، برزت مقترحات لتشكيل قوة بديلة، إذا فشلت تمديد مهمة «اليونيفيل». وأبدت عدة دول، وفي مقدمها دول أوروبية، استعدادها لتكون جزءاً من تلك القوة.

وقالت المصادر الدبلوماسية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعات بين ممثلين لدول أوروبية ناقشت، مطلع هذا الشهر، فكرة أن تكون هناك مهمة بديلة، وركزت على أن تكون الأطراف المضطلعة بالمهمة «منسجمة في المقام الأول، وتحظى بموافقة لبنان وإسرائيل»، إضافة إلى نقاشات دارت حول تمويلها.

وأعربت دول كثيرة عن استعدادها لتكون من ضمن أي قوة بديلة يجري تشكيلها، وفي مقدمها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، حسبما قالت مصادر لبنانية مواكبة للملف.

جنود من بعثة «اليونيفيل» يشاركون في دورية عسكرية في جنوب لبنان على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

ويبلغ عديد القوة الدولية العاملة في الجنوب الآن 8100 عنصر، ولا تزال القوة الفرنسية تنفذ دوريات في المنطقة الحدودية التي تحتلها إسرائيل، وتواكب قوافل اللبنانيين المقيمين في ثلاث قرى حدودية تشكنها أغلبية مسيحية، إلى العمق اللبناني في رحلتي الذهاب والإياب.

دفع لبناني متواصل

ويدفع لبنان باتجاه توفير المظلة الدولية في الجنوب وتجنب الفراغ الأمني والدولي فيه، وهو ملف يُطرح مع جميع الموفدين الدوليين، وكان آخرهم كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الذي استقبله الرئيس عون في بيروت، وأكد أن عدم التمديد لـ«يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

واصطدمت الجهود اللبنانية بالرفض الأميركي، ويسعى رئيس الحكومة نواف سلام لحلحلة هذه الأزمة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال لقائهما في واشنطن، الاثنين المقبل، بعدما بحثه مع العديد من الشخصيات التي التقى بها في نيويورك على هامش مشاركته في الدورة الـ81 من اجتماعات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ومن بينها اجتماعه مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر، الخميس. وقال خلال اللقاء: «بحثنا أهمية استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة في الجنوب بعد انتهاء مهمة (اليونيفيل)، بما يحول دون حصول أي فراغ ويدعم الاستقرار ومسار بسط سلطة الدولة».


شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
TT

شبكات تهريب الأشخاص تستأنف نشاطها على الحدود السورية - اللبنانية

صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)
صورة نشرها الجيش اللبناني لبحريته أثناء إنقاذها المهاجرين السوريين (إكس)

عادت أزمة تهريب الأشخاص من سوريا إلى لبنان لسلّم الأولويات اللبنانية، على خلفية معلومات عن تنشيط شبكات التهريب عملياتها خلال الفترة الماضية، رغم أن هذه العمليات لا تزال «محدودة»، وفق ما يقول مصدر عسكري لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت قنوات إخبارية محلية بتسجيل عمليات تهريب أشخاص من سوريا إلى لبنان عبر معابر غير شرعية في المناطق الحدودية بعكار، مشيرة إلى حركة عبور شبه يومية لعشرات الأشخاص. إلا أن مصدراً عسكرياً نفى تسجيل أي حركة غير اعتيادية في هذا المجال، مؤكداً أن «ما يحصل يندرج في إطار العمليات المحدودة المتواصلة عبر المعابر غير الشرعية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الجيش يقوم بالمهام المطلوبة منه في إطار ضبط الحدود، لكن تداخل البلدات اللبنانية والسورية وطول هذه الحدود يجعلان من الصعب جداً ضبطها بالكامل، وهي أزمة تعاني منها كثير من دول العالم».

وليس واضحاً ما إذا كان معظم الداخلين خلسة إلى لبنان يعتزمون الاستقرار فيه، أم استخدامه محطة للانتقال إلى أوروبا، خصوصاً أن السنوات الماضية شهدت إحباط محاولات عدة لنقل أشخاص على متن قوارب من الساحل اللبناني إلى دول أوروبية، فيما أنقذ الجيش اللبناني مهاجرين غرق مركبهم قبالة سواحل شمال لبنان.

وتتزامن هذه التطورات مع معلومات عن ملاحقة عدد من الضباط السابقين في النظام السابق، ولا سيما الضباط من الرتب الصغيرة، في مناطق عدة.

العمليات ازدادت

ويؤكد النائب عن محافظة عكار (شمال لبنان)، جيمي جبور، أن «عمليات تهريب الأشخاص بين سوريا ولبنان لم تتوقف بعد سقوط النظام السابق، بل ازدادت في بعض الأحيان، خصوصاً أن الدخول القانوني إلى لبنان يتطلب أذونات خاصة من الأمن العام». ويلفت إلى أن «هذا النوع من التهريب، الذي رفعنا صوتنا مراراً للمطالبة بوقفه ومكافحته، لا يزال يشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً على لبنان، من دون إغفال الخطر الأمني الكبير الذي قد يترتب عليه، إذ يؤدي في بعض الأحيان إلى دخول مجموعات إرهابية تحت ستار العمل والارتزاق».

ويشدد جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن «مقاربة الحلول ليست كلها مسؤولية الجيش، إنما هي بالدرجة الأولى قرار سياسي يبدأ بمجلس الوزراء أو مجلس الدفاع الأعلى، تليه إجراءات عسكرية وقضائية وإدارية تؤدي إلى تشديد العقوبات والإجراءات والتدابير الاحترازية».

الوضع في البقاع

ولا تقتصر عمليات التهريب على الحدود الشمالية، إذ يؤكد رئيس بلدية القاع الحدودية مع سوريا والواقعة شرقاً، بشير مطر، أن «عمليات التهريب ناشطة، والوضع صعب، والمخاطر تتنوع ما بين اقتصادية واجتماعية وأمنية، خاصة أن الداخلين خلسة بعضهم يؤيد النظام السابق في سوريا وبعضهم النظام الحالي».

ويعد مطر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المعالجات الرسمية اللبنانية للملف ليست جدية، ولا يفترض تحميل الجيش المسؤولية، إذ إن هناك مسؤوليات يتحملها الجميع، بدءاً ممن يشغل سوريين من دون أوراق تخولهم العمل في لبنان، وصولاً لمن لا يتخذون تدابير رادعة بحق عصابات التهريب»، مضيفاً: «نخشى أن يكون التغاضي عن الموضوع مقصوداً لتهريب السلاح والمجموعات المسلحة».

الواقع من الجهة السورية

ومن الجهة السورية، تحدّث ناشطون سوريون لـ«الشرق الأوسط» عن «عودة حركة العبور غير النظامية من منطقة الحميدية بريف طرطوس باتجاه الأراضي اللبنانية، مع تسجيل نشاط متزايد في عمليات نقل شباب عبر زوارق بحرية باتجاه الساحل المقابل لمدينة طرابلس، بالتزامن مع استمرار مسارات التهريب عبر الطرق البرية والمناطق الحدودية».

وسلّم لبنان إلى سوريا في الأسبوع الماضي 21 مدنياً سورياً، أوقفتهم السلطات اللبنانية بعد إنقاذ قاربهم، الذي غرق قبالة السواحل اللبنانية، وكان يضم مهاجرين غير شرعيين، وفق ما أكد مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط».

وكان مدنيون سوريون انطلقوا مطلع سبتمبر (أيلول) من الساحل السوري على متن قوارب، في رحلة هجرة غير شرعية في البحر المتوسط، وتعرّض القارب لحريق، ثم غرق قبالة السواحل الشمالية اللبنانية، وأنقذهم الجيش اللبناني.