عندما كشف المدير الفني للمنتخب الإنجليزي، غاريث ساوثغيت، عن رأيه في الجدل الدائر حول أفضل مركز لفيل فودين في وقت سابق مؤخراً، قال: إنه من غير المرجح أن يشارك اللاعب البالغ من العمر 23 عاماً في خط الوسط على المستوى الدولي إذا لم يكن موثوقاً به ويقوم بهذا الدور على أكمل وجه مع مانشستر سيتي. في الحقيقة، يؤكد هذا أن ساوثغيت يمكن أن يبدو صارماً في كثير من الأحيان بشأن قضية ما، ثم يتبنى وجهة النظر المضادة تماماً في قضة أخرى!
إن ما يقوله ساوثغيت لوسائل الإعلام يكون في بعض الأحيان مجرد وسيلة لتحقيق غاية في نفسه؛ فهذا المدير الفني يمكن أن يقضي وقتاً طويلاً في الظهور كصاحب وجهة نظر منطقية تماماً فيما يتعلق باستبعاد رحيم سترلينغ، مشيراً إلى أن إنجلترا تمتلك بالفعل عدداً كبيراً من اللاعبين المميزين في مركز الجناح، ثم ينسف وجهة النظر هذه من خلال عدم استدعاء جناح تشيلسي رغم خروج جاك غريليش من القائمة بسبب الإصابة! لكن ربما لا يكون هذا الأمر مفاجئاً إذا كان المنطق الذي يطبقه ساوثغيت على فودين - لا يمكن أن يشارك في خط وسط منتخب بلاده إذا لم يكن يفعل ذلك مع ناديه – لا يُطبق من الأساس على لاعبين آخرين في صفوف الفريق، مثل كالفين فيليبس الذي ضمه ساوثغيت إلى قائمة المنتخب الإنجليزي ودفع به في التشكيلة الأساسية رغم أنه لا يلعب مع ناديه!

دعونا نتذكر أن ساوثغيت هو أول من قام بتجربة ترينت ألكسندر أرنولد في خط الوسط، قبل وقت طويل من قيام المدير الفني لليفربول، يورغن كلوب، بتغيير مركز اللاعب للدخول من مركز الظهير الأيمن إلى عمق الملعب. ويعني هذا أن القواعد التي يطبّقها ساوثغيت ليست ثابتة، فهي بالتأكيد لا تنطبق على هاري ماغواير وكالفن فيليبس، وهما اللذان يصرّ ساوثغيت على ضمهما إلى قائمة المنتخب الإنجليزي على الرغم من أنهما لا يلعبان مع نادييهما.
ومن الواضح أن هذا الأمير يثير الغضب في بعض الأوساط، حيث يتم اتهام ساوثغيت بالولاء المفرط لعدد معين من اللاعبين بغض النظر عن مشاركتهم أو مستواهم مع أنديتهم، وهو الأمر الذي اتضح جلياً من خلال دعمه ماغواير بعد فوز إنجلترا ودياً على أسكوتلندا. من الواضح أن ساوثغيت يفكر ببرغماتية شديدة؛ فالمنطق المطبق على فودين يسهل الحفاظ عليه وتطبيقه عندما يكون لديك الكثير من اللاعبين الجيدين في خط الهجوم، لكن الأمر يختلف تماما في المراكز الأخرى، مثل خط الدفاع الذي لا يجد فيه ماغواير منافسين حقيقيين حتى الآن. أما بالنسبة لفيليبس، فمن المؤكد أنه كان سيخرج من القائمة لو كان لدى ساوثغيت المزيد من الخيارات الجيدة في خط الوسط.
ولهذا السبب لا يزال جوردان هندرسون في الفريق على الرغم من انتقاله إلى الدوري السعودي للمحترفين. هناك نقطة ضعف واضحة في قلب خط الوسط، وزاد الأمر سوءاً بسبب معاناة فيليبس منذ انضمامه إلى مانشستر سيتي العام الماضي. لتقد تراجع مستوى اللاعب كثيراً بسبب الإصابات التي تعرّض لها، ومن الواضح أن المدير الفني لسيتي، جوسيب غوارديولا، لا يثق به. ولم يلعب فيليبس أي مباراة مع مانشستر سيتي في الدوري منذ مايو (أيار) الماضي، كما تعاقد النادي مع ماتيو كوفاسيتش الصيف الماضي، وبالتالي يتعين على فيليبس أن يدرك جيداً أن غوارديولا لا يضعه في حسبانه!
ومع ذلك، لا يتعامل ساوثغيت مع فيليبس مثل غوارديولا، ومن الواضح للجميع أنه معجب للغاية بقدرات لاعب خط وسط ليدز يونايتد السابق؛ لذا فهو يتجاهل كل المخاوف بشأن قلة مشاركات اللاعب في المباريات مع ناديه. لقد دفع به ساوثغيت في التشكيلة الأساسية عندما افتتحت إنجلترا مشوارها في التصفيات المؤهلة لكأس الأمم الأوروبية 2024 بفوزها على إيطاليا في نابولي في مارس (آذار) الماضي.
ولا يزال فيليبس، الذي حصل على جائزة أفضل لاعب في إنجلترا لعام 2021، يحظى بثقة ساوثغيت. لقد شارك في التشكيلة الأساسية إلى جانب ديكلان رايس عندما وصلت إنجلترا إلى نهائي بطولة كأس الأمم الأوروبية 2020، كما شارك أمام أسكوتلندا وظهر بشكل جيد. لقد لعب فيليبس في مركز متقدم بعض الشيء عن رايس، لكن كانت هناك علامات على تراجع مستواه بعض الشيء بسبب قلة مشاركته في المباريات. لقد بذل مجهوداً كبيراً وكان يمرّر الكرات بشكل جيد، خاصة عندما استلم الكرة على صدره في لمحة فنية رائعة وسدّدها على الطائر بشكل جميل لتصل إلى ماركوس راشفورد.
وبعد مباراة أوكرانيا، تعرّض ساوثغيت لانتقادات لاذعة بسبب اعتماده على كل من رايس وهندرسون في قلب خط الوسط، مع الدفع ببيلينغهام على اليسار في خط وسط مكون من ثلاثة لاعبين. فلماذا لم يترك رايس يقوم بالواجبات الدفاعية، ويدفع بفودين أو جيمس ماديسون بجوار بيلينغهام؟ ومع ذلك، فإن وجهة نظر ساوثغيت تتمثل في أن الفريق الذي يسعى للفوز بالبطولات والألقاب يجب أن يعمل أولاً على عدم استقبال أهداف. ربما سيحاول ساوثغيت استغلال التمريرات المتقنة لألكسندر أرنولد في خط الوسط بجانب بيلينغهام ورايس، لكن لا يمكن الاعتماد على خط وسط بهذا الشكل، خاصة وأنه لم يتم تجربته من قبل. في نهاية المطاف، وعلى الرغم من كل الجدل الدائر حول فودين، فمن الواضح أن ما يريده ساوثغيت حقاً هو أن يلعب رايس وفيليبس في خط الوسط لتكوين ستارة دفاعية قوية، بالشكل الذي يمنح بيلينغهام حرية التقدم للأمام للقيام بواجباته الهجومية.
لقد قدم هؤلاء اللاعبون الثلاثة أداءً جيداً أمام إيطاليا، وساعدوا إنجلترا على السيطرة على مجريات الأمور أمام أسكوتلندا، وبالتالي سيكون من الصعب أن يفكر ساوثغيت في التخلي عن واحد منهم لإفساح المجال للاعب آخر صاحب قدرات هجومية أكبر. لقد فشلت كل الجهود السابقة في إقناع ساوثغيت بالقيام بذلك. لقد عانت إنجلترا عندما اعتمدت على خط وسط مكون من رايس وفودين وماسون ماونت أمام المجر قبل عامين. واضطر ساوثغيت إلى استبعاد ماونت لصالح هندرسون خلال كأس العالم.
ولا ينبغي أن ننسى أن هندرسون لعب دوراً حيوياً في الحد من خطورة كيليان مبابي خلال المباراة التي خسرتها إنجلترا أمام فرنسا في الدور ربع النهائي لكأس العالم في قطر. ولم يكن من الممكن أن يخرج ساوثغيت من تلك المباراة معتقداً أن الطريقة الصحيحة للفوز على فرنسا في الصيف المقبل هي حشد المزيد من اللاعبين المبدعين في خط الوسط، بل يتعين على إنجلترا أن تكون قادرة على استعادة الكرة بسرعة أمام الفرق الكبرى. يمكن لساوثغيت أن يستفيد من إمكانية انتقال فيليبس إلى ناد جديد في يناير (كانون الثاني) المقبل، لكن من الواضح أن ساوثغيت يمكن أن يناقض نفسه في بعض الأحيان لضم بعض اللاعبين الذين يعرف جيدا أنه لا يوجد بدائل لهم!
* خدمة «الغارديان»
