جاءت اللحظة التي لم يكن يتمناها أبداً جمهور وعشاق كريستال بالاس، وهي رحيل ويلفريد زاها. ونشر النجم الإيفواري رسالة مؤثرة على موقع «إنستغرام» ليعلن أخيراً عن نهاية رحلته التي بدأت عندما انضم إلى فريق شباب كريستال بالاس قبل أكثر من 20 عاماً. وكتب زاها: «كنت أرتدي قميص كريستال بالاس منذ أن كنت في الثامنة من عمري، وكان هذا القميص بمثابة طبقة ثانية من جلدي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكنت دائماً أبذل قصارى جهدي وأنا أرتديه. لقد نشأت على بُعد طريقين فقط عن الأضواء الساطعة والحشود الصاخبة في ملعب (سيلهيرست بارك)، ولم تكن لديَّ أدنى فكرة عن أنني سأكون يوماً ما في قلب هذا الملعب، وأخوض هذه الرحلة المذهلة مع هذا النادي الرائع».
وبعد شهور من التكهنات حول مستقبله، جاء انتقال زاها إلى غلطة سراي التركي بمثابة مفاجأة لمعظم الناس. لكن مع استعداد الفريق التركي لبدء مشواره في دوري أبطال أوروبا أمام فريق زالغيريس الليتواني في الجولة الثانية من التصفيات، رأى المهاجم الإيفواري أن الانتقال إلى إسطنبول هو أفضل خيار له من أجل اللعب في البطولة الأقوى في القارة العجوز بعد تسع سنوات قضاها في مساعدة نادي طفولته على البقاء في الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويتمنى جمهور كريستال بالاس التوفيق لزاها في رحلته الجديدة بعد أن بذل قصارى جهده وقدم مستويات استثنائية مع ناديه الإنجليزي. وُلد زاها في أبيدجان لكنه نشأ في جنوب العاصمة البريطانية لندن، وكان عمره 17 عاماً عندما لعب أول مباراة مع الفريق الأول لكريستال بالاس كبديل أمام كارديف سيتي في مارس (آذار) 2010. ونجا كريستال بالاس من الهبوط إلى دوري الدرجة الأولى في اليوم الأخير من ذلك الموسم، وكان على بُعد دقائق فقط من إعلان إفلاسه وتصفيته عندما تدخل تحالف بقيادة الرئيس الحالي للنادي، ستيف باريش، في الشهر التالي، لذلك كان المشجعون بحاجة ماسة إلى بطل محلي جديد.
وأثبت زاها أنه هو البطل والمخلّص الجديد، حيث سجل أول أهدافه البالغ عددها 90 هدفاً مع كريستال بالاس في أول مشاركة كاملة له مع الفريق أمام ليستر سيتي، وقاد النادي في النهاية للعودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز للمرة الأولى منذ ثماني سنوات في عام 2013. بحلول ذلك الوقت، كان زاها يلعب لكريستال بالاس على سبيل الإعارة من مانشستر يونايتد بعد أن أصبح آخر صفقة يعقدها السير أليكس فيرغسون مقابل مبلغ أوّلي قدره 10 ملايين جنيه إسترليني قبل بضعة أشهر، ولعب مباراتين دوليتين مع المنتخب الإنجليزي تحت قيادة روي هودجسون، لكنهما كانتا مباراتين وديتين.
فشل زاها في حجز مكان في التشكيلة الأساسية لمانشستر يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز تحت قيادة ديفيد مويز، وفتح له كريستال بالاس أبوابه مرة أخرى بترحاب شديد في أغسطس (آب) 2014 وحصل على خدماته في البداية على سبيل الإعارة، قبل أن ينتقل بشكل دائم بعد بضعة أشهر، واستمر مع الفريق حتى لعب ما يقرب من 300 مرة أخرى ليرتفع العدد الإجمالي للمباريات التي لعبها بقميص كريستال بالاس إلى 458 مباراة. وبينما كان المديرون الفنيون يأتون ويرحلون عن النادي الذي استمر في الدوري الإنجليزي الممتاز لسنوات طويلة على خلاف ما كان يحدث معه في السابق، كان زاها –الذي قرر تمثيل منتخب ساحل العاج في عام 2016 بعدما لم يمنحه هودجسون فرصاً أخرى وتجاهله غاريث ساوثغيت- القوة الدافعة وراء أكثر فترات النجاح استدامة في تاريخ النادي.

وعلى الرغم من تعرض زاها لكثير من الإصابات العضلية التي جعلته لا يشارك إلا في 28 مباراة فقط وأجبرته على الغياب عن باقي مباريات فريقه في نهاية الموسم الماضي، فإنه سيكون من الصعب للغاية تعويضه -وليس فقط فيما يتعلق بتسجيل الأهداف. في الحقيقة، سيترك رحيل اللاعب البالغ من العمر 30 عاماً فراغاً هائلاً يجب على كريستال بالاس التحرك بسرعة وحكمة لملئه، خصوصاً في ظل رغبة أندية أخرى في التعاقد مع أبرز نجوم الفريق. وجذب خليفة زاها الطبيعي في كريستال بالاس، مايكل أوليس، أنظار مسؤولي تشيلسي ومانشستر سيتي، على الرغم من عدم مشاركته في المباريات في بداية الموسم بسبب إصابته في أوتار الركبة، ولم يوافق إيبيريشي إيزي بعد على تمديد تعاقده بعد أن لعب أول مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي في يونيو (حزيران) الماضي.
ومن الممكن أن تصل عروض جدية للمدافعين يواكيم أندرسن ومارك غويهي أيضاً خلال الأيام المقبلة، في الوقت الذي يتعرض فيه باريش لضغوط كبيرة للإنفاق وتدعيم صفوف الفريق بقوة بينما يحاول تمويل بناء مدرج رئيسي جديد. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قدم كريستال بالاس عرضاً جديداً لزاها يحصل بمقتضاه النجم الإيفواري على راتب أسبوعي قيمته 200 ألف جنيه إسترليني لمدة أربع سنوات، وهو ما كان يعني بقاء اللاعب في ملعب «سيلهرست بارك» حتى أشهر قليلة من عيد ميلاده الخامس والثلاثين. ومن المفهوم أن المزيد من المحادثات قد عُقدت خلال الأيام الأخيرة بعد أن أكمل اللاعب تعافيه من الإصابة التي لحقت به في أوتار الركبة خلال التدريبات، على الرغم من انتهاء عقده في نهاية يونيو (حزيران).
لكنَّ زاها رأى أن الوقت قد حان لخوض تحدٍّ جديد، خصوصاً في ظل التصميم الكبير من جانب غلطة سراي على ضمه رغم المنافسة الشديدة من غريمه التقليدي فنربخشة. وكان زاها قد رفض أيضاً عرضاً من النصر السعودي بمقابل مادي أكبر بكثير مما عرضه عليه بالاس، في حين أن اهتمام باريس سان جيرمان والأندية الأوروبية الكبرى الأخرى لم يرتقِ أبداً إلى أي شيء ملموس.
وعلى الرغم من أن زاها وجّه الشكر إلى باريش في رسالة الوداع التي وجهها إلى جماهير كريستال بالاس، فإنه من المفهوم أن اللاعب يشعر بانزعاج شديد بشأن تعامل رئيس النادي مع العروض التي حصل عليها اللاعب في فترات انتقالات سابقة ورفضه لتلك العروض على عكس رغبة اللاعب، بما في ذلك عروض مهمة من آرسنال وإيفرتون. وكان بعض أعضاء مجلس إدارة كريستال بالاس يعتقدون أنه كان من الأفضل بيع زاها والحصول على الكثير من الأموال، لكنّ باريش كان يشعر بأنه يجب عدم التخلي عن خدمات النجم الإيفواري مهما كانت الإغراءات.
وكُشف عن لوحة جدارية لأكثر احتفالات زاها شهرة -بما في ذلك الانتصار المثير في الدور نصف النهائي لتصفيات الصعود على منافسه اللدود برايتون عندما سجل زاها هدفين على ملعب أميكس- في نهاية الموسم الماضي خارج ملعب «سيلهرست بارك»، على بُعد مسافة قريبة للغاية من منزل طفولته في شارع روثساي. ومن المؤكد أن رؤية هذه اللوحة الجدارية ستكون مؤثرة للغاية لكل مشجعي كريستال بالاس قبل المباراة الأولى للفريق في الموسم الجديد ضد آرسنال الشهر المقبل، من دون النجم الإيفواري!
