ليست كل التعديلات التكتيكية ناتجة عن المبالغة في التفكير. ودائماً ما كان المدير الفني الإسباني جوسيب غوارديولا يتعرض للانتقادات إذا قام بإجراء بعض التغييرات في التشكيلة الأساسية ولم يحقق فريقه الفوز، لكن هذه المرة آتت التغييرات ثمارها وقاد غوارديولا مانشستر سيتي إلى الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخ النادي الإنجليزي وللمرة الثالثة في تاريخه هو الشخصي. وحتى منتصف فبراير (شباط) الماضي، لم يكن مانشستر سيتي، وفقاً لمعاييره الاستثنائية، يقدم موسماً رائعاً، وكان هناك كثير من الأسئلة - أسئلة منطقية تماماً آنذاك – بشأن ما فعله المهاجم النرويجي إيرلينغ هالاند بتوازن الفريق. فعندما لا يشارك اللاعب نفسه في أحداث المباراة بشكل كبير، وعندما يلمس الكرة ما يتراوح بين 20 و30 مرة فقط خلال المباراة، فكيف يمكنه المساهمة في عملية الاستحواذ على الكرة والتي تعد أولوية بالنسبة إلى الطريقة التي يلعب بها غوارديولا دائماً؟ ومع ذلك، من الواضح أن هالاند مهاجم من الطراز الرفيع ويمثل تهديداً هائلاً على مرمى الخصوم، خصوصاً في الهجمات المرتدة السريعة.
ولكي يتمكن مانشستر سيتي من استيعاب هالاند، كان يتعين على غوارديولا الاستعانة بلاعب خط وسط آخر، وقد وجد المدير الفني الإسباني ضالته في جون ستونز، الذي جرى تغيير مركزه في البداية من ظهير إلى جناح يميل إلى الدخول إلى عمق الملعب. لكن هذا الأمر يخلق مشكلات دفاعية كبيرة ضد الأجنحة القوية ويتطلب كثيراً من التعديلات في صفوف الفريق. إنها استراتيجية محفوفة بالمخاطر - على الرغم من أن غوارديولا كان يفعل ذلك في بعض الأحيان مع فيليب لام وديفيد ألابا في بايرن ميونيخ، ومع جواو كانسيلو في مانشستر سيتي. ووجد غوارديولا أن الخيار الأكثر أماناً هو الدفع بستونز في مركز قلب الدفاع على أن يتقدم عند استحواذ فريقه على الكرة للعب في خط الوسط إلى جانب رودري.
لكن إنتر ميلان يلعب باثنين من المهاجمين. وبالتالي، لو كان ستونز تقدم للأمام في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، فإن ذلك كان يعني ترك روبن دياز بمفرده للتعامل مع كل من لاوتارو مارتينيز وإدين دزيكو. لذلك، كان الحل هو إعادة ستونز إلى مركز الظهير حيث يمكنه التقدم والدخول إلى عمق الملعب، وهو ما كان يعني غياب كايل ووكر ومشاركة ناثان آكي بدلاً منه، على أن يتحول مانويل أكانجي من ظهير أيسر للعب إلى جانب دياز قلب دفاع ناحية اليمين. كانت هناك لحظة خادعة بعد نحو 12 دقيقة من المباراة عندما اخترق نيكولو باريلا دفاعات مانشستر سيتي، لكن فيديريكو ديماركو لم يتمكن من التقدم بسرعة كافية من مركز الظهير الأيسر لاستغلال المساحة التي فُتحت في الجهة اليمنى لمانشستر سيتي. لكن هذه كانت المخاطرة المحسوبة التي اتخذها مانشستر سيتي. لم يكن ديماركو قادراً على التقدم كثيراً للأمام خوفاً من ترك برناردو سيلفا دون رقابة، وهذا بدوره أعطى ستونز حرية أكبر في التحرك.
وعندما كان مانشستر سيتي يستحوذ على الكرة، كانت الخطة المرسومة تسير بشكل جيد وكما ينبغي. وكان ستونز، بكل تأكيد، يستمتع بالحرية التي حصل عليها. وفي إحدى المرات وجد نفسه في مركز الجناح الأيسر، ولعب تمريرة إلى عمق الملعب، قبل أن يتحول إلى الجهة المقابلة من الملعب ليجد نفسه في مركز الجناح الأيمن. وفي وقت مبكر من الشوط الثاني، وجد ستونز مساحة خالية في منتصف ملعب إنتر ميلان، واندفع للأمام ومر من باريلا وكان يستعد للتسديد، لكن دفاع إنتر ميلان أغلق زاوية التسديد أمامه وأجبره على التمرير. وتشير الأرقام والإحصاءات إلى أن ستونز كان صاحب أكبر عدد من المراوغات الناجحة في نهائي دوري أبطال أوروبا منذ النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي في عام 2015.
لقد أصبح لقب «بيكنباور بارنسلي» أكثر ملاءمة لستونز من أي وقت مضى، بعدما أثبت صحة وجهة نظر جاك تشارلتون الذي قال في عام 1994 إن الظهير من الناحية التكتيكية هو أهم لاعب على أرض الملعب، وهو اللاعب الذي يتمتع بحرية تغيير شكل المباراة ككل. وفي هذه المباراة النهائية الصعبة للغاية، خصوصاً بعد خروج كيفن دي بروين مصاباً، قدم ستونز أداءً استثنائياً. ربما لم يكن من قبيل الصدفة أن الفرصة الخطرة التي أضاعها روميلو لوكاكو في وقت متأخر من المباراة والرأسية الخطيرة لروبن جوسينز التي تصدى لها إيدرسون جاءتا بعد خروج ستونز من الملعب.
ونظراً إلى أن الأمور كانت تسير على ما يرام تماماً مع مانشستر سيتي في هذه الليلة الأوروبية، فقد كان أكانجي، وهو لاعب مهم للغاية ولا يحظى مطلقاً بالإشادة التي يستحقها، هو الذي بدأ الهجمة التي جاء منها هدف الفوز لمانشستر سيتي عندما مرر كرة بينية رائعة إلى برناردو سيلفا وهو ينطلق بسرعة من الجهة اليمنى لقلب الدفاع، وهو المركز الذي كان يشغله ستونز في العادة. في بعض الأحيان، يُبرز القدر أهمية التغيير التكتيكي الذي يجريه المدير الفني، وهو ما حدث في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا فيما يتعلق بتغيير غوارديولا مركز ستونز.

وفور إطلاق صافرة النهاية وبدء احتفالات جماهير مانشستر سيتي بهذا اللقب الغالي، كان من المعبر تماماً أن نرى غوارديولا وهو يسير مع ستونز ويضع ذراعه حول عنقه، في إشارة واضحة إلى إعجاب المدير الفني الإسباني بما يقدمه هذا اللاعب داخل المستطيل الأخضر. من المنطقي تماماً أن نشير إلى أن غوارديولا لم يعمل إلا مع الأندية العملاقة وأن الطريقة التي يلعب بها تعتمد على وجود لاعبين من الطراز العالمي، لكن من الواضح أيضاً أنه يساعد اللاعبين على تطوير وتحسين مستواهم بشكل مستمر.
لقد كان ستونز من أولى الصفقات التي عقدها غوارديولا عند توليه قيادة مانشستر سيتي، وعلى مدار فترة طويلة لم يكن المدافع الإنجليزي الدولي يلعب بشكل أساسي أو يشعر بالاستقرار. وقبل كل شيء، كان ستونز مختلفا تماماً عن نوعية اللاعبين الإنجليز الآخرين، فهو قلب دفاع يجيد التمرير وبناء الهجمات من الخلف، وهو الأمر الذي نادراً ما تجده في مدافع إنجليزي! لكن حتى غوارديولا، الذي دائماً ما يفضل الاعتماد على المدافعين الذين يجيدون التمرير، بدا أنه فقد الثقة بستونز في بعض الأحيان، والدليل على ذلك أن ستونز لم يشارك في التشكيلة الأساسية لمانشستر سيتي في الدوري الإنجليزي الممتاز سوى 12 مرة في موسمي 2019 - 2020 و2021 - 2022. وعلاوة على ذلك، لم يكن ستونز لاعباً أساسياً في صفوف الفريق في بداية هذا الموسم، لكن بعد بيع كانسيلو كان الأمر يتطلب الاعتماد على مدافع آخر لتقديم المساعدة اللازمة في خط الوسط، وهو الأمر الذي ساهم في تألق ستونز.
يبلغ ستونز من العمر 29 عاماً الآن، وبدأ أخيراً تقديم المستويات المتوقعة منه، ليس فقط بصفته مدافعاً مفيداً للفريق، ولكن أيضاً بصفته صانع ألعاب من عمق الملعب يجيد أيضاً ألعاب الهواء. من الواضح أن بعض التعديلات والتغييرات التكتيكية ليست مبالغة في التفكير كما يتهم كثيرون غوارديولا. وفي بعض الأحيان تكون هذه التغييرات التكتيكية ضرورية ومهمة للغاية، وفي بعض الأحيان تؤتي ثمارها تماماً، كما حدث مع ستونز!
*خدمة «الغارديان»


