«جدل الأقليات» يتسع في العراق

نائبة إيزيدية تشكو وزيرة الهجرة المسيحية

رئيس الوزراء العراقي يلقي كلمة الأسبوع الماضي في تجمع لشيوخ العشائر جنوب الموصل حيث أشاد بتضحياتهم خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي يلقي كلمة الأسبوع الماضي في تجمع لشيوخ العشائر جنوب الموصل حيث أشاد بتضحياتهم خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

«جدل الأقليات» يتسع في العراق

رئيس الوزراء العراقي يلقي كلمة الأسبوع الماضي في تجمع لشيوخ العشائر جنوب الموصل حيث أشاد بتضحياتهم خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي يلقي كلمة الأسبوع الماضي في تجمع لشيوخ العشائر جنوب الموصل حيث أشاد بتضحياتهم خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

تشهد العلاقة بين الأقليات الدينية والعرقية في العراق خلافات تتسع بشكل غير مسبوق، بعدما كانت لسنوات تعدّ نفسها جزءاً من مركب واحد يتعرض للتهديدات ذاتها من محيطها. وفي وقت يُسجّل جدال داخل المكوّن المسيحي نفسه، لوحظ أن الخلافات امتدت في الأيام الماضية لتشمل المكوّن المسيحي في مواجهة المكوّن الإيزيدي.

ويشكو ممثلون للأقليات، مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة والشبك، من أن معاناتهم استمرت على رغم تغيير النظام السياسي في العراق عام 2003، بعكس ما كانوا يأملون بعد انتقال الحكم من نظام شمولي إلى نظام ديمقراطي يقوم تداول السلطة فيه على الانتخابات. ويقولون إن واقع الحال، بعد إجراء 5 تجارب انتخابية في العراق بدءاً من عام 2005 إلى عام 2021، يؤكد أن تبادل السلطة تم اختزاله بين المكوّنات الكبيرة (الشيعية والسنية والكردية) في حين بقي أبناء الأقليات يشكون استمرار التهميش والإقصاء، بالإضافة إلى ما تعرضوا له طوال السنوات الماضية من تهديدات لأسباب دينية سواء من قِبل الجماعات المسلحة («القاعدة» ومن بعدها «داعش») أو من قِبل جهات نافذة عملت على الاستيلاء المنظّم على أملاكهم. وأدى ذلك إلى تزايد هجرتهم إلى خارج العراق، وسط تحذيرات من أن العراق سيتم إفراغه في غضون سنوات قلائل من الوجود المسيحي على وجه الخصوص. وإذا كان صاحب هذه المقولة هو الكاردينال لويس ساكو، أكبر مرجعية للمسيحيين في العراق، وبخاصة الكلدو آشوريين، فإن الخلافات السياسية أدت في النهاية إلى بروز خلافات، بل وصراعات، بين الزعامات المسيحية نفسها مثلما حصل الأسبوع الماضي من جدل حاد بين ساكو وأمين عام حركة «بابليون» ريان الكلداني.

وإذا كان أحد أوجه الصراع بشأن وضع الأقليات في العراق يتمثل في عدم إنصافهم حتى على صعيد نظام «الكوتا» في البرلمان، فإن وجهاً آخر للصراع بات يبرز ويتمثل في ثنائية الدين والقومية مرة أو الانتماء السياسي مقابل عدم زج رجال الدين بالسلطة. فالمسيحيون تحولوا إلى أحزاب سياسية تتنافس فيما بينها، في وقت بدأ بعضهم يشكو بعضاً لجهة استقواء هذا الطرف المسيحي أو ذاك بإحدى القوى الرئيسية في الحكم من خارج الوجود المسيحي. فحركة «بابليون» التي يتزعمها ريان الكلداني لديها فصيل ينتمي إلى «الحشد الشعبي»، وهو أمر ترى قوى مسيحية أخرى أنه أدى إلى احتكار تمثيلهم عبر «الكوتا» من خلال هذه الحركة دون سواها. وفي شمال العراق، حيث يحتدم الصراع في مناطق سجنار وغيرها، فإن الحصة الأكبر في هذا الصراع هي على صعيد أبناء الديانة الإيزيدية. والخلاف بين الإيزيديين هناك يتمثل غالباً في ثنائية الدين والقومية. ففي الوقت الذي يرى بعضهم أنهم وإن كانوا إيزيديي الديانة إلا أنهم أكراد في الوقت ذاته، بينما يرى آخرون أنهم ليسوا أكراداً.

وفي سياق الخلافات بين أبناء الأقليات، وجّهت النائبة الإيزيدية في البرلمان العراقي (عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني») فيان دخيل، اتهامات لوزيرة الهجرة والمهجرين إيفان فائق جابرو (مسيحية تنتمي إلى حركة «بابليون») باتخاذ إجراء «تعسفي» ومحاولة ابتزاز «رخيص»، على حد وصفها. وقالت دخيل في رسالة وجهتها إلى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني: «بعدما انجزت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الحكومة العراقية الاتحادية ـ مشكورة ـ كل متطلبات صرف المنحة المالية الشهرية ضمن رواتب الحماية الاجتماعية للآلاف من النازحين العراقيين القاطنين في مخيمات النزوح، فوجئنا بقرار غريب جداً من قِبل وزيرة الهجرة والمهجرين بوقف إكمال إجراءات التحديث وعدم شمولهم بصرف تلك الرواتب التي تمثّل حقاً طبيعياً للنازحين، أسوة بباقي الشرائح الاجتماعية في العراق». وتابعت أن «الوزيرة تشترط عودة النازحين لمناطقهم مقابل ترويج معاملات رواتب الحماية الاجتماعية الخاصة بهم».

وأضافت دخيل «إننا بكل تأكيد مع عودة كل النازحين إلى مناطقهم معززين مكرمين، ولكننا لسنا مع عودتهم كي يسكنوا العراء مرة أخرى»، موضحة أن «هذا الإجراء التعسفي والبعيد كل البعد عن القيم الإنسانية، يمثل ابتزازاً رخيصاً ومرفوضاً، هدفه تحقيق نجاح زائف على حساب لقمة عيش آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة لمناطقهم التي تفتقد غالبيتها متطلبات الحياة البسيطة من أمن وخدمات وفرص عمل وغيرها». واعتبرت أن «وزيرة الهجرة تمادت في أساليبها في الضغط على النازحين من خلال رفضها إيصال المواد الغذائية الشهرية المخصصة لهم، من أجل إعادة النازحين لمناطقهم التي قد يواجهون فيها مخاطر حقيقية على حياتهم وحياة عوائلهم». ودعت رئيس الوزراء إلى «الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذه القرارات المجحفة ضد النازحين»، مطالبة إياه بـ«اتخاذ إجراءات فورية لوقف هذا القرار التعسفي وضمان صرف المنحة المالية الشهرية لجميع النازحين الذين يستحقونها، بما في ذلك الذين لا يمكنهم العودة إلى مناطقهم؛ لأنه من غير المقبول أن يتم استغلال وتهديد النازحين من أجل تحقيق أهداف سياسية أو إعلامية. وعلى العكس، يجب أن نعمل جميعاً، وباندفاع، من أجل توفير الدعم والمساندة اللازمين لجميع النازحين حتى يتمكنوا من إعادة بناء حياتهم ومستقبلهم بشكل لائق ومستدام».

لم تكتفِ دخيل بتوجيه رسالتها إلى السوداني بوصفه المسؤول التنفيذي الأول في العراق، بل أعلنت أنها بعثت نسخاً منها إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، وبعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي)، ولجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي.

وكان رئيس لجنة الهجرة والمهجرين النيابية شريف سليمان علي، أكد من جهته، استغرابه الشديد لعدم زيارة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مخيمات النازحين والجلوس معهم، أو حتى مع ممثلين عنهم، خلال زيارته الأخيرة إلى محافظة نينوى. وقال علي في بيان له إن «الجميع يعلم بأن 70 في المائة من النازحين هم من أبناء محافظة نينوى عموماً وأبناء سنجار من المكوّن الإيزيدي خصوصاً، وهناك ما يقارب 300 ألف من المكوّن الإيزيدي يعيشون في مخيمات النزوح، وهناك نسبة عالية منهم خارج المخيمات في محافظة دهوك». وأضاف «كان الأجدر برئيس الوزراء زيارة مخيمات النازحين في محافظة نينوى والمحافظات الشمالية الأخرى، وهنا نسجل استغرابنا الشديد، لا سيما وأن قضية النازحين هي قضية جميع العراقيين، خصوصاً وأن هناك تركيزاً عالمياً ودولياً لملف النازحين في العراق». وخلص رئيس لجنة الهجرة والمهجرين النيابية إلى القول إن المكوّن الإيزيدي الذي تعرّض للإبادة الجماعية على أيدي تنظيم «داعش»، يعيش معظم أبنائه حالياً في مخيمات النزوح، موجهاً انتقادات لوزيرة الهجرة والمهجرين التي كانت ترافق رئيس الوزراء خلال زيارته لنينوى.



لبنان يرفض ربط طهران مصيره بمفاوضاتها الموعودة مع واشنطن

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)
TT

لبنان يرفض ربط طهران مصيره بمفاوضاتها الموعودة مع واشنطن

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية- رئاسة الجمهورية)

​ينشغل لبنان بمواكبة حركة الاتصالات، لعلها تؤدي لإنضاج الظروف، وتحضير الأجواء، أمام معاودة المفاوضات الأميركية- الإيرانية، بضيافة باكستانية وبوساطة عربية إسلامية، للتأكد من صحة ما يتردد في بيروت، حول احتمال ربط لبنان بإيران بإدراج المقترحات في سلة واحدة، لإنهاء الحروب المشتعلة على كافة الجبهات، بخلاف إصرار الحكومة اللبنانية على الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني؛ لأن الظروف الصعبة التي يمر بها البلد تستعجل إدراجه كأولوية على جدول الاهتمام الدولي؛ كونه لا يحتمل الانتظار ريثما يتبلور مصير المفاوضات الموعودة.

وكان لافتاً أن مواكبة لبنان هذه الاتصالات تلازمت مع لقاء عُقد بين وفد أمني مصري رفيع وبين مسؤولين بارزين في «حزب الله»، رعاه المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، عُقد في مكتبه، وخُصِّص لمناقشة رزمة من الأفكار عرضها الوفد على الحزب، لإنهاء الحرب بينه وبين إسرائيل، تأتي كخطوة أولى على مسار طويل لإعداد ورقة عمل يراد منها عودة الاستقرار للبنان، بالتزامن مع الاتصالات الجارية لتهيئة الظروف أمام فتح كوّة في الحائط المسدود، تعيد الاعتبار للمفاوضات الأميركية- الإيرانية.

وتأكد أن الوفد المصري ناقش هذه الأفكار التي ما زالت بمنزلة عناوين، على أن يتم تطويرها في ضوء الاتصالات التي سيجريها الوفد بكل من واشنطن وتل أبيب، للوقوف على رأيهما حيالها، في ضوء استماعه لما أدلى به الحزب من ملاحظات، على أن يعود لاحقاً إلى بيروت لإطلاع الحزب على نتائج المحادثات، على الرغم من أن ممثلي الحزب أكدوا للوفد أن رئيس المجلس النيابي نبيه بري كان ولا يزال يحمل تفويضاً من قيادة الحزب، للتفاوض حول كل ما يتعلق بوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، بينما تواصل شقير مع الرؤساء الثلاثة لإطلاعهم على ما دار من مداولات تتعلق بالأفكار التي طرحها الوفد المصري.

وبالعودة إلى إصرار «حزب الله» على تمسكه بوحدة المسار والمصير بين لبنان وإيران، لفتت المصادر إلى أن الحزب يدخل الآن في مواجهة وجودية مع إسرائيل، وهو يتَّبع -كما تقول لـ«الشرق الأوسط»- استراتيجية الصمود في الميدان بغية شراء الوقت، ريثما يؤدي الحراك الدولي لإنضاج الظروف لمعاودة المفاوضات، للتوصل لإنهاء الحرب على كافة الجبهات.

وكشفت مصادر مقربة من «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن القيادة الإيرانية قد أبلغت الحزب تمسكها بإنهاء الحرب بالتلازم على كافة الجبهات، وتشترط أن ينسحب إنهاؤها على لبنان، وإلا فلن تكون إسرائيل مشمولة بالاتفاق. وقالت إن بري كان قد أُعلم بموقف طهران هذا قبل أن يتلقى اتصالاً من وزير خارجيتها عباس عراقجي.

فتى يحمل علم «حزب الله» بمنطقة الباشورة في بيروت التي استُهدفت بقصف إسرائيلي (رويترز)

ورأت مصادر سياسية متعددة أن عراقجي اختار التوقيت المناسب للتشاور هاتفياً مع بري، ليوحي بأن الترابط بين البلدين حاصل. وأكدت أن الجهود الرامية لمعاودة المفاوضات كانت قد حضرت على هامش لقاء بري برئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، الذي خُصِّص لاستيعاب النازحين في ضوء التحسُّب لتدفق مزيد من موجات النزوح.

وتوقفت مصادر «الشرق الأوسط» أمام قول بري، بعد اجتماعه بعون، إنه يأمل إذا صحت المعلومات التي تسربت عن احتمال التوصل لاتفاق إيراني- أميركي، أن يكون اتفاقاً شاملاً ينسحب على لبنان لإنهاء الحرب الإسرائيلية عليه. وقالت إنه لم يقصد من وراء كلامه ربط لبنان بإيران. وقالت إن من يريد الفصل بين المسارين لا يعطِّل اجتماعات لجنة الـ«ميكانيزم» المكلفة بالإشراف على تطبيقه. ولفتت إلى أن لبنان ليس في حاجة للدخول في مفاوضات للتوصل لاتفاق جديد، وأن المطلوب من واشنطن الضغط على إسرائيل لتطبيق ما هو قائم الآن، وإن كان خصوم الحزب يحمِّلونه مسؤولية الربط بين المسارين بتفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لبري بعدم تدخُّله عسكرياً إسناداً لإيران.

وتابعت بأن إسناد الحزب لإيران تسبب في إحراج بري، وأدى إلى فتور في العلاقة عبَّر عنه الوزراء المحسوبون عليه، بتأييدهم لقرار مجلس الوزراء فرض حظر على النشاط العسكري والأمني للحزب؛ لأن إطلاقه للصواريخ يعني من وجهة نظر خصومه أنه ماضٍ في ربط لبنان بإيران، إضافة إلى تمسكه بسلاحه رافضاً تسليمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، ومتمادياً في تهديد رئيس الحكومة نواف سلام، وتخوينه وتهديده بمعاقبة كل من يخالفه الرأي، ورفضه وقف إطلاق النار، وهذا ما يثير تساؤلات حول تناغم الضدين المتحاربين على استمرارهم في الحرب المشتعلة، ناهيك من عدم تجاوب الحزب مع دعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بوصفها الخيار الدبلوماسي الوحيد بعد أن فشل الرهان على الميدان الذي ألحق بالبلد كوارث، لم يعد في وسعه تحمل مزيد منها، ما لم ينخرط في مشروع الدولة.

وتوقفت المصادر أمام عدم تجاوب إسرائيل مع دعوة عون للتفاوض السلمي، وإصرارها على مُضيها في الحرب لنزع سلاح «حزب الله»، مع أن الولايات المتحدة تدعو لبنان لتشكيل وفد مدني لبدء المفاوضات المباشرة بين البلدين بضيافة قبرصية، مستبعدة الرعاية الفرنسية لها، من دون أن تتجاوب مع طلب عون التوصل لهدنة، لئلا تُعقَد المفاوضات تحت النار.

كما سأل خصوم الحزب: لماذا لم يتجاوب مع تطبيق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة، ويخرق التزامه باحتواء سلاحه، ولا يقف خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي، بعد أن أخفق في رهانه على الخيار العسكري الذي زاد التكاليف على البلد، رغم أن الحزب يكاد يكون وحيداً في حربه، ما يدعوه لمراجعة حساباته، بخلاف إسرائيل التي تحظى بغطاء أميركي وتفهُّم إقليمي بذريعة توفير الأمن لمستوطنيها على امتداد شمال فلسطين المحتلة.

كما أن الحزب -حسب المصادر- يخطئ في رهانه إذا كان يعتقد بأن المفاوضات الأميركية- الإيرانية، في حال استؤنفت وكُتب لها النجاح، سيكون مشمولاً بها، مع أنه يدرك أن الإدارة الأميركية تصر على إدراج بند خاص على جدول أعمال المفاوضات، ينص صراحة على التخلص من أذرع إيران في الإقليم، بدءاً من لبنان.

جانب من جلسة الحكومة برئاسة نواف سلام (رئاسة الحكومة)

لذلك تصطدم رغبة إيران في ربط لبنان بمصير مفاوضاتها بالتوافق مع «حزب الله»، بإصرار حكومة نواف سلام على فك الارتباط بينهما، وهي تدعو المجتمع الدولي للوقوف إلى جانب لبنان؛ لأنه لم يعد في مقدوره أن يتحمل مزيداً من الكوارث، مع تصاعد وتيرة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»؛ بينما كشف مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط» عن فتور يشوب العلاقة بين عون وسلام من جهة، وبري من جهة ثانية، على خلفية ما أصابها بسبب التباين حول قرار وزارة الخارجية سحب أوراق اعتماد محمد رضا شيباني سفيراً لإيران في بيروت، وسط توقعات بأن وضعه الآن هو أشبه بمن تُنظَّم بحقه مخالفة مع تأجيل تحصيل الغرامة المترتبة عليه، بعد أن نُزعت عنه صفته الدبلوماسية، ويأمل أن يتم تجاوزها، آخذين بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، والتي تتطلب وحدة الموقف في مقاربتهم لحلول للحرب الدائرة في لبنان.


صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
TT

صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)

في تطور لافت يعكس تحوّلاً في طبيعة المواجهة، أعلن «حزب الله» تنفيذ عمليات متتالية في المجال الجوي اللبناني، تمثّلت في إطلاق صاروخ أرض-جو باتجاه طائرة حربية إسرائيلية في سماء بيروت يوم الجمعة، ومن ثم «التصدي لطائرة استطلاع من نوع (RC12) في أجواء البقاع الغربي، كما في أجواء الجنوب».

وفي حين يعكس استخدام صواريخ أرض-جو، سعياً من قبل «حزب الله» إلى تقليص حرية الحركة الجوية، فإن هذه الخطوة من شأنها أن تُشكّل خطراً على الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، لا سيما أنه من المرجّح أن يكون الصاروخ أطلق يوم الجمعة من الضاحية الجنوبية لبيروت، أي من محيط المطار.

بيئة مدنية حساسة

ورغم أن إسرائيل كانت قد أدخلت العاصمة بيروت ضمن دائرة الاستهداف عبر الغارات التي تُطلقها في مختلف مناطقها، وتقول إنها تستهدف قياديين في «حزب الله» و«الحرس الثوري» و«فيلق القدس»، فمن شأن الخطوة التي قام بها «حزب الله» أن تزيد من خطورة هذه التطورات بالنظر إلى أماكن تنفيذها، إذ إن إطلاق الصاروخ من محيط المطار يضع العمليات العسكرية ضمن نطاق مدني مكتظ. وهذا يرفع احتمالات الأضرار الجانبية، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو أي رد محتمل.

مطار رفيق الحريري الدولي في العاصمة بيروت (أرشيفية)

وهذا الأمر يتحدث عنه اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، مشيراً إلى أن «وجود مثل هذه الصواريخ في محيط مطار بيروت يشكّل خطراً جدياً على سلامة الطيران المدني، مستذكراً حادثة إسقاط طائرة مدنية في إيران نتيجة إطلاق صاروخ عن طريق الخطأ، وما أسفرت عنه من ضحايا».

تقييم القدرات الصاروخية

ويلفت شحيتلي الذي كان قد تولّى مهمة متابعة سقوط الطائرة الأثيوبية في بيروت عام 2010 مع المديرية العامة للطيران المدني، إلى «أن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تكفي لتحديد حجم منظومة الصواريخ المضادة للطيران لدى «حزب الله»، ولا طبيعة انتشارها الجغرافي، سواء أكانت محدودة أم واسعة النطاق، كما لا يزال نوع أنظمة التوجيه المستخدمة فيها غير واضح».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الصواريخ التي تعتمد على التوجيه الحراري، مثل صواريخ «سام 7» التي تتعقب حرارة الطائرة تلقائياً، والصواريخ الموجهة التي يتم التحكم بها مباشرة، معتبراً أن تحديد هذه النقطة أساسي لتقدير مستوى التهديد الفعلي.

دور الرادارات والتحليل التقني

من هنا، يرجّح شحيتلي أن تكون المديرية العامة للطيران المدني قد بادرت إلى إعادة تقييم الوضع في ضوء هذا التطور، مشيراً إلى أن الكوادر المختصة في المديرية تمتلك الخبرة الكافية لاتخاذ قرارات مناسبة استناداً إلى معطيات دقيقة، لافتاً إلى «أن رادارات المطار قادرة على تتبع مسار الصاروخ، وتحديد نقطة إطلاقه والمسافة التي قطعها قبل انفجاره، ما يساعد في تصنيفه من حيث المدى (قصير، متوسط أو بعيد) وآلية التوجيه».

الدخان يتصاعد من ضاحية بيروت الجنوبية إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (رويترز)

إجراءات محتملة للحد من المخاطر

وأشار إلى أن هذه المعطيات تتيح للجهات المعنية تحليل طبيعة التهديد وتقدير مخاطره، وعلى أساسها اتخاذ الإجراءات اللازمة، سواء عبر تعديل مسارات الطيران أو اعتماد تدابير تشغيلية جديدة.

وأوضح: «إن من بين الإجراءات الفورية المحتملة اعتماد مسارات جوية فوق البحر بدلاً من اليابسة، واستخدام المدرج الغربي حصراً للإقلاع والهبوط مع تعليق العمل بالمدرج الشرقي، وذلك للحد من المخاطر».


تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتّسع نطاق المواجهة في لبنان بوتيرة متسارعة، مع انتقال العمليات من ضغط ناري واسع إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض. وبين كثافة الغارات والتقدم البري التدريجي، يبرز نهر الليطاني كخط تماس متقدّم، فيما تتكامل الإنذارات بالإخلاء مع سياسة التدمير المنهجي لإعادة رسم الجغرافيا العسكرية والديموغرافية في الجنوب، في مشهد يعكس تحوّل المواجهة إلى حرب متعددة المستويات.

بالتوازي، أبلغ وزير الدفاع اللبناني الحكومة بأن القوات الإسرائيلية تقدّمت لمسافة تُقدَّر بنحو 8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وبدأت بهدم منازل في القرى التي دخلتها، في خطوة تهدف إلى منع عودة السكان وتثبيت واقع ميداني طويل الأمد.

وفي السياق نفسه، أعلن بنيامين نتنياهو أن قواته «في طور توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان»، مضيفاً: «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية»، في مؤشر واضح إلى توجه إسرائيلي لفرض شريط أمني بالقوة.

وقبل الظهر، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق الضغط عبر إنذارات بالإخلاء الفوري لسكان سبع قرى جنوبية، طالباً انتقالهم إلى شمال نهر الزهراني، شملت معشوق، برج الشمالي، الرشيدية، دير كيفا، قعقعية الجسر، وادي جيلو والبص.

تصعيد واسع: قصف مكثف ومحاولة تثبيت

يتواصل القصف الإسرائيلي بعنف مستهدفاً القليلة (155 ملم) وقلاويه وسهلي القليلة ورأس العين، مع غارات ومسيّرات طالت دردغيا والمجادل والمنصوري والحنية، وامتدت إلى كفرا وحاريص وبيت ليف وصربين، إضافة إلى زفتا والنبطية ودير الزهراني وجويا والشهابية وعدلون والبقاع الغربي، وصولاً إلى ضربة فجر السبت على أوتوستراد هادي نصر الله في الضاحية.

بالتوازي، أُطلق أكثر من 70 صاروخاً نحو الطيبة، وسط محاولة تقدم إسرائيلية باتجاه الليطاني تحت غطاء جوي كثيف، ما يعكس انتقال العمليات إلى مرحلة تثبيت خطوط تماس.

وفي هذا السياق، تتركّز المواجهات على التلال الحاكمة، حيث سُجّلت اشتباكات في محيط البياضة وشمع، في محاولة للسيطرة النارية على المرتفعات المشرفة جنوباً، بما يربط بين الضغط الجوي ومحاولات التقدّم البري.

البياضة وشمع: تقدّم واشتباكات على التلال الحاكمة

وفي قراءة ميدانية متقاطعة، نقلت مصادر مطّلعة أن التحركات الإسرائيلية تتركّز على محاور مرتفعة ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدّمها تلة البياضة الواقعة شمال الناقورة، التي تُشرف على الأوتوستراد الساحلي بين الناقورة وصور.

حطام متناثر يغطي أحد الشوارع في موقع غارة جوية إسرائيلية في بلدة السكسكية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضحت المصادر أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى منطقة البياضة وتقدّمت باتجاهها، بالتوازي مع وصولها إلى مشارف بلدة شمع، حيث تدور اشتباكات في محيطهما، في إطار محاولة تثبيت نقاط سيطرة نارية على التلال المشرفة.

وأضافت أن السيطرة على هذه المرتفعات، أو حتى تثبيت إشراف ناري عليها، تتيح عملياً قطع المحاور الحيوية وعزل مناطق الساحل، ولا سيما الناقورة، عن عمقها، في سياق سعي تدريجي لفرض نطاق سيطرة مترابط يمتد من الساحل إلى الداخل.

وعدّت أن هذا النمط من التقدم يقوم على تثبيت نقاط نارية تدريجية وربطها جغرافياً، بما يسمح بفرض واقع ميداني متماسك قبل أي توغّل أوسع.

التقدّم البطيء... ومعركة وجودية

في قراءة عسكرية للتطورات الميدانية في جنوب لبنان، رأى العميد المتقاعد جورج نادر، عبر «الشرق الأوسط» أن إسرائيل «استخلصت دروساً عميقة من حرب عام 2006، لا سيما فيما يتعلق بالقتال المتقارب، حيث تكبّدت خسائر كبيرة أمام مقاتلي (حزب الله)»، لافتاً إلى أنها «تخلّت منذ ذلك الحين عن الاندفاع السريع نحو الاشتباك المباشر، واعتمدت بدلاً من ذلك استراتيجية التقدم البطيء والمدروس، المترافق مع قوة نارية هائلة تهدف إلى تدمير البيئة القتالية قبل دخولها».

وأضاف أن ما يُعرف إعلامياً بـ«سياسة الأرض المحروقة يعبّر فعلياً عن واقع ميداني قائم، حيث تتجنب القوات الإسرائيلية دخول أي بلدة قبل إخضاعها لتدمير شبه كامل باستخدام مختلف الوسائط الجوية والبرية والبحرية»، عادّاً أن «هذا النمط من العمليات يفسّر بطء التقدم الإسرائيلي مقابل حجمه التدميري الكبير».

الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية بعد غارة استهدفت مبنى ليلاً (رويترز)

وفي توصيفه لحجم القوات المنخرطة، أشار إلى أن «إسرائيل تدفع بقوات ضخمة إلى الجنوب، إذ تعمل على عدة محاور باستخدام فرق عسكرية متكاملة، يتراوح عدد كل منها بين 15 و18 ألف جندي، ما يعني وجود عشرات آلاف المقاتلين في الميدان، إلى جانب مئات آلاف عناصر الاحتياط الجاهزين للاستدعاء»، موضحاً أن «هذا الحشد يعكس استعداداً لحرب طويلة ومفتوحة».

ورأى نادر أن «المعركة بالنسبة إلى إسرائيل تأخذ طابعاً وجودياً، وكذلك بالنسبة إلى (حزب الله)، ما يرفع منسوب التصعيد ويجعل الميدان هو العامل الحاسم في رسم مسار المفاوضات وحدودها»، مضيفاً أن «القرار الفعلي يُصنع اليوم في الجبهة، لا على طاولات السياسة».

وعن ذكر استخدام «العبوات الناسفة» في بيانات «حزب الله» الذي بدأ يوم الجمعة، عدّ نادر هذا التطور «مؤشراً واضحاً على انتقال القتال إلى داخل القرى، أي إلى نطاق الاشتباك المباشر»، موضحاً أن «التسمية الأدق عسكرياً هي الألغام المضادة للأفراد والآليات، التي تُزرع غالباً خلال الانسحاب بهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف القوات المتقدمة».

وأشار إلى أن «القوات الإسرائيلية باتت تتحرك ضمن ما يُعرف عسكرياً بالأنساق القتالية، وقد تقدّمت من الخطوط الأمامية إلى ما يشبه النسق الثاني، مع احتمال التمدد نحو النسق الثالث وصولاً إلى شمال نهر الليطاني»، لافتاً إلى أن «استهداف الجسور وتدميرها يندرجان في إطار قطع خطوط الإمداد بين شمال الليطاني وجنوبه».

صحافي لبناني يحمل معدات تابعة لمراسل تلفزيون «المنار» علي شعيب ومراسلة قناة «الميادين» فاطمة فتوني اللذين استهدفا بغارة إسرائيلية على طريق جزين السبت (أ.ب)

وفيما يتعلق بالإنذارات التي يوجهها الجيش الإسرائيلي إلى السكان، رأى نادر أنها «لا تندرج فقط في إطار الإجراءات العسكرية، بل تشكّل أداة ضغط نفسي واجتماعي تهدف إلى دفع السكان نحو النزوح، بما يؤدي إلى خلق أزمات داخلية إضافية»، موضحاً أن «التهجير القسري، حتى لو تم تحت عنوان التحذير، يضع المجتمعات المحلية أمام تحديات معيشية واجتماعية معقّدة قد تثير مشاكل داخلية تستفيد منها إسرائيل».

ورأى أنّ «إسرائيل ماضية في توظيف كامل قدراتها التدميرية، مستفيدة من غطاء دولي واسع، ما يرجّح استمرار العمليات لفترة مفتوحة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب احتواء التصعيد».