أنهى توني كروس مسيرته الكروية بالطريقة التي لعب بها: توقيت مثالي، وتحكم وسيطرة في كل شيء. في الحقيقة، لم نر سوى عدد قليل للغاية من اللاعبين ينهون مسيرتهم الكروية بهذه الطريقة، بل إن عددا أقل من المشجعين كانوا يريدون أن تسير الأمور على هذا النحو، لكن هذا هو قرار النجم الألماني في نهاية المطاف، ومن المؤكد أن هناك أسبابا دفعته لاتخاذ هذا القرار. لقد توسل إليه إيسكو مؤخراً لكي يواصل اللعب، ولم يرغب داني كارفاخال في وداعه، واعترف ديفيد ألابا بأنه كان «منزعجاً» عندما سمع بهذا القرار؛ وكان لوكاس فاسكيز «محطما»، ووصفه فينيسيوس جونيور بأنه «يوم عصيب لكرة القدم». لكن ثقوا تماما في أن هذا هو ما يفعله توني كروس دائما، وهذا هو ما فعله على مدار الـ 17 عاماً الماضية: اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة، وتحديد وتنفيذ خياراته بعناية فائقة ودقة شديدة.
وقال كروس مؤخرا في نسخة إسبانية خاصة من «البودكاست» الذي يقدمه مع شقيقه فيليكس: «هذا الموسم، وهو العاشر لي مع ريال مدريد، سيكون الأخير. أنا مقتنع بأن هذا هو القرار الصحيح». وفي فبراير (شباط) الماضي، عندما سُئل المدير الفني لريال مدريد كارلو أنشيلوتي عن احتمال اعتزال النجم الألماني في نهاية هذا الموسم، رد قائلا: «إذا فعل ذلك، فهذا يعني أنه يتحلى بشجاعة كبيرة». لقد كان كروس يتمتع دائماً بهذا الشكل المختلف من الشجاعة؛ فعلى الرغم من تلميح أنشيلوتي إلى أنه لا يُصدق أن هذا سيحدث عندما قال: «إنه لن يفعل هذا، أليس كذلك؟»، إلا أن المدير الفني الإيطالي عاد ليعترف بأنه «قد يفعل ذلك»! لقد كان كروس دائما لاعبا مختلفا عن الآخرين، وها هو قد أعلن اعتزاله مبكرا، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وفي قمة عطائه الكروي.

وقال إيسكو: «حزين جداً يا صديقي لسماع ذلك، لكنك أكملت اللعبة». لقد فاز كروس بكأس العالم مع منتخب ألمانيا عام 2014، وفاز بلقب الدوري الإسباني الممتاز أربع مرات، وستكون آخر مباراة له مع النادي الملكي هي نهائي دوري أبطال أوروبا؛ وإذا فاز ريال مدريد فإن كروس سيعادل الرقم القياسي المسجل باسم باكو خينتو كأكثر اللاعبين فوزا بلقب دوري أبطال أوروبا (ست مرات). وسينهي كروس مشواره الدولي باللعب مع منتخب ألمانيا في نهائيات كأس الأمم الأوروبية التي تستضيفها بلاده، وقد كانت عودته من الاعتزال الدولي في مارس (آذار) الماضي هي الخطة المثالية التي تسمح له باعتزال مثالي.
وسيعلق كروس حذاءه ويعتزل اللعبة نهائيا، ولن يلعب في دوري أقل من أجل الحصول على الأموال، لأنه لا يمكنه اللعب في مكان آخر غير ريال مدريد. وقال النجم الألماني: «عندما أترك ريال مدريد، سأترك كرة القدم كلها». لقد أثبت كروس للجميع أنه يعرف قيمته وليس سعره، وهناك فارق كبير بين الاثنين في حقيقة الأمر!
وعلاوة على ذلك، كان إعلان اعتزاله يناسب ذلك أيضاً، حيث تم الإعلان عن ذلك بكل هدوء وبعيدا عن أي ضوضاء أو صخب. وفي ظل حديث الجميع عن قرار اعتزاله، نشر تغريدة قال فيها: «لقد أصبحت حديث الجميع على الأقل». لقد اختار كروس أن يسلك الطريق الذي يريده دائما، وقرر أن يعتزل كرة القدم قبل أن يشعر بالتعب أو قبل أن يتعب منه الآخرون! وقال النجم الألماني في فبراير (شباط) الماضي: «أنا سعيد لأن كثيرين يريدون مني أن أواصل اللعب لمدة عام آخر؛ فهذا أفضل دائماً من العكس، عندما يقولون: من فضلك توقف عن اللعب». وقال مؤخرا: «يقول الناس إنه بإمكاني اللعب بسهولة لبضع سنوات أخرى، وربما هذا صحيح، لكنني لا أريد أن أصل إلى مرحلة يشعر فيها الناس بالاستياء من مواصلتي للعب. لذلك، اخترت أفضل لحظة، وأعتقد أن أفضل لحظة هي الآن».
من المؤكد أنه لا يوجد أي شخص يريد أن يتوقف كروس عن اللعب الآن، لكن على الرغم من السلاسة التي يلعب بها النجم الألماني، فإنه يعرف تكلفة ذلك ويدرك أن الأمور قد تتراجع بسرعة شديدة، ويعرف مدى قوة وشراسة المنافسة، ومدى ارتفاع المعايير التي يتعين عليه أن يلتزم بها دائما. لقد رأى ذلك يحدث للآخرين، ومن بينهم لوكا مودريتش، الذي يبدو قريبا هو الآخر من الاعتزال. إلى جانب ذلك، لو كان كروس قد قرر مواصلة اللعب، فما هي المحطة التالية بعد الرحيل عن ريال مدريد؟ قال النجم الألماني عن ذلك: «لقد فكرت في هذا الأمر لعدة أشهر، وهناك إيجابيات وسلبيات كما هو الحال دائماً، لكنني مقتنع بأن هذا هو ما أريده». هناك مقولة في عالم كرة القدم تقول: اعتزل كرة القدم قبل أن تعتزلك كرة القدم! لكن عددا قليلا حقا من اللاعبين هم من يتخذون هذا الخيار، وعددا قليلا من يستطيع تحديد اللحظة المناسبة للاعتزال، فمعظم اللاعبين يريدون المزيد دائما.

وعندما فاز ريال مدريد بلقب دوري أبطال أوروبا بشكل إعجازي في عام 2022، كانت المرحلة الانتقالية قد بدأت بالفعل داخل النادي، وتحدث أنشيلوتي عن «60 دقيقة من الجودة و30 دقيقة من الطاقة» (في إشارة إلى عدم قدرة اللاعبين الكبار على مواصلة اللعب بنفس القوة لمدة 90 دقيقة)، معترفاً بأنه طلب «التفهم من المحاربين القدامى والصبر من الجيل القادم». وقبل عام، وبالتحديد بعد خسارة ريال مدريد أمام مانشستر سيتي، تسارعت الأمور، أو على الأقل كانت هذه هي الخطة الموضوعة من البداية. ومع بداية هذا الموسم كان كروس يجلس على مقاعد البدلاء. والآن يقول أنشيلوتي إن النجم الألماني «لا يمكن استبداله». في الحقيقة، لا يوجد لاعب آخر مثل كروس، ولا حتى في الفريق الحالي لريال مدريد، ولا في أي فريق آخر.
وقال أنشيلوتي: «إنه لاعب فريد من نوعه. إنه دائماً في المكان المناسب، ولا يخطئ في التمرير. أفضل شيء يفعله هو التمركز دائما بشكل صحيح، ووضعية جسده المثالية. إنه لاعب خط وسط يريد دائما أن يستحوذ على الكرة، ولا يخاف أبدا من الضغط». لقد أثبت كروس ذلك مؤخرا أمام بايرن ميونيخ في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا، وبينما كان ريال مدريد في أسوأ لحظاته ظهر النجم الألماني المخضرم ليسيطر على الأمور ويقود فريقه لبر الأمان. وقال كروس: «هذا أحد أفضل مواسمي، وأرى أن هذه لحظة جيدة للاعتزال». من الواضح أن كروس كان يفكر في هذا القرار منذ فترة طويلة. وقال عن ذلك: «أريد عندما تتحدثون عن توني كروس بعد سنوات قليلة أن تتذكروا دائما كيف كنت. لقد كنت أريد دائماً أن أكون في المستوى الذي أنا عليه الآن».
ويجب أن نشير هنا إلى أن لويس دياز قد أطلق اسم توني كروس على كلبه من فرط حبه للنجم الألماني. وقال سانتي كازورلا مؤخرا: «عمليا لم يفقد الاستحواذ على الكرة منذ أن كان في فريق تحت 12 عاما. يقول الجميع إنه يلعب وهو يمشي، لكنه ليس بحاجة إلى الركض. إذا لم تكن سريعاً، وإذا لم تكن قوياً في الصراعات الثنائية، فيتعين عليك أن تخلق الوقت والمساحة بطرق أخرى. لم يكن يتعين عليه أن يعتزل أبدا». سوف يتذكر الجميع كروس على أنه اللاعب صاحب التمريرات المتقنة للغاية، لدرجة أن أفضل أهدافه تبدو وكأنها تمريرات وليست تسديدات على المرمى. في الحقيقة، يجعلك كروس تشعر وأنت تشاهده وكأنه يلعب في ملعب خاص به وحده، ويمتلك ساعة تتحرك بسرعة مختلفة، ويسيطر على المباريات ويتحكم بها كما يشاء، ويفهم كل شيء من حوله بطريقة استثنائية.
ووصف فينيسيوس كروس بأنه اللاعب الذي «يفعل الشيء السهل»، لكن كروس يعلم أن الأمر ليس سهلاً، وأنه بالتأكيد لن يظل كذلك إلى الأبد. وكان النجم الأرجنتيني السابق خوان رومان ريكيلمي قد وصف كروس ذات مرة بأنه أقرب شيء في كرة القدم إلى نجم التنس العالمي روجر فيدرر، وقال: «يمكنه الخروج من المنزل واللعب والعودة إلى المنزل مرة أخرى دون الحاجة حتى للاستحمام: فهو لا يتعرق ولا يتسخ». لماذا لا ينجح كروس في القيام بذلك وهو يتحكم في الوقت كما يشاء داخل المستطيل الأخضر؟ وعندما ذهب أنشيلوتي إلى غرفة خلع الملابس ليخبر اللاعبين أن المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا 2022 قد تأجلت، قال كروس: «لا توجد مشكلة، سنفوز بها في وقت لاحق».

لم يكن كروس يبالغ أو يتحدث بعنجهية في ذلك الوقت، لكن هذه هي طريقته المعتادة والبسيطة دائما، فهذه هي شخصيته وهذه هي الطريقة التي يلعب بها. لقد وصف لاعب ريال مدريد السابق خورخي فالدانو الطريقة التي يلعب بها كروس بأنها «صامتة، لدرجة أن هناك أشخاصاً لا يرونها»، وقال: «يا لها من متعة وأنت ترى الذكاء يسيطر على اللعبة، من دون الحاجة إلى التسرع أو القوة. في نهاية كل مباراة، يكون كروس دائما هو اللاعب صاحب أكبر عدد من اللمسات، وهو ما يجعلك تتساءل: كيف لا يرونه، ولا يُقدرون التأثير الذي يتركه على الفريق؟».
ربما كانت طبيعة كروس، وهدوؤه الشديد، وعدم الرغبة في الحديث عن نفسه، تعني أن الأمر قد استغرق بعض الوقت لكي يحصل على التقدير الذي يستحقه. لكن الجميع يعرف قيمة هذا اللاعب الفذ الآن. وبالنسبة للكثيرين، فهذا سبب آخر يجعله يستحق تقديرا أكبر. وقال كروس: «لقد كان هدفي دائماً هو إنهاء الأمر بهذه الطريقة».
في الحقيقة، لا أحد يريد أن يتوقف كروس عن اللعب، بما في ذلك المشجعون الذين يشاهدونه وزملاؤه الذين جعل حياتهم أفضل، لكن من حقه أن يتخذ القرار الذي يراه مناسبا له، وهو الأمر الذي يفعله بحكمة دائما، حتى عندما يتعلق الأمر بالوداع. وقال كروس: «هذا هو القرار الصحيح»، وعندما يقول كروس هذا فإنه يعني أنه القرار الصحيح بالفعل. وفي آخر تصريحات له قبل نهائي دوري أبطال أوروبا، قال كروس إنه سيفكر في الفريق وليس في نفسه حينما يخوض مباراته الأخيرة بقميص النادي في مواجهة بوروسيا دورتموند. وأضاف لاعب الوسط الألماني في تصريحات خلال اليوم الإعلامي لناديه قبل النهائي الذي سيقام على ملعب ويمبلي: «إنها المباراة الأكثر أهمية وآخر ما سألعبه، لكنني لا أفكر في نفسي، أفكر فقط في الفوز باللقب».

وكان كروس، الذي أعلن أنه سينهي مسيرته الكروية بعد نهائيات كأس أمم أوروبا 2024، خاض آخر مباراة له مع الفريق في الدوري الإسباني هذا الأسبوع، وسط حفاوة جماهيرية كبيرة، كما قام زملاؤه باستقباله بالممر الشرفي لدى دخوله الملعب. يمكننا أن نشعر بالأسف لتوقفه عن اللعب مبكرا، لكن يتعين علينا أن نعلم أن كروس يتخذ قراراته دائما بحكمة وفي الوقت المناسب. وعندما قدم كروس تلك التمريرة الحاسمة لفينيسيوس أمام بايرن ميونيخ، ليودعنا بشكل مثالي بعد 17 عاماً من بدايته عندما قدم تمريرتين حاسمتين في أول ظهور له وهو لاعب مراهق، وصف فينيسيوس هذه التمريرة بأنها «هدية». لكن كروس وصفها بأنها «لم تكن شيئا استثنائيا»، وقال: «كان الأمر يتعلق بالركض». كل ما كان يتعين عليه القيام به هو أن يفعل الشيء الصحيح في الوقت المناسب، وهذا هو ما فعله أيضا عندما اتخذ قرار الاعتزال!
* خدمة «الغارديان»
