في مارس (آذار) 2019، ذهب مانشستر يونايتد إلى فرنسا لمواجهة باريس سان جيرمان في دور الستة عشر من دوري أبطال أوروبا بعدما تعرض للخسارة على ملعبه في مباراة الذهاب بهدفين دون رد. ومع نهاية الشوط الأول، كان مانشستر يونايتد متقدماً بهدفين مقابل هدف وحيد، وهو ما يعني أنه كان بحاجة إلى إحراز هدف آخر للتأهل إلى الدور التالي بفضل قاعدة احتساب الهدف خارج الديار بهدفين في حالة التعادل. وتعامل المدير الفني لمانشستر يونايتد، أولي غونار سولسكاير، مع الأمر بذكاء شديد، حيث طلب من لاعبيه التراجع للخلف واللعب بشكل دفاعي. وعلى مدار النصف ساعة التالية، لم يحدث أي شيء تقريباً. ضغط باريس سان جيرمان في البداية، وكان يعاني من الارتباك والقلق. وبعد ذلك، طلب سولسكاير من لاعبيه العودة لشن هجوم مضاد على هذا المنافس المرتبك، وحصل مانشستر يونايتد على ركلة جزاء - من لمسة يد سخيفة، لكنها ركلة جزاء على أية حال - ليتأهل إلى دور الثمانية.
في تلك الفترة، كان سولسكاير في أوج مجده وعطائه، للدرجة التي جعلت المحلل التليفزيوني للمباريات غاري نيفيل يتساءل عن المكان الذي يريد سولسكاير أن يوضع فيه التمثال الذي سينصبه له مانشستر يونايتد! وفي تلك المرحلة، كانت الإحصائيات المتعلقة بسولسكاير تشير إلى أنه قاد مانشستر يونايتد في 17 مباراة حقق الفوز خلالها في 14 مباراة، وتعادل مباراتين، ولم يخسر سوى مرة واحدة فقط. وكان المدير الفني النرويجي لا يزال يحظى بدعم جماهيري هائل بعدما تولى القيادة الفنية للشياطين الحمر خلفاً لجوزيه مورينيو. ولم يكن الفريق يعاني بعد من المشاكل الهجومية التي ظهرت بعد ذلك، لكن سولسكاير أثبت للجميع أنه بارع في قراءة المباريات واستغلال نقاط ضعف المنافسين، وخاصة من الناحية النفسية.
إنها استراتيجية عالية المخاطر، بطبيعة الحال، فلو صمد باريس سان جيرمان، لتساءل الجميع عن الأسباب التي جعلت سولسكاير يطلب من لاعبيه التراجع للخلف، ولماذا لم يلعب بشكل طبيعي ويتقدم للأمام إلا خلال 15 دقيقة فقط من الشوط الثاني. لكن الأمر نجح لأن سولسكاير أدرك أن باريس سان جيرمان كان يعاني من الفشل وعرضة للانهيار تحت الضغط، بينما كان مانشستر يونايتد، في تلك المرحلة، يثق في سولسكاير ثقة تامة بوصفه الملهم الأكبر لعودة مانشستر يونايتد التاريخية أمام بايرن ميونيخ في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 1999.
لقد كان لاعبو مانشستر يونايتد ينفذون تعليمات وتوجيهات سولسكاير بحذافيرها، وكانوا يقفون في الخلف أو يتقدمون للأمام بناء على ما يقوله لهم، بل ويفعلون ذلك خلال ربع الساعة الأخيرة بضراوة شديدة وإيمان أكبر مما كان عليه الأمر على مدى الـ45 دقيقة كاملة، وكانوا يتسببون في إضعاف ثقة لاعبي باريس سان جيرمان في أنفسهم من خلال الهجمات المرتدة السريعة. لقد أصبح اللعب على العامل النفسي والمشاعر سمة عفا عليها الزمن. على مدار سنوات طويلة، كانت كرة القدم الإنجليزية مهووسة بالعوامل النفسية والمشاعر، وكانت تميل إلى التشكيك في الجوانب الخططية والتكتيكية. والآن، يبدو أن هناك تصحيحاً مبالغاً فيه، حيث أصبح هناك هوس بالجوانب الخططية، وسط تجاهل تام للمشاعر والعوامل النفسية.
من المؤكد أن البيانات تقدم رؤية ثاقبة للمباريات، وهو ما يسمح للفريق بالقيام بعمل أفضل من خلال الضغط على المنافس وزيادة الكفاءة في جميع أنحاء الملعب، لكن الخطر يتمثل في فقدان إنسانية اللاعبين، وحقيقة أنهم بشر لديهم مشاعر تتأرجح صعوداً وهبوطاً بناء على ما يتعرضون له. ربما تُظهر الإحصائيات أن المهاجم لا يقدم مستويات ثابتة ومتسقة بشكل دائم، لكنها تشير إلى أن اللاعب سوف يعود في الوقت المناسب ويسجل هدفاً من كل 10 فرص في المتوسط على مدار مسيرته الكروية. لكن عندما يكون هذا المهاجم في أدنى مستوياته، هل يتعين على المدير الفني أن يقف مكتوف الأيدي وينتظر عودته مرة أخرى إلى مستواه السابق؟ أم يحاول معرفة الخطأ ويسعى لعلاجه ويضع ذراعه حول عنق اللاعب ويحتويه، أم يسعى للقيام بتغيير خططي من أجل حتى مساعدة اللاعب على إحراز هدف من كل تسع فرص وليس من كل 10 فرص؟
إن الفكرة التي تقول إن الثقة أمر محدد مسبقاً وغير قابل للتغيير، بل وربما حتى وهم، هي واحدة من أكبر أكاذيب الثورة الإحصائية في عالم كرة القدم. فالبيانات ليست شيئاً دقيقاً يُحدد الأقدار! لكن الأمر لا يتعلق فقط باللاعبين بشكل فردي؛ وكما أظهر سولسكاير في باريس، فإنه يمكن استغلال الحالة النفسية للمنافس وللاعبي فريقك خلال المباريات.

ويمكن للاعبين أن يصلوا إلى مستويات جديدة عندما يكونوا في أفضل حالاتهم ويقف الحظ إلى جانبهم، كما أن أفضل اللاعبين يمكن أن ينهاروا تماماً عند التعرض لضغط شديد.
ولنضرب مثلاً على ذلك بالمباراة التي فاز فيها برايتون مؤخراً على توتنهام بأربعة أهداف مقابل هدفين، أو المباراة التي فاز فيها ليفربول على بيرنلي بهدفين دون رد. ففي كلتا الحالتين، كان الفريق الذي تمكن من تحقيق الفوز في نهاية المطاف هو الفريق الذي سيطر على مجريات اللعب تماماً، بل وكان ينبغي أن يتقدم بنتيجة أكبر، ثم أصابه التوتر والقلق بشكل غير متوقع عندما أظهر المنافس المهزوم علامات على المقاومة. لكن ذلك لم يكن كافياً في أي من الحالتين، لكنه كان كافياً بالنسبة لكريستال بالاس عندما تمكن من العودة في النتيجة بعد تأخره بهدفين دون رد أمام مانشستر سيتي لتنتهي المباراة بالتعادل بهدفين لكل فريق، وجاء هدف التعادل نتيجة خطأ من فيل فودين الذي كان يبدو مرتبكاً ومذعوراً.
هناك القليل من الحقائق المطلقة في عالم كرة القدم، حيث يكون كل شيء تقريباً مشروط. ويجب الإشارة أيضاً إلى أن الفلسفات مهمة كمبادئ توجيهية، لكنها ليست «صحيحة» أبداً في حد ذاتها، فكرة القدم ليست مشكلة تنتظر الحل، كما أن الشيء الذي قد يكون مناسباً في موقف ما ليس بالضرورة مناسباً في موقف آخر.
لقد حقق أستون فيلا نتائج رائعة ومثيرة للإعجاب خلال الموسم الحالي في ظل اعتماده على الدفاع المتقدم وإيقاع المنافسين في مصيدة التسلل، لكن اللعب بنفس الطريقة كلف الفريق غاليا أمام مانشستر يونايتد على ملعب «أولد ترافورد». من الواضح أن أستون فيلا يعاني من الإرهاق منذ الشوط الثاني لمباراته أمام آرسنال، وعندما تقدم أستون فيلا بهدفين دون رد على مانشستر يونايتد، لم يعد قادراً على مواصلة الضغط العالي المطلوب منه لمنع المنافس من لعب تمريرات دقيقة في المساحة الخالية خلف رباعي الخط الخلفي. وربما لم تكن هذه مجرد مشكلة بدنية: فهل من الممكن أن يكون اللاعبون المنهكون من خوض عدد كبير من المباريات المتلاحقة في فترة أعياد الميلاد قد وجدوا صعوبة في تطبيق التعليمات بالتفصيل فيما يتعلق بالتمركز داخل الملعب، أو اتخاذ القرارات التكتيكية المعقدة، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من اللعبة الحديثة؟
قد تكون هذه هي المتعة في المباريات المتلاحقة التي تقام خلال فترة أعياد الميلاد، فبسبب ضيق الوقت المتاح للاستعداد، تلعب الفرق بشكل طبيعي أو عشوائي بعض الشيء، بحيث ينتهي الأمر حتى باللاعبين الرائعين مثل رودري بارتكاب أخطاء ساذجة. ويبدو أن هذا الأمر قد أثر كثيراً على آرسنال، الذي كان يعتمد بشكل كبير على غابرييل مارتينيلي وبوكايو ساكا، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتراجع نتائج الفريق بسبب تراجع مستوى هذين النجمين بالتحديد بسبب الإرهاق. ومن الغريب حقاً أنه منذ تولى أرتيتا قيادة آرسنال والفريق يعاني في كل موسم من سلسلة من النتائج السيئة خلال أربع أو خمس مباريات تبدأ في ديسمبر (كانون الأول) أو يناير (كانون الثاني). من المعروف أن أرتيتا رسم ذات مرة قلباً وعقلاً يمسكان ببعضهما بعضاً كجزء من حديثه للاعبي الفريق، لكن هناك شعوراً بأن المدير الفني أعطى الأولوية وبشكل مبالغ فيه للعقل، أو بمعنى آخر للجوانب الخططية والتكتيكية، على حساب العوامل النفسية.
ويتمثل الحل المثالي في أن يتم الاعتماد على الأمرين معاً، وأن يقوم المديرون الفنيون بضبط العمليات التي يمثلها العقل لتتوافق مع الحالة النفسية والجسدية التي يمثلها القلب، وهو الأمر الذي نجح فيه ببراعة المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، الذي اعترف بأنه من الصعب على أي مدير فني العمل بشكل دقيق على الجوانب الخططية والتكتيكية في هذا الوقت من العام!
*خدمة الغارديان*
