في لحظة معينة خلال المؤتمر الصحافي لتقديم جود بيلينغهام في ريال مدريد -بعد وقت قصير من وقوفه وإدلائه بكلماته المختصرة الأولى باللغة الإسبانية- أظهرت الكاميرات وجه والده، مارك بيلينغهام، والدموع تكاد تنهمر من عينيه. ومع ذلك، لم يكن ابنه متأكداً مما إذا كان والده على وشك البكاء أم لا. وقال اللاعب البالغ من العمر 19 عاماً والابتسامة على وجهه: «لا أعرف ما إذا كان الأمر مجرد عرق أم لا: إنه لا يبكي كثيراً. سأضطر إلى مشاهدة هذه اللقطة عن كثب، وربما أمازحه بشأن هذا الأمر».
وإذا أعاد بيلينغهام مشاهدة المؤتمر الصحافي لتقديمه، مرة أخرى، فسوف يدرك أن أداءه كان أكثر من رائع ولا تشوبه شائبة؛ حيث نجح في إحداث تأثير فوري على الجميع في مدريد. وإذا كان والده يبكي حقاً، فما المشكلة في ذلك؟ إنه يرى نجله في النادي الملكي وهو يرتدي القميص رقم 5 الذي كان يرتديه يوماً ما الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان، ويستمتع بما وصفه بأنه أهم يوم في حياته. وقال بيلينغهام: «هذا يعني الكثير بالنسبة لأسرتي؛ لأنه يعني الكثير بالنسبة لي».
لقد رأى الوالدان، دينيس ومارك، أن هذه الخطوة هي تتويج لجهودهما، كما كانت تتويجاً أيضاً لجهود نجلهما. وكشف بيلينغهام أنه كانت هناك أيضاً مناقشات مع زملائه في المنتخب الإنجليزي الذين كانوا يحاولون إقناعه باللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، كما كانت هناك مناقشات مع المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت، ومع المدير الفني لريال مدريد كارلو أنشيلوتي، ومناقشات مع النجم الفرنسي زين الدين زيدان.
لقد بدأ كل شيء منذ 15 شهراً، ويقول بيلينغهام عن ذلك: «كنت دائماً أعلم أن هناك اهتماماً بي من جانب الأندية الإنجليزية، وكان ذلك طبيعياً جداً؛ لكن الأمر كان مفاجئاً بعض الشيء عندما جلست مع والدي وأخبرني باهتمام ريال مدريد بالتعاقد معي. لقد شعرت بالقشعريرة وكاد قلبي أن يتوقف. إنه شيء لم أكن أتوقعه، ولم أكن أتوقع أن أكون قادراً على اللعب لفريق مثل هذا. لذلك عندما أصبح الأمر حقيقياً على أرض الواقع، انتابني شعور رائع».
وعندما سُئل بيلينغهام عما هو أكثر شيء جعله يشعر بالدهشة في اليوم الأول له في مدريد، رد قائلاً: «الغرفة التي وقعت فيها على عقود انضمامي كانت تضم 14 كأساً أوروبياً. لقد كانت هذه الكؤوس تبدو وكأنها تحدق بي، وكنت أتشوق لوضع يدي على أي منها».

وأضاف: «كانت أندية عديدة مهتمة بالتعاقد معي؛ لكنني لم أفكر في الأموال أبداً، ولن أفكر فيها. إنني ألعب كرة القدم من أجل المتعة، ولأنني أحب هذه اللعبة. لقد أحببت ذلك الشعور بالحب من هذا النادي، وأخبرت مسؤوليه على الفور أنني موافق على الانضمام، وكنت أريد أن يحدث ذلك بسرعة. لا يعني الأمر أن الفِرَق الأخرى سيئة؛ لكن ريال مدريد هو النادي الأعظم. لقد نشأت وأنا أشاهد مبارياته، وهذا هو ما جذبني إلى هذا النادي الذي يملك تاريخاً عريقاً، وأود أن أكون لاعباً في صفوفه، وأن أضيف لهذا التاريخ. عندما عرضوا عليَّ رؤيتهم وخطتهم لمستقبل النادي، كنت أود على الفور أن أكون جزءاً من هذا الفريق. لا يقتصر الأمر على حقيقة أنه ريال مدريد -على الرغم من أن هذا كافٍ بالطبع– لكن الأمر يتعلق أيضاً بالأفكار التي لديهم، والاحترام الذي تعاملوا به مع عائلتي. لقد كان الأمر سلساً ومثيراً للغاية».
ويضيف: «عندما كنت مع المنتخب الإنجليزي في كأس العالم، كان الأمر صعباً؛ حيث كان جميع اللاعبين يريدون مني أن أعود إلى إنجلترا وأن ألعب في صفوف فريقهم؛ لكنني أحب فكرة الخروج من منطقة الراحة الخاصة بي. ربما كان من الأسهل العودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز؛ لكنني لم أستطع رفض ريال مدريد. من الصعب للغاية وصف اللحظة التي حدث فيها ذلك؛ لكن عندما اجتمعوا معي وجاءوا إلى منزلي وأقنعوني برؤيتهم وأفكارهم، لم أتردد في قبول العرض. كانت المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا التي فاز فيها ريال مدريد على ليفربول عام 2022 لها دور هائل في قراري؛ لكن هناك الكثير من الأشياء الأخرى التي ساهمت في اتخاذي لهذا القرار».
في ذلك اليوم في العاصمة الفرنسية باريس، تحدث بيلينغهام إلى زين الدين زيدان الذي سيرتدي النجم الإنجليزي الشاب القميص الذي كان يرتديه يوماً ما مع ريال مدريد. لكن هذا القميص كان يرتديه جيسوس فاليخو في الآونة الأخيرة، لذلك وجه بيلينغهام الشكر لفاليخو في المؤتمر الصحافي، في إشارة تعكس ذكاء النجم الإنجليزي الشاب في التعامل. وقال بيلينغهام: «لقد اتصلت به لمعرفة ما إذا كان ذلك ممكناً أم لا، وكان لطيفاً جداً بشأن ذلك. أشعر بأنني ما زلت أرتدي القميص رقم 22، حتى وإن كان رقم 5 مكتوب على ظهر القميص الذي أرتديه. سنرى في المستقبل ما هو الرقم الذي سأرتديه. لقد وجهت سؤالاً صغيراً لزيدان في المباراة النهائية، ولا أرغب في توضيح الأمر أكثر من اللازم. ولو كان قد سمح لي بالحديث كثيراً، فإنني لم أكن لأتوقف عن الكلام معه. إنه لشرف كبير لي أن أرتدي رقم القميص الذي كان يرتديه».
لكن من المؤكد أن هذا الأمر سيضع كثيراً من الضغوط على بيلينغهام الذي يقول عن ذلك: «أعلم أنه مطلوب مني أن أقدم الكثير؛ لكنني أعتقد أنها مسؤولية رائعة، وسأعمل جاهداً على أن أكون على قدر هذه المسؤولية. عندما تلعب في بيئة احترافية مع رجال بالغين منذ أن كنت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرك، فإن هذا يجعلك تتعلم وتتطور بشكل أسرع».
لقد كان بيلينغهام يتحدث بثقة كبيرة للغاية، وكانت ردود أفعاله وإجاباته مثالية. إضافةً إلى ذلك، كان هناك حماس كبير، بالشكل الذي يجعلك تشعر وكأنه يستمتع بهذه المغامرة، ولا يشعر بالقلق أو الخوف منها. وقد تكون هذه الخطوة مفيدة أيضاً على المستوى الدولي؛ حيث يشير بيلينغهام إلى أنه سوف يمنح المنتخب الإنجليزي «ثقافة كروية مختلفة، وأسلوباً مختلفاً»، بينما يمكن لزملائه إضافة «ثقافة الدوري الإنجليزي الممتاز». فهل هذا يناسب ساوثغيت؟ يقول بيلينغهام: «لقد تحدثت إلى غاريث مؤخراً، وكان دائماً داعماً لي بقوة. لقد أرسل لي رسالة صباح هذا اليوم يتمنى لي من خلالها التوفيق».
ويضيف: «كان هناك بعض التواصل مع أنشيلوتي، وهو مدير فني رائع، ويمتلك سيرة ذاتية استثنائية وتاريخاً حافلاً يتحدث عن نفسه. إنها فرصة رائعة أن ألعب تحت قيادة أحد أعظم المديرين الفنيين، وأنا أتطلع إلى هذه الفرصة كثيراً. أنا لاعب خط وسط ويمكنني أن أفعل كل شيء يطلبه مني المدير الفني. سأفعل أي شيء يصب في مصلحة الفريق وبكل هدوء. اللعب بجوار لوكا مودريتش وتوني كروس لا يقدر بثمن، بسبب خبراتهما الهائلة والطريقة التي يلعبان بها. سأحاول أن أتعلم كل شيء منهما، وهو الأمر الذي قد يجعلهما يشعران بالضيق مني في الأسبوع الأول لي في النادي».
وعندما سُئل بيلينغهام عن احتمال انضمام هاري كين وكيليان مبابي لريال مدريد، لم يجب بشكل مباشر وقال: «هذا ليس من شأني». ووصف هاري كين بأنه «لاعب من طراز عالمي، وقائدي في المنتخب الإنجليزي؛ وأحبه لاعباً وشخصاً»، قبل أن يرد على السؤال المتعلق بمدى رغبته في اللعب إلى جانب مبابي قائلاً: «ومن لا يريد أن يلعب بجانبه؟».
وأشار بيلينغهام إلى أنه لا يعرف المبلغ الدقيق لصفقة انتقاله إلى ريال مدريد؛ مشيراً إلى أنه لا يهتم كثيراً بذلك، وقال: «أنا لاعب كرة قدم، ولست محامياً أو محاسباً، ومهمتي هي اللعب بشكل جيد داخل الملعب».
أما بالنسبة لارتدائه القميص رقم 5 الذي كان يرتديه زيدان من قبل، فقال: «قميص ريال مدريد في حد ذاته يمثل مسؤولية كبيرة على أي لاعب. ربما يرى البعض أن ارتداء القميص رقم 5 يضع ضغوطاً كبيرة عليَّ؛ لكنه بالنسبة لي مجرد تكريم».
* خدمة «الغارديان»
