المبعوث الأممي إلى سوريا: لحظة فارقة... وعلى دمشق التحرك

بيدرسون قال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك إجماعاً على عدم استمرار الوضع الراهن

غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
TT

المبعوث الأممي إلى سوريا: لحظة فارقة... وعلى دمشق التحرك

غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)
غير بيدرسون في دمشق (أ.ف.ب)

نوه المبعوث الأممي إلى سوريا غير بيدرسون، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، اليوم (الخميس)، بـ«المبادرة العربية» مع دمشق، مشدداً على أهمية التوفيق بين هذه المبادرة ومسار موسكو الذي يضم روسيا وإيران وتركيا وسوريا والحكومة السورية، والموقفين الأميركي والأوروبي، للمضي قدماً نحو إيجاد حل سياسي.

وقال بيدرسون إن سوريا تمر بـ«لحظة فارقة» وعلى دمشق استثمار «نافذة الفرصة» للتحرك نحو التسوية، مشيراً إلى أن جميع الدول «تدعم» مقاربة «خطوة مقابل خطوة» التي تتضمن اتخاذ جميع الأطراف لإجراءات «متوازية ومتبادلة ويمكن التحقق منها»، إزاء قضايا عدة، بينها المعتقلون والسجناء وعودة اللاجئين والعقوبات.

وفي ما يلي نص الحديث الذي أجري عبر الإنترنت صباح الخميس:

* ستعقد القمة العربية في جدة وسيشارك الرئيس السوري بشار الأسد للمرة الأولى منذ 2010. ماذا يعني هذا بالنسبة إلى المبعوث الأممي؟

- لابد من البدء بالقول إن البحث عن حل سياسي مستمر منذ 12 سنة. ونعرف أن المشاكل عميقة جداً وأنه ليس هناك حل سياسي سهل. لكن في الوقت نفسه، نعرف أن هناك إجماعاً دولياً متفقاً عليه بأن قرار مجلس الأمن 2254 هو قاعدة الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية.

أيضاً، نعرف أنه على رغم أن لدينا اتفاقاً حول القرار 2254، فإن العملية السياسية لم تحقق التقدم المنشود. لنكن صريحين حول ذلك.

ليست هناك طرق مختصرة للحل السياسي للأزمة السورية، لكن في الوقت نفسه، يجب أن نرحب بالاهتمام الدبلوماسي المتجدد بشأن سوريا. هناك مسارات ومبادرات مختلفة. شاهدنا الاجتماع بين أربعة وزراء خارجية عرب ونظيرهم السوري في عمّان واجتماعات عدة في موسكو ضمّت الروس والإيرانيين والأتراك والسوريين، بما فيها لقاء وزاري رباعي وقبله لقاء بين وزراء الدفاع.

بالطبع، يجب أن نتذكر أنه بعد 12 عاماً من الحرب والصراع الدموي، ساهمت الزلازل الكارثية في فبراير (شباط) الماضي في تدهور الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً. الواقع أن الوضع على الأرض نتج عنه اتخاذ خطوات رمزية من الأطراف كافة، إلا أنها لم تؤد إلى تغيير الوضع على الأرض وتحسين وضع السوريين.

* ألا يوجد تحسن؟

- دعني أؤكد، كما قلت سابقاً، أننا بحاجة لتعاون جميع الدول الأطراف في عملية آستانا والعرب والأطراف الرئيسية. إن الحل الشامل للأزمة لم يتحقق حتى الآن، لكن يجب الاستمرار في المحاولة. بالتوازي مع إدراك أن الوضع الراهن غير مقبول أو مستدام، لابد من إيجاد طريقة للمضي قدماً. وما نراه من جميع الأطراف والأطراف المجتمعة في موسكو، أن هناك اتفاقاً على أن استمرار الوضع الراهن غير مقبول. حتى الأطراف الغربية تقول ذلك. هناك إجماع على هذا. السؤال هو: كيف ندفع الأمور للتحرك قدماً؟

«خطوة مقابل خطوة»

* هل يجعل هذا كله تنفيذ مهمتك أسهل أم أصعب؟

- المطلوب أن نبني على الإجماع كي نقوم بخطوات ملموسة لتنفيذ القرار 2254. وكما تعرف أنا اقترحت مقاربة «خطوة مقابل خطوة» بناء على التفاهم الذي ذكرته. كما تعرف أنني انخرطت مع أصدقائي العرب والدول أطراف عملية أستانا، والطرفين الأميركي والأوروبي والأطراف السورية.

* ما هي مقاربة «خطوة مقابل خطوة»؟

- نحاول القيام بما نسميه، خطوات ملموسة ومتدرجة ومتبادلة، تساهم في تحقيق دفع العملية السياسية. هذه الخطوات من المهم جداً أن تكون متوازية وقابلة للتحقق منها. ومن المهم أن تساهم في تغيير الواقع على الأرض.

* ماذا تتضمن الخطوات؟

- حددت بعض الخطوات التي يمكن القيام بها. نعرف جميعاً أن ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين مهم جداً. وكذلك ضرورة توفير بيئة آمنة وكريمة للعودة الطوعية للاجئين. هذه خطوة مهمة. أيضاً، لابد من مناقشة حقوق الملكية والمنازل والأراضي والتوثيق المدني والخدمة العسكرية الإلزامية. يضاف إلى ذلك، السلم الاجتماعي أو أمور باتت أكثر أهمية بعد الزلزال. ولابد أيضاً من مناقشة العقوبات.

بشكل عام، يجب انخراط الأطراف كافة في عملية سياسية ذات مصداقية ووضع قضايا على الطاولة. بصراحة أرى أنه من خلال النقاشات التي أجريتها مع الأطراف كافة، أن هناك تقاطعات بين المبادرات المختلفة على رغم بعض الاختلافات، وهو أمر طبيعي.

بالتأكيد لاحظت أنني قلت، إن ما نراه في موسكو والمبادرة العربية، قد يخلقان ديناميكية جديدة للتحرك. وأقول إنه من المهم جداً أن تستغل دمشق هذه الفرصة للانخراط بجدية.

لا طرف يمكنه الحل بمفرده

* ذكرت «خطوة مقابل خطوة» وهي جزء من الحل السياسي. وهذه المقاربة ذكرت في بيان عمّان الوزاري الخماسي. هل تعتقد أن هذه المبادرات ستتبلور بشكل جدي أم أن الأمر يقتصر على مجرد بيانات؟

- أجريت مشاورات جيدة مع وزراء خارجية الدول العربية الرئيسية ووزير خارجية سوريا فيصل المقداد. الكل يعرف التحديات الرئيسية لحل الصراع السوري. كما قلت إن الواقع على الأرض لم يتغير، فسوريا مازالت مقسمة. هناك أطراف مختلفة تسيطر على مناطق مختلفة في سوريا، إضافة إلى أزمة اقتصادية وإنسانية خانقة وتحدي الإرهاب والتطرف. وتتحدث الأطراف العربية عن مشكلة إنتاج المخدرات وتهريبها. وكلها أمور تحتاج إلى فهم عميق وتحرك مناسب.

تلقيت رسائل إيجابية من وزراء خارجية عرب عدة للتنسيق مع الأمم المتحدة لمعالجة هذه القضايا. وأتطلع بعد القمة العربية للبحث في كيفية المضي قدماً. كما أنني أتطلع إلى مواصلة التشاور مع مسار موسكو. كما قلت، هناك تقاطعات بين ما يناقشه العرب ومسار موسكو الرباعي. من الأهمية بمكان أن نستمر في التنسيق والتشاور.

لابد من القول، وأكرر، إنه لا يوجد أي طرف من الأطراف يمكنه بمفرده إيجاد حل. لذلك لابد من مشاركة جميع الأطراف. هذا يشمل العرب والأتراك والإيرانيين والروس والولايات المتحدة والأوروبيين والأطراف السورية. أرى أن دوري جمع الأطراف سورياً حول الطاولة لمناقشة كيفية تحريك دفع العملية السياسية وتغيّر الوضع على الأرض بشكل جذري.

* هل صحيح أن هناك برنامجاً زمنياً وضعته بعض الدول العربية، وهي تتوقع أن تقوم دمشق بالتحرك حول بعض القضايا؟

- لا أريد أن أتحدث نيابة عن الدول العربية. كان لدينا نقاش ممتاز وآمل في مواصلة الحوار والتنسيق والمتابعة لتحقيق بعض النجاح على بعض المسارات. هذا يتطلب العمل الجاد المكثف. فالاحتياجات في سوريا لا تزال هائلة وهي أكثر إلحاحاً بعد الزلزال، ولابد من التأكد مما إذا كانت هناك رغبة جدية للمضي قدماً بطريقة متقابلة ومتوازية ويمكن التحقق منها.

* لاحظت فجوة بين التطبيع العربي مع دمشق وبين قيام دول غربية، خصوصاً الكونغرس الأميركي، بفرض إجراءات إضافية ضد سوريا. بالنسبة إليك كمبعوث أممي، هل هذا يسهّل مهمتك أم يعقدها؟

- أنت محق، هناك انقسام في المجتمع الدولي إزاء كيفية التعاطي مع سوريا. هناك جدل في واشنطن وعواصم أوروبية حول كيفية التعامل مع التطورات الأخيرة. انطباعي، أنهم جميعاً يفهمون، بل يدعمون مفهوم «خطوة مقابل خطوة». أعتقد، إذا انخرطت دمشق في هذه العملية، ستكون هناك فرصة لتحقيق تقدم.

استئناف اجتماعات جنيف

* سمعت من مصادر أن المقاربة للحل هي أن نقدم حوافز لدمشق بينها التقارب العربي، ثم على دمشق أن تقدم شيئاً ملموساً في موضوع الكبتاغون وعودة اللاجئين خلال فترة بين 4 و6 أشهر، وأنه إذا لم يتحقق تقدم، فإن الدول الغربية ستعزز إجراءاتها العقابية ضد دمشق؟

- لاشك أن الإجابة على هذا السؤال لدى الدول الغربية. أما بالنسبة لي، فالوصغ كالآتي: بعد 12 سنة من الحرب والصراع، هناك مبادرات من العرب ومن الأتراك ومسار آستانا، تخلق فرصاً جدية للدفع قدماً. ما نريده هو أن تستجيب دمشق بشكل إيجابي لهذا الأمر. إذا لم يحدث ذلك، فإن الوضع الاقتصادي والإنساني، سيستمر في التدهور، وسينهار النسيج الاجتماعي. فنحن بالفعل إزاء لحظة فارقة. لقد صدرت تصريحات من المسؤولين العرب تدعو إلى عقد اجتماع جديد للجنة الدستورية. وقد وردت الإشارة إلى ذلك في بيان عمان. وأشدد من جانبي على ضرورة استئناف عقد اجتماعات اللجنة في جنيف كخطوة أولى.

كما قلت، من المهم أن تقوم اللجنة الوزارية العربية التي شكلت مؤخراً في إطار الجامعة العربية بدورها في المتابعة. ولابد من إجراء مناقشات جدية مع تركيا وإيران وروسيا، والولايات المتحدة والدول الأوروبية بالتنسيق مع الأمم المتحدة كجهة قادرة على التحدث إلى جميع الأطراف ودعوتها إلى الطاولة، وهو ما لا يتسنى لأي طرف آخر.

* البعض يقول إن مسار موسكو الرباعي والمسار العربي هما مساران بديلان عن مسار جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة، وأن الضحية الأكبر لكل ذلك، هي عملية ترعاها الأمم المتحدة إزاء اللجنة الدستورية أو القرار 2254؟

- كما قلت، هناك مساحة للتوفيق بين هذا المسارات. إذا بدأت هذه المسارات في تحقيق تقدم ملموس سيكون هذ الأمر داعماً لما أريد إنجازه، وهو تحريك العملية السياسية للوصول إلى بيئة هادئة وآمنة و محايدة تمكننا من التقدم في العملية السياسية. كما قلت سابقاً، إن جميع المبادرات مهمة، لكن ما يجب أن نراه هو مزيداً من الانخراط الدولي ورؤية شاملة لما هو مطلوب تغييره في سوريا. الأمر ليس سهلاً، لكن هناك بداية وفرصة.

* ما الخطوات المقبلة التي ستعمل عليها؟

- نراقب ما يحصل في مسار موسكو والمبادرة العربية والوضع على الأرض، وبناء على ذلك، سنحدد كيفية التحرك مع الأطراف المختلفة لضمان التنسيق مع السوريين والعرب وموسكو والولايات المتحدة والدول الأوروبية.

نحن أمام تحدٍ كبير، فإذا لم تنخرط الدول الرئيسية بجدية، سنشهد جموداً في العملية، مهمتي هي الحيلولة دون حدوث ذلك. فالرسائل التي تصلني من المسؤولين العرب مشجعة.

محاولة جدية لتغيير الوضع الراهن

* ماذا ستقول للسوريين في دمشق وإدلب والقامشلي وفي سوريا وخارجها، كي يشعروا بأن وضعهم سيتحسن؟ كيف تقنعهم أن الحل قادم؟

- سأكرر ما قلته سابقا، أتفهم احباطهم بعد 12 سنة من الحرب والصراع إزاء عدم التقدم في العملية السياسية. وأتفهم أن هناك شكوكاً وخيبات كثيرة وأن هناك تحركات سياسية لم تغير الوضع على الأرض. دوري ودور فريقي، أن نجعل من هذا بداية للتغيير الحقيقي وتغيير الأمر على أرض الواقع. إذا لم يحصل هذا، فإننا نخاطر بامتداد الحرب والصراع على مدار سنوات ومزيداً من التدهور في الوضع الاقتصادي والإنساني. فالسوريون يستحقون بصيصاً من الأمل، والعيش بأمن وكرامة سواء داخل سوريا أو لمن يرغبون في العودة وتحقيق تطلعاتهم المشروعة. كما يتوجب إعادة اللحمة إلى المجتمع السوري. هناك حديث بين المسؤولين العرب، حول المصالحة الوطنية. دعنا نأمل أنها بداية لشيء لجديد. هل النجاح مضمون؟ المهم هناك محاولة جدية وقناعة أن الوضع الراهن غير مقبول.

* تشعر المعارضة السياسية السورية بأنه تم التخلي عليها... هل شعورهم صحيح؟

- إذا أدت التحركات الدبلوماسية المكثفة التي شاهدناها مؤخراً إلى تغيير الوضع على الأرض فسيكون هذا مصدر ترحيب من قبل الجميع. أتفهم التشكيك في ما إذا كان ذلك ممكناً.

* في بداية 2014 عقد مؤتمر في سويسرا لتطبيق «بيان جنيف»، وفي نهاية 2015 عقد مؤتمر في فيينا أسفر عن صدور القرار 2254 من مجلس الأمن. في 2023، هل سنرى مؤتمراً دولياً، بحضورك، للبحث عن حل سياسي سوري؟

- من المبكر التنبؤ بما سيكون عليه الحال. ما أريد قوله، إنه كي نتحرك إلى الأمام، لابد من أن تعمل جميع هذه المبادرات معاً. أريد العمل على أن تكون جميع الأطراف على الطاولة: الأطراف السورية، دول مسار استانا، الأطراف العربية، والولايات المتحدة والدول الأوروبية. وسأبذل قصارى جهدي لتحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس السوري أحمد الشرع شهدا توقيع الاتفاقيات (واس)

السعودية تموّل مشروعات تنموية في سوريا بـ403 ملايين دولار

أبرم الصندوق السعودي للتنمية، مع وزارة المالية السورية، 6 اتفاقيات قروض تنموية ميسّرة، بإجمالي يتجاوز 403 ملايين دولار، لدعم عدة قطاعات حيوية في سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الولايات المتحدة​ وزارة العدل الأميركية (رويترز)

أميركا: السجن 42 شهراً لسوري أدين بالقرصنة لصالح نظام بشار الأسد

أعلنت وزارة العدل الأميركية، الخميس، صدور حكم بالسجن لمدة 42 شهرا بحق رجل سوري لدوره في عمليات قرصنة إلكترونية لصالح نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري يقفون على مركبة عسكرية (رويترز)

القوات السورية تعلن مقتل مُسلح فرنسي خلال تبادل لإطلاق النار

أعلنت قوات الأمن السورية، اليوم الأربعاء، مقتل إرهابي فرنسي خلال تبادل لإطلاق نار مع عناصرها في محافظة إدلب في شمال غربي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
يوميات الشرق إسراء في سن الثانية عشرة في فيلم واحدة من مليون (إنستغرام - موقع الفيلم)

10 سنوات أمام الكاميرا... طفلة سورية تبحث عن مكانها بين وطنين

على مدى عشر سنوات، يرصد فيلم «واحدة من مليون» رحلة طفلة سورية من الهروب من الحرب إلى صراع الهوية، والحرية، والانتماء بين وطنين.

سمير أندراوس (لندن)
الولايات المتحدة​ حليمة سلمان تغطّي وجهها أثناء مغادرتها المحكمة الفيدرالية في حي بروكلين بمدينة نيويورك يوم 21 أكتوبر 2026 (أ.ب)

محاكمة أميركية متهمة بالتدرّب مع «داعش»... والدفاع يقول إن والدها استدرجها إلى سوريا

بدأت هيئة محلفين أميركية مداولاتها في قضية أميركية متهمة بتلقي تدريبات عسكرية مع «داعش»، فيما يقول دفاعها إن والدها استدرجها إلى سوريا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الاجتياح الإسرائيلي للخليل يكشف أن الهدف كان الانتقام والعقاب الجماعي

سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
TT

الاجتياح الإسرائيلي للخليل يكشف أن الهدف كان الانتقام والعقاب الجماعي

سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)
سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

اعترفت مصادر عسكرية في تل أبيب بأن عملية اجتياح مدينة الخليل، التي انتهت مطلع الأسبوع، واستمرت 11 يوماً، وشارك فيها ألوف الجنود من الجيش وحرس الحدود، وكلّفت الفلسطينيين ثمناً باهظاً، لم تسفر عن أي نتيجة تستحق هجوماً كهذا. إذ إن ما خرجت به هو العثور على 4 قطع سلاح بدائية؛ مسدسات محلية الصنع. وهو الأمر الذي يدل على أن هدف العملية كان الانتقام والعقاب الجماعي، رغم أنه أسلوب مجرب وفاشل، ويتسبب عادة في استثارة العداء والكراهية والتطرف.

وكانت هذه العملية قد أعلنت رداً على قيام شابين فلسطينيين مسلحين بمهاجمة حاجز عسكري قرب الخليل، تطور إلى اشتباك أسفر عن مقتل المهاجمين، وكذلك مقتل جنديين، وإصابة 3 بجروح. وعندما عرفت هويتهما، تمت محاصرة 800 ألف فلسطيني يعيشون في الخليل وقضائها. وتم اقتحام 537 بيتاً، وترحيل سكانها، 3361 شخصاً، بينهم 1193 طفلاً (منهم 232 رضيعاً)، و326 مسناً، و32 شخصاً معوقاً، و213 شخصاً يعانون من أمراض مزمنة. وتم تعطيل الدراسة في 589 مدرسة في المحافظة، شمل 262 ألف تلميذ.

نساء فلسطينيات ينفضن الغبار عن أثاث منزلهن في منطقة «عير دير بحة» بمدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة بعد تعرضه للنهب والتخريب بفعل عملية نفّذها الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وهدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بيتي المسلحين، و15 منزلاً، ومنشأة أخرى، بدعوى أنها بنيت من دون ترخيص. وأغلقت 327 متجراً نتيجة الإجراءات العسكرية والحصار. واعتقلت هذه القوات عشرات الفلسطينيين، غالبيتهم لا يعرف مكانهم حتى اليوم. ولا تعرف تهمتهم. وصادرت 25 سيارة تدعي أنها مسروقة من إسرائيل.

وعندما عاد المواطنون إلى بيوتهم، اكتشفوا أنها تعرضت لعمليات تدمير وتحطيم أثاث وأجهزة إلكترونية وكهربائية، وفي بعض البيوت والحوانيت سرقت محتويات. وبدا أن بعض البيوت التي استخدمت كمقرات للجيش، تركت مثل كومة عفن. واكتشف الدفاع المدني الفلسطيني أن البيوت تعرضت لتقويض الجدران. لذلك، حذّرت من دخول عدد من المباني المتضررة قبل التأكد من سلامتها، خصوصاً تلك التي تعرضت للتفجيرات، بسبب احتمالات انهيار الجدران والأسقف المتصدعة.

وتواجه العائلات العائدة تحديات تتجاوز استعادة منازلها، في ظل الأضرار التي لحقت بممتلكاتها وصعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية، بينما لا تزال آثار الإغلاق والحصار حاضرة في الحياة اليومية للمدينة.

ومع أن هذه العمليات تمت تحت يافطة التفتيش عن أسلحة ومواد تفجير إرهابي، فإن الجيش اعترف بأنه عثر على 4 مسدسات فقط من صنع محلي بدائي.


العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)
راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)
TT

العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)
راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

أفيد في بغداد، الجمعة، بأن الحكومة وضعت خطة طوارئ متعددة المسارات تحسباً لاحتمال اندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تشمل نشر وحدات عسكرية في مدن حدودية، حصل ضباطها على أوامر بمعالجة أي خروقات دون الرجوع للقائد العام للقوات المسلحة، بينما تدرس دوائر حكومية احترازات موازية تتعلق بالدراسة عن بعد والاستعداد لاستقبال نازحين قد يفرون من مناطق نزاع.

وتصاعدت، هذا الأسبوع، إشارات بقرب ضربات أميركية على إيران، بينما تتخوف دوائر في بغداد من مشاركة واسعة لفصائل شيعية إلى جانب طهران، وفق بنك أهداف محدث.

رقابة على الحدود

وقال مسؤول أمني كبير، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة العراقية اتخذت إجراءات احترازية بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة لفرض رقابة صارمة على مدن حدودية، ورفع وتيرة المتابعة الميدانية بما يشمل إجراء تقييمات محدثة على مدار الساعة لأي تحركات غير اعتيادية.

وأوضح المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه؛ لأنه غير مخول بالتحدث علناً، أن الإجراءات شملت «متابعة الحدود مع إيران من جهة مدينة السليمانية شمالاً بكردستان العراق، والبصرة جنوباً قرب الحدود مع الكويت وإيران، إلى جانب نشر قوات من الجيش على طول الحدود مع سوريا».

وتركز القيادات العسكرية على محافظة البصرة بسبب مخاوف من نشاط فصائل مسلحة في مواقع جغرافية استراتيجية ذات حساسية إقليمية»، وفق تعبير المسؤول العراقي.

وقال مسؤول آخر، شارك في اجتماع موسع، الأسبوع الماضي، كان مخصصاً لبحث تداعيات الحرب، إن رئيس الحكومة علي الزيدي منح قادة في الجيش صلاحية التعامل الفوري مع أي خروقات مسلحة تنفذها جماعات خارجة عن القانون من دون الرجوع إليه. أصبح لدى هؤلاء القادة، حسبما أفاد المسؤول، «صلاحيات استثنائية بردع جماعات مسلحة».

صورة وزعتها الشرطة العراقية لدورية عسكرية في أحد شوارع كركوك الجمعة

«الدراسة عن بعد»

بالتوازي مع الخطط العسكرية، ناقش المجلس الوزاري للأمن الوطني، التحضير لأوضاع استثنائية تفرض انتقال المدارس إلى الدراسة عن بعد، ونقل وثائق القطاع العام وحفظها رقمياً لبعض المؤسسات الحساسة، إلى جانب الاستعداد لاحتمالات تدفق نازحين فارين من المواجهة العسكرية، وفق مسؤول مدني مطّلع.

ويترأس القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، المجلس الوزاري للأمن الوطني، الذي يضم في عضويته مستشار الأمن القومي ووزراء الداخلية، والدفاع، والخارجية، والمالية، والتخطيط، إلا أن مصدراً حكومياً أفاد لـ«الشرق الأوسط» بأن الوقت مبكر لاتخاذ قرارات تتعلق بالدراسة والدوام الحكومي بشكل عام، مضيفاً أن «الحكومة كانت قد وضعت خطط طوارئ منذ مارس (آذار) الماضي بالتزامن مع اندلاع الحرب بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وتقوم بتحديثها وفق المتغيرات بشكل دوري حتى اليوم».

بنك أهداف «الحرس الثوري»

لكن مسؤولين سياسيين تحدثوا مع «الشرق الأوسط»، هذا الأسبوع، عن «مستوى غير مسبوق» من المخاوف على خلفية «تحديث فصائل مسلحة بنك أهدافها» بناءً على أوامر «الحرس الثوري» الإيراني.

ويوم الأربعاء، نقلت وكالة «تسنيم» عن إسماعيل قاآني قائد «قوة القدس» الذراع الإقليمية لـ«الحرس الثوري»، أن «قادة المقاومة تلقّوا رسالة المرشد مجتبى خامنئي، التي تدعو إلى (مواجهة العدو بلا حدود)، وبدأوا تحويلها إلى خطوات عملية، عبر إعلان مكتوب للولاء التام».

وقال أحد المسؤولين العراقيين، إن «الزيدي قد يجد نفسه رئيس حكومة لدولة معادية للولايات المتحدة إذا انخرطت الفصائل هذه المرة في الحرب».

وكان المبعوث الرئاسي الأميركي إلى العراق، توم براك، قد قال في بيان عقب لقائه، مساء الخميس، بالزيدي إن الأخير يقوم بالمهمة الأكثر صعوبة المتمثلة في احتواء الأزمات قبل تفاقمها. كما جدد الزيدي بعد اتصال هاتفي مع ترمب في اليوم نفسه تأكيده أن العراق لن يسمح بانطلاق اعتداءات من أراضيه على دول الجوار.

وأكدت مصادر كردية لـ«الشرق الأوسط»، أن المبعوث الأميركي سيشارك، مساء الجمعة، مسؤولين في أربيل والسليمانية «آخر المستجدات حول الأزمة مع إيران، واحتمالات تجدد المواجهة العسكرية معها».

رئيس القضاء العراقي فائق زيدان مستقبلاً المبعوث الأميركي توم براك في بغداد يوم 5 نوفمبر 2026 (إعلام حكومي)

مخاوف «الإطار التنسيقي»

سياسياً، أطلع الزيدي قادة التحالف الحاكم على ملامح خططه للاستعداد للضربات الأميركية. وقال مصدر سياسي مطّلع إن رئيس الحكومة أبلغ «الإطار التنسيقي»، الذي يضم أبرز القوى الشيعية، باحتمالات شن الأميركيين عملية عسكرية وشيكة على إيران، كما شاركهم مخاوف من انخراط جماعات حليفة لإيران ومقربة من أحزاب في التحالف في عمليات ردع بأوامر من طهران.

ويأمل رئيس الحكومة، وفق المصدر المطّلع، أن تساعد القوى المنضوية في التحالف الحاكم في منع هذه الجماعات، رغم الشكوك في أن بعض تلك القوى «متخوفة من احتمال خسارة طهران المواجهة العسكرية وانعكاس تداعيات ذلك على وجودها السياسي».

عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

حملة منسقة ضد «الكتائب»

ويصادف أن تتزامن الاستعدادات الحكومية لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع إيران مع تدفق تقارير عن أنشطة تجارية لفصائل مسلحة، في وقت تزداد الضغوط على بغداد لمنع هذه الجماعات من هجمات على دول الجوار.

وتداول ناشطون معروفون بقربهم من الفصائل، معلومات عن شبكة مصالح وشركات يقودها قادة فصائل مسلحة وأفراد في دائرتهم العائلية، يديرونها أو يرتبطون بها.

وتثير هذه التقارير، التي يصعب التحقق منها؛ إذ تركز خصوصاً على «كتائب حزب الله»، نقاشاً حول محاولات أطراف فاعلة تقويض شرعية الفصائل بوصفها جماعات كثيراً ما رفعت لواء المقاومة في البلاد، عبر إلقاء ضوء كاشف على مطامحها المالية، بينما توشك أن تنخرط في مواجهة إلى جانب إيران.


وزير الداخلية اللبناني يبدّد المخاوف من «تفلّت» الوضع الأمني

وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يترأس اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة وحدة شرطة بيروت (المركزية)
وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يترأس اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة وحدة شرطة بيروت (المركزية)
TT

وزير الداخلية اللبناني يبدّد المخاوف من «تفلّت» الوضع الأمني

وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يترأس اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة وحدة شرطة بيروت (المركزية)
وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار يترأس اجتماعاً أمنياً في مقر قيادة وحدة شرطة بيروت (المركزية)

بدّد وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار، الجمعة، المخاوف من «تفلت» في الوضع الأمني في لبنان، على ضوء معلومات عن حوادث نشل وسرقة متكررة في بيروت وضواحيها، مشدداً على ضرورة مقاربة الواقع الأمني استناداً إلى الوقائع والأرقام.

وأفادت وسائل إعلام محلية بتسجيل 6 حوادث نشل وإطلاق نار في محيط العاصمة اللبنانية خلال يوم واحد، ما أثار الذعر في بيروت. وارتفعت الاتهامات للقوى الأمنية بالتقصير، وهو ما نفاه وزير الداخلية الذي عقد مؤتمراًَ صحافياً، أكد فيه أن الوزارة هي المسؤولة الأولى عن أمن المواطنين في مختلف الاراضي اللبنانية، لا سيما في العاصمة بيروت، مشدداً على ضرورة مقاربة الواقع الأمني استناداً إلى الوقائع والأرقام.

إجراءات قوى الأمن

وزار الحجار، الجمعة، مقر قيادة وحدة شرطة بيروت، حيث عقد اجتماعاً مع المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء رائد عبد الله وقائد وحدة شرطة بيروت العميد عماد الجمل ورئيس شعبة المعلومات العميد محمود قبرصلي والضباط المعنيين، للبحث في تشديد التدابير والإجراءات الأمنية، خصوصاً في مدينة بيروت.

وأوضح الحجار في مؤتمره الصحافي، أن تصوير الوضع الأمني في لبنان على أنه متفلّت بالكامل «لا يعكس حقيقة المعطيات»، لافتاً إلى أن «الجهود التي تبذلها قوى الأمن الداخلي خلال الأسابيع الأخيرة أسهمت في الحد من بعض الجرائم لا سيما عمليات النشل التي انخفضت بشكل كبير في حين سجلت عمليات السلب ارتفاعاً».

وكشف أنه وفقاً للإحصاءات المسجلة منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى السادس منه: «شهدت مختلف المناطق اللبنانية 8 عمليات نشل و4 عمليات سلب»، مشيراً إلى أنه جرى التأكد من تسجيل 3 عمليات سلب فقط الخميس، ولا تزال التحقيقات والمتابعة جارية بشأنها فيما أُوقف شخص على خلفية إحدى هذه العمليات.

وتبين وفق توثيق الجهات الرسمية، أن عملية السلب الأولى حصلت في روضة الشهيدين عند الساعة الثامنة صباحاً، والثانية في طريق الجديدة عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، والثالثة في خلدة عند الساعة العاشرة ليلاً.

توقيف 34 شخصاً

وفي سياق متصل، أشار الحجار إلى توقيف 34 شخصاً في قضايا سلب ونشل على مستوى لبنان خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)، مؤكداً أن غرفة العمليات تتابع الشكاوى والمستجدات الأمنية على مدار الساعة.

وأكد أنه يتفهّم صرخة المواطنين ومخاوفهم، معتبراً أن ضخ المعلومات المبالغ فيها يطرح تساؤلات حول الأهداف الكامنة وراءها.

وكان الحجار زار غرفة عمليات وحدة شرطة بيروت في قوى الأمن الداخلي، حيث عرض ضباط الغرفة ملخصاً أمنياً لوزير الداخلية حول المستجدات الأمنية، وبصورة خاصة فيما يتعلق بعمليات السلب خلال الأيام الأخيرة في العاصمة بيروت.

توضيح قوى الأمن

وكانت تقارير محلية تداولت معلومات أولية عن ست عمليات سلب، الخميس، وزعمت أنها وقعت في رأس النبع والرملة البيضاء والجميزة، إضافة إلى اعتداءات من قبل سارقين على عمال توصيل في ضاحية بيروت الجنوبية.

لكن المديريّة العامّة لقوى الأمن الدّاخلي أوضحت أن هذا الخبر غير دقيق ومبالغٌ فيه، مؤكدة وقوع عمليّة سلب واحدة في محلّة الطّريق الجديدة الخميس.

وقالت المديرية في بيان: «كانت إحدى دوريّات مفرزة استقصاء بيروت قد تمكّنت، فجر الخميس، من توقيف شخصَين بالجرم المشهود، على متن دراجة آليّة من دون لوحة تسجيل، وذلك في محلّة الأشرفيّة – جادّة بيار الجميل لقيامهما بعمليّة سلب في المحلّة، وتبيّن أنّهما من أصحاب السّوابق في هذا المجال».