من قال إن كرة القدم ليس بها عدد كافٍ من النساء في مراكز صنع القرار؟ كانت هناك مفارقة مريرة في الأخبار التي تم تداولها هذا الأسبوع، مفادها أن نادي مانشستر يونايتد يستشير فريقه للسيدات بشأن ما إذا كان سيُسمح لماسون غرينوود باللعب للنادي مرة أخرى أم لا.
كان مانشستر يونايتد يأمل في اتخاذ قرار في هذا الشأن قبل انطلاق الموسم الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز؛ لكن يبدو أن الأمر تأخر لأن 3 لاعبات من فريق مانشستر يونايتد للسيدات يشاركن حالياً مع المنتخب الإنجليزي في كأس العالم للسيدات في أستراليا، ويفترض أن لديهن أموراً أكثر أهمية الآن.
وبغض النظر تماماً عن حقيقة أن تفويض المسؤولية للاعبات يضعهن بشكل مباشر في مرمى الإساءات المروعة من كثير من المؤيدين لغرينوود عبر الإنترنت، فقد تعامل النادي مع هذه القضية بشكل سيئ للغاية. لقد مر الآن 6 أشهر منذ أن أوقفت دائرة الادعاء الملكية قضيتها ضد غرينوود بتهمة محاولة الاغتصاب والسلوك القسري والاعتداء. وبالتالي، من المفترض أن يكون هذا الوقت كافياً تماماً للتشاور مع أصحاب المصلحة الضروريين، وتقييم المخاطر، واتخاذ القرار النهائي.
ومع ذلك، فقد بدأ الموسم الجديد للدوري الإنجليزي الممتاز بالفعل، وتم جر كل من إيلا تون وماري إيربس وكاتي زيلم إلى هذه القضية الأخلاقية الخطيرة، في الوقت الذي تستعد فيه هؤلاء اللاعبات لخوض المباراة النهائية لكأس العالم مع منتخب بلادهن.
لقد مر الآن أكثر من 18 شهراً منذ ظهور التسجيل الصوتي المروع لرجل (يُزعم في ذلك الوقت أنه غرينوود) يسيء معاملة امرأة ويحاول إجبارها على ممارسة الجنس. كما نشرت المرأة صوراً لوجهها وهو ينزف، وجسدها المصاب بالكدمات، وهو ما يشير إلى أن غرينوود أصابها بجروح. لقد أسقطت التهم الجنائية ضد غرينوود بعد أن «سحب الشهود الرئيسيون تعاونهم من التحقيق»، حسب النيابة العامة؛ لكن التسجيل الصوتي لا يزال متاحاً على الإنترنت، ويمكنك الذهاب والاستماع إليه وقتما تشاء، والتوصل إلى النتيجة التي تريدها. فإذا توصلت إلى استنتاج مفاده أن غرينوود لا ينبغي أن يلعب كرة القدم مع مانشستر يونايتد مرة أخرى، فتهانينا لك؛ لأن هذا يعني بالضبط أنك متقدم بخطوة عن المكان الذي يجد فيه أحد أكبر الأندية في العالم نفسه حالياً!
كثيراً ما نسمع البعض يصف شيئاً ما بأنه «قضية معقدة»، وهو الوصف الذي يتم اللجوء إليه غالباً بهدف تعقيد الأمور، وليس حلها. يمكنك أن تأخذ في الاعتبار -على سبيل المثال- حقيقة أن غرينوود لاعب كرة قدم موهوب للغاية، ويلعب بشكل مباشر على المرمى، ويجيد التسديد بكلتا قدميه. ويمكنك أن تأخذ في الاعتبار حقيقة أن المدير الفني لمانشستر يونايتد، إريك تن هاغ، يرغب في عودة غرينوود إلى الفريق ليقدم الدعم اللازم لخط هجوم الفريق. ويمكنك أن تأخذ في الاعتبار حقيقة أن غرينوود لا يزال أمامه ما يقرب من عامين في عقده مع النادي، والذي يحصل بمقتضاه على 75 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع، وإمكانية الطعن القانوني من قبل اللاعب إذا قرر مانشستر يونايتد إنهاء العقد من جانب واحد.
لكن بالطبع هذه هي الأشياء التي تعقِّد المشكلة فقط عندما يخطئ نادي كرة القدم تماماً في توجهاته الأخلاقية، وعندما تتوقف مؤسسة مكونة من البشر عن التفكير بشكل إنساني، وتفكر بدلاً من ذلك في القيمة المستقبلية للمشروع. وإلا كيف يمكن تفسير الطريقة البشعة التي حاول بها مانشستر يونايتد إدارة عملية اتخاذ القرار المتعلق بغرينوود، والانتظار لمعرفة إلى أين تتجه الرياح ثم اتخاذ القرار بناء على ذلك؟ في الحقيقة، لا يتعامل مانشستر يونايتد مع الأمر من الناحية الأخلاقية، وإنما ينظر إلى القيمة الإجمالية المتبقية من عقد اللاعب، وعدد الأهداف التي يمكن للاعب أن يحرزها ويصنعها، والقيمة المحتملة للتأهل لدوري أبطال أوروبا، وعقود الرعاية التي قد يخسرها، وتذاكر المباريات، والتداعيات المحتملة في حال اعتراض فريق السيدات على القرار. فإلى أي مدى تعتقد أن لاعبة المنتخب الإنجليزي إيلا تون ستبدو غاضبة في حال اتخاذ قرار بالعفو عن اللاعب؟
هذه هي الأشياء التي يضعها مانشستر يونايتد في الحسبان قبل اتخاذ القرار النهائي؛ حيث «يحسب» كل هذه الأمور، ثم يحدد بوصلته الأخلاقية بناء على ذلك!
وهذه بالطبع هي الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية دائماً: التعامل بكل برود ومكر ودهاء، وبمشاعر مبتذلة، ولغة معتدلة تقنعك بأنها تهتم بكل شيء. فلا يوجد صواب وخطأ، وإنما توجد رسوم بيانية تتجه لأعلى وأخرى تتجه لأسفل. وفي هذا الصدد، يجب طرح السؤال التالي: هل تعتقد بصدق أن النادي الذي تشجعه –أياً كان– سيتصرف بشكل مختلف لو وُضع في الموقف نفسه؟ ربما يعلم معظمكم أن هناك نادياً واحداً على الأقل في الدوري الإنجليزي الممتاز يؤوي حالياً متهماً، ويستمر في دفع راتبه والاعتماد عليه في التشكيلة الأساسية، والاستمرار في التصرف وكأن شيئاً لم يحدث. ولا يقتصر الأمر فقط على الأندية الكبرى؛ بل يمتد إلى جميع أندية الدوريات الأدنى في إنجلترا وأسكوتلندا.
من المؤكد أن المشجع العادي لن يكون هو من يقرر ما إذا كان غرينوود سيلعب مع مانشستر يونايتد مرة أخرى أم لا، ولن يقرر ذلك أيضاً ضحايا العنف المنزلي أو العنف الجنسي، أو كثير من مشجعات مانشستر يونايتد الشجاعات اللاتي تعهدن بمواصلة القتال والاحتجاج حتى خروج غرينوود من النادي. ولن يقرر ذلك أيضاً فريق السيدات بمانشستر يونايتد، على الرغم من المجهود الكبير الذي يقوم به في مجال العلاقات العامة؛ لكن صاحبة القرار النهائي ستكون سوق انتقالات اللاعبين، كما هي الحال دائماً. لقد اعتدنا أن نرى هذه السوق هي التي تحصل على ما تريده في نهاية المطاف، سواء أعجبك ذلك أم لا!
* خدمة «الغارديان»

