في المرة الأخيرة التي تحدث فيها الإيطالي كارلو أنشيلوتي عن مستقبله مع ريال مدريد، أكد أنشيلوتي أنه لن يتكلم بعد الآن عن التكهنات التي تربطه بتدريب المنتخب البرازيلي العام المقبل، مصمماً على التركيز مع فريقه ريال مدريد. وقال في لوس أنجليس، حيث يخوض النادي الملكي مباريات ودية في الولايات المتحدة: «لن أتكلم أبداً عن البرازيل، عمّا سيحصل لاحقاً». تابع: «أنا مدرب ريال مدريد، وسأبقى هنا».
ربما سمع البعض أن أنشيلوتي سيكون المدير الفني القادم لمنتخب البرازيل، على الأقل إذا كنت تستمع إلى رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، على أي حال. أما إذا كنت تستمع إلى أنشيلوتي أو ريال مدريد، فمن المحتمل أنك لم تسمع أي شيء من هذا القبيل أو سمعت كلاماً غامضاً! وقد تكون هذه هي الصورة الأوضح والأكثر دلالة للطريقة التي تم التعامل بها مع الأمر؛ لم يتم الإعلان عن تدريب أنشيلوتي لمنتخب البرازيل، ولم يتم النفي أيضاً!
وكان رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، إيدنالدو رودريغيز، أعلن في الخامس من الشهر الحالي عن أن المدير الفني الإيطالي سيقود منتخب البرازيل اعتباراً من عام 2024. لكن الصمت خيّم على الأمور تماماً منذ ذلك الحين، ولم يقل أنشيلوتي شيئاً، ولم يقل ريال مدريد شيئاً، ولم يقل الاتحاد البرازيلي لكرة القدم أي شيء، بشكل رسمي. حتى رودريغز لم يقل الكثير في ذلك الوقت: «خرجت كلمة من فمه وكأنها كانت متعمدة تماماً للتأكيد على رغبة يعلمها الجميع من قبل مسؤولي الاتحاد البرازيلي للتعاقد مع أنشيلوتي، لكن لم يحدث أي شيء آخر منذ ذلك الحين».

كان رودريغيز يقدم فرناندو دينيز باعتباره ثاني مدير فني مؤقت للبرازيل منذ كأس العالم، عندما أشار إلى أن أحد الأشياء التي تجعل دينيز المرشح المثالي هو أن «طريقته مشابهة لطريقة المدير الفني الذي سيتولى المسؤولية في كوبا أمريكا؛ أنشيلوتي». لقد حل دينيز محل رامون مينيزيس، الذي تولى المسؤولية بشكل مؤقت أثناء البحث عن خليفة لتيتي، وسيبقى في منصبه حتى الصيف المقبل عندما ينتهي عقد أنشيلوتي مع ريال مدريد.
لكن الأمور ليست بهذه البساطة، ولا يعود السبب الوحيد في ذلك إلى أن أنشيلوتي ودينيز ليسا متشابهين. وعلى الرغم من وجود التزام من الاتحاد البرازيلي لكرة القدم والمدير الفني الإيطالي، فإنه لم يتم التوقيع على أي عقد، لوائح الفيفا تجعل ذلك مستحيلاً حتى يناير (كانون الثاني)، وهذه ليست الطريقة التي يريدان أن تسير بها الأمور. كانت البرازيل تأمل، بل تتوقع أن تتعاقد مع أنشيلوتي الآن بالفعل. كانت هناك لحظات أيضاً يفكر فيها أنشيلوتي في الأمر بجدية كبيرة، لكن سيتعين عليهما الانتظار لمدة 12 شهراً تقريباً، ومن المؤكد أنه يمكن أن يحدث كثير من الأمور خلال هذا العام.
كانت البرازيل قد تواصلت مع أنشيلوتي للمرة الأولى العام الماضي من أجل إقناعه بتولي قيادة «السيليساو» في نهائيات كأس العالم 2026. ورأى الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، بنصيحة من كاكا الذي لعب تحت قيادة أنشيلوتي في ميلان، أن المدير الفني الإيطالي هو المرشح المثالي لهذه المهمة، خاصة أنه قادر على تحمل الضغوط الهائلة التي سيتعرض لها عندما يصبح أول مدير فني أجنبي يقود راقصي السامبا. وعلاوة على ذلك، فقد فاز أنشيلوتي بكل البطولات الممكنة، على حد قول رودريغيز، الذي قال: «كل اللاعبين الذين لعبوا تحت قيادته يحبونه، واللاعبون الذين لم يلعبوا تحت قيادته يتمنون العمل معه». وعلاوة على ذلك، فقد لعب كافو أيضاً تحت قيادته، كما يلعب معه الآن كل من فينيسيوس جونيور ورودريغو وإيدر ميليتاو. وقال ميليتاو في تصريحات صحافية مؤخراً: «العلاقة جيدة جداً جداً، إنها مثل العلاقة بين الأب والابن».

كان أنشيلوتي - البالغ من العمر 64 عاماً، الذي وقع عقداً مع ريال مدريد، في ولايته الثانية، لمدة 3 سنوات في عام 2021 - ينوي في البداية اعتزال التدريب في نهاية هذه الولاية مع النادي الملكي. لم يكن أنشيلوتي يتوقع العودة إلى ريال مدريد على الإطلاق، لكن محادثة عن طريق الصدفة تم فيها طرح فكرة العودة إلى «سانتياغو برنابيو» رداً على الرئيس التنفيذي لريال مدريد الذي أعرب عن أسفه لمدى صعوبة العثور على مدير فني، أدت في النهاية إلى عودة أنشيلوتي لقيادة ريال مدريد. ولم يكن المدير الفني الإيطالي يتوقع أن تأتيه فرصة قيادة منتخب البرازيل أيضاً، لكن من حسن حظه أن جاءته فرصة تولي أفضل فريقين على وجه الأرض؛ ريال مدريد ومنتخب البرازيل، واحداً تلو آخر.
رفض أنشيلوتي قيادة كرواتيا في كأس العالم 2018، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه لم يكن من المعقول أن يوافق على هذا العرض بعد وقت قصير من رفضه تولي قيادة منتخب بلاده إيطاليا. لكن كلما فكر أنشيلوتي في الأمر، زاد إعجابه به واقتنع بأنها فرصة لا يتعين عليه أن يرفضها. وبعد أن بدأ مسيرته التدريبية مساعداً للمدير الفني لمنتخب إيطاليا السابق أريغو ساكي، ومرافقته في كأس العالم عام 1994 بالولايات المتحدة، فإن قيادة منتخب آخر في كأس العالم سيساعده على إنهاء مسيرته التدريبية بشكل جميل، ولن يكون ذلك مع أي منتخب، بل مع منتخب البرازيل!

وجاءت الفرصة في وقت أقرب من المتوقع بعد رحيل تيتي، ووافق أنشيلوتي على العرض البرازيلي، لكن كان هناك شيء واحد فقط يعيق هذه الخطوة، وهو أنه لا يزال مرتبطاً بعقد مع ريال مدريد. لا يرغب أنشيلوتي في إنهاء عقده مع النادي الملكي من جانب واحد. لكن في الحقيقة، قد يفعل ريال مدريد ذلك! يود أنشيلوتي أن يُسمح له بتولي قيادة البرازيل، لكن إذا لم يحدث ذلك، فما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ إنه يتولى بالفعل تدريب أفضل فريق في العالم! في كلتا الحالتين، ستتضح الأمور بشكل أكبر مع مرور الوقت، لكن لا بد من التعامل معها بشكل صحيح. وقال ميليتاو: «كان يمزح معنا دائماً ويقول إنه هناك بالفعل، لكننا لا نرغب في الخوض في الأمر كثيراً لأن القضية حساسة».
وأجرى الاتحاد البرازيلي لكرة القدم محادثات مع ريال مدريد، لكن أنشيلوتي حافظ على هدوئه وأبقى على الأمر سراً إلى حد كبير، وهذا ليس بالأمر السهل. وقال المدير الفني الإيطالي في أوائل أبريل (نيسان): «لن أتحدث عن مستقبلي بعد الآن». وفي اليوم السابق لذلك، كان قد اعترف علناً لأول مرة بوجود مفاوضات، عندما قال: «إذا كان صحيحاً أن منتخباً وطنياً مثل البرازيل يريدني، فأنا أحب ذلك كثيراً وهذا يجعلني سعيداً».
وتعرض أنشيلوتي لبعض الضغوط، وتراجع عن تصريحاته السابقة على الفور، وأشار مراراً وتكراراً إلى أنه لا يزال مرتبطاً بعقد مع ريال مدريد، وأن الأمر يتوقف على مسؤولي النادي الملكي، حتى مع استمرار الشكوك والتساؤلات بشأن مستقبله. وكان هناك تذكير دائماً بقدرات أنشيلوتي، للاستهلاك الداخلي والخارجي. وبعد أسبوعين، أدلى أنشيلوتي بتصريحات قال فيها: «سأكون هنا الموسم المقبل، وأحترم عقدي دون شك». وعندما سُئل عما إذا كان يشعر بأن رئيس النادي، فلورنتينو بيريز، يريده أن يستمر، ردّ قائلاً: «نعم، أعتقد ذلك، لأنه كان دائماً يعاملني بشكل جيد، ولا يزال كذلك».
وبعد نهائي كأس ملك إسبانيا، الذي فاز به ريال مدريد، تحدث بيريز للمرة الأولى والأخيرة في هذا الشأن، وقال: «لا أريد أن أسمع المزيد عن ذلك. أنشيلوتي لديه عقد ونحن سعداء». وفكر ريال مدريد بالفعل في البدائل، خاصة مع ابتعاد النادي عن المنافسة على لقب الدوري الإسباني الممتاز مبكراً وتعرضه لهزيمة ثقيلة في دوري أبطال أوروبا، وبالتالي كانت هناك احتمالية لإقالة أنشيلوتي من منصبه، وهو الأمر الذي جعل رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم، إيدنالدو رودريغيز، يتمسك بهذا الأمل. ورغم الضغوط الهائلة في البرازيل، ظل رودريغيز مصراً على التعاقد مع أنشيلوتي. وإذا كان رودريغيز يأمل في الضغط على بيريز من أجل إقالة أنشيلوتي، فربما أدت مجهوداته إلى نتيجة عكسية تماماً.
حتى أواخر يونيو (حزيران)، كان رودريغيز لا يزال مصراً على التعاقد مع أنشيلوتي، وقال: «الخطة الرئيسية هي الخطة التي تعرفونها؛ أنشيلوتي. وكما يقولون في الملاكمة، لم أرم المنشفة بعد». وبعد أيام قليلة، قال إنه طلب من لويس روبياليس، رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، «مطالبة فلورنتينو بتحرير كارلو»، لكن ذلك لم يحدث. وعندما أعلن رئيس الاتحاد البرازيلي لكرة القدم أخيراً عن تعيين دينيز مديراً فنياً لمنتخب البرازيل حتى صيف 2024 وأنشيلوتي بعد ذلك كان ذلك بمثابة اعتراف بالهزيمة، لكنه انتصار أيضاً. لقد كان بذلك يقول للجميع إنه نجح في الحصول على الرجل الذي يريده، وإن لم يكن ذلك في الحال، حتى لو لم يصرح أنشيلوتي نفسه بذلك.
في الحقيقة، قد يؤدي تحديد موعد نهائي في وقت لاحق إلى المخاطرة بعدم الوفاء بهذا الموعد النهائي. أما بالنسبة لأنشيلوتي فمن الأفضل له أن يعمل وكأنه لم يتلقَ عرضاً من البرازيل، كما يتعين على البرازيل أن تتصرف بنفس المنطق وكأنها لا تنتظر المدير الفني الإيطالي. ويصرّ دينيز على أنه سيعمل «بحرية كاملة». لقد طُلب من أنشيلوتي أن يرشح شخصاً يثق به لكي يكون موجوداً في الجهاز الفني لمنتخب البرازيل خلال العام المقبل، لكنه رفض ذلك. كاكا موجود على أي حال، ويجب أن يكون تركيز أنشيلوتي على ريال مدريد حتى انتهاء عقده.
لا يجب تشتيت الانتباه، وربما الأهم من ذلك ألا يبدو أنشيلوتي مشتتاً، لأن هذا الانطباع مهم جداً خلال ما تبقى من مسيرته مع ريال مدريد. لا يزال أنشيلوتي محتفظاً بهدوئه ورباطة جأشه، وهو الأمر الذي يميزه دائماً ويعد إحدى نقاط قوته العظيمة. لكن من المؤكد أنه في حال تعرض ريال مدريد لأي خسارة فسيتم اتهامه على الفور بأنه ليس في كامل تركيزه وأنه يفكر في مشواره المقبل مع منتخب البرازيل. ومن المؤكد أن هذه الخسارة ستكون لها عواقب أيضاً.
لكن السؤال الذي يجب طرحه الآن هو؛ هل من الممكن أن يتعرض أنشيلوتي للإقالة؟ وما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لقد تعرض أنشيلوتي للإقالة في الأندية التي عمل فيها سابقاً، ولم يكن ينتظره آنذاك منتخب البرازيل! لقد أقيل من قبل من تدريب كل من بارما وبايرن ميونيخ ونابولي، كما أقاله يوفنتوس في منتصف الموسم رغم أن الفريق كان لا يزال ينافس على لقب الدوري، وأقاله تشيلسي في غضون عام واحد فقط من الفوز بالثنائية. أما ريال مدريد، فقد أقاله بعد أقل من 12 شهراً من فوزه بدوري أبطال أوروبا للمرة العاشرة، لكنه عاد بعد 6 سنوات وفاز بالبطولة الأقوى في القارة العجوز مرة أخرى. لقد كان أنشيلوتي يعلم جيداً أنه كان من الممكن أن يتعرض للإقالة الموسم الماضي، رغم الحصول على كأس ملك إسبانيا، وهو ما يعني أن النادي قد حصل على كل البطولات الممكنة خلال 14 شهراً. لو فعل ريال مدريد ذلك آنذاك وأقال مديره الفني، كان سيتم الإعلان عن تولي أنشيلوتي قيادة البرازيل بشكل رسمي، لكن ذلك لم يحدث!

وفي الوقت الذي يحيط فيه الغموض مستقبل المدير الفني الإيطالي، انتقد الرئيس البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا مؤخراً اختيار أنشيلوتي لتدريب المنتخب البرازيلي. وقال الرئيس البرازيلي: «أحب أنشيلوتي، لكنه لم يدرب المنتخب الإيطالي. لو كان يود حل مشكلة المنتخب البرازيلي، فلماذا لم يحل مشكلة المنتخب الإيطالي الذي لم يتأهل إلى كأس العالم الماضية». وقال الرئيس البرازيلي إنه يؤيد المدرب فيرناندز دينيز، الذي سيواصل قيادة فريق فلومينينسي، في الوقت الذي يتولى فيه مسؤولية المنتخب بشكل مؤقت. وأضاف لولا دا سيلفا: «أنا مشجع لدينيز، أحب ابتكاره وشخصيته. هي فرصة جيدة بالنسبة له وأتوقع أن يستغلها». وتابع: «دينيز يسيطر على غرفة الملابس. وفي كرة القدم، يجب أن يسيطر المدرب على الفريق ليقدم عملاً جيداً». وقال الرئيس البرازيلي إن كرة القدم في بلاده تعاني من تراجع جودة اللاعبين في الأعوام الأخيرة. وأوضح: «المشكلة ليست في دينيز، وإنما المشكلة تتمثل في أننا ليس لدينا لاعبون بالجودة التي كنا نحظى بها في فترات أخرى. اللاعبون يتركون بلادنا في عمر الـ16 أو 17 عاماً ويعودون في عمر الـ36».
* خدمة «الغارديان»
