في إحدى ليالي شهر مايو (أيار) 2009، جلس فرنك فارينا، المدير الفني لنادي بريسبان رور الأسترالي، لكي يلعب الطاولة مع أفراد عائلته ويحتسي الخمر. وعندما استقل سيارته في صباح اليوم التالي، كان لا يزال مخموراً فوق الحد المسموح به، ليتم إيقافه من قبل الشرطة، ثم تعرض للإقالة من منصبه بنادي بريسبان ليتم التعاقد مع أنغي بوستيكوغلو الذي بات اكتشاف الكرة الأسترالية ليفتح له توتنهام أبواب دخول عالم الشهرة في الدوري الإنجليزي الممتاز.

وعلى الرغم من أن بوستيكوغلو حقق نجاحاً كبيراً في أستراليا مع نادي «ساوث ملبورن»، فإنه انحرف عن مسار التدريب في المستويات العالية بعدما دخل في خلاف مع المحلل التلفزيوني كريغ فوستر عندما كان مديراً فنياً لمنتخب أستراليا تحت 20 عاماً، وهو الأمر الذي جعله يشعر بالقلق من إمكانية أن يبقى «عاطلاً عن العمل». كادت مسيرة بوستيكوغلو تتعطل عندما استقال من منصبه كمدير فني لنادي باناتشايكي، الذي يلعب بدوري الدرجة الثالثة باليونان، بعد خلاف مع مُلاك النادي، ليعود ليُدرب فريق ويتلسي زيبراس للهواة في ملبورن بجانب عمله كمحلل تلفزيوني، لكن منذ ذلك الحين، حقق نجاحات كبيرة في مسيرته التدريبية؛ إذ فاز بلقب الدوري المحلي مرتين مع نادي بريسبان رور، وكأس آسيا مع منتخب أستراليا في عام 2015، ولقب الدوري الياباني الممتاز مع نادي يوكوهاما في عام 2019، بالإضافة إلى خمسة ألقاب، من أصل ست بطولات نافس عليها، مع نادي سلتيك الأسكوتلندي.
عند الإعلان عن توليه قيادة أي فريق خلال تجاربه السابقة، كانت جماهير النادي الجديد تشكك في قدراته وإمكاناته من خلال القول إنه كان يعمل في دوري للهواة، وإنه كان يدرب فقط في أستراليا، ولم يعمل من قبل في أوروبا، لكنه رد على كل المشككين ونجح في كل التجارب التي خاضها. وأثيرت نفس الشكوك أيضاً عندما تم الإعلان عن توليه القيادة الفنية لتوتنهام، وتم طرح أسئلة من قبيل: ما الذي يعرفه هذا المدير الفني الأسترالي؟ وهل تعد البطولات التي حصل عليها في أسكوتلندا مقياساً حقيقياً للحكم عليه؟
في الحقيقة، تُعد هذه الشكوك منطقية ومبررة إلى حد ما، وخاصة أن هذا المدير الفني سيعمل في بيئة جديدة مع لاعبين من طراز رفيع وسيواجه خصوماً من مستويات أعلى بكثير مما واجهه في تجاربه ووظائفه السابقة. لا يمكن لأي شخص أن يجزم بما سيحققه هذا المدير الفني الأسترالي في إنجلترا، لكن كرة القدم الحديثة «طبقية للغاية»، وهذا الأمر ينطبق على أي مدير فني قادم إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، سواء جاء من أسكوتلندا أو ألمانيا أو دوري الدرجة الأولى في إنجلترا.
ويجب أن نؤكد هنا على أن جميع القرارات المتعلقة بتعيين أي مدير فني جديد دائماً ما تحمل قدراً كبيراً من المغامرة، فكل ما يمكن للنادي أن يفعله هو أن ينظر فيما إذا كان المدير الفني الجديد يبدو مناسباً أم لا، سواء من حيث تاريخه السابق أو من حيث صفاته الشخصية. وعلى عكس الحال مع المدير الفني الإيطالي أنطونيو كونتي أو البرتغالي جوزيه مورينيو، فإن هذه الوظيفة هي الأكبر والأبرز في مسيرة بوستيكوغلو التدريبية، وبالتالي لن يكون هناك أي شعور بأنه يُسدي معروفاً للنادي من خلال العمل معه، كما كان الحال مع كونتي أخيراً، بل على العكس تماماً سيشعر بأن هذه فرصة استثنائية بالنسبة له ويتعين عليه أن يبذل قصارى جهده لتحقيق النجاح!
ولا يجب الاستهانة بهذا الأمر على الإطلاق. فعندما بدأت الأمور تسوء، ألقى بعض المديرين الفنيين السابقين باللوم على النادي واتهموه بأنه غير مؤهل لتحقيق النجاح المأمول، مدركين أن اسمهم الكبير في عالم التدريب لن يتأثر في حال الفشل مع نادٍ معروف بتقديمه لمستويات ضعيفة على مدى سنوات طويلة، لكن لا يمكن لبوستيكوغلو أن يتصرف بنفس الطريقة؛ لأنه يعرف جيداً أن هذه قد تكون تجربته الأولى والأخيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز في حال عدم نجاحه.
لقد اعتاد بوستيكوغلو على تحقيق النجاح مع الأندية التي كانت تعاني من مشكلات وصعوبات منذ فترات طويلة؛ إذ قاد بريسبان رور للفوز ببطولة الدوري للمرة الأولى في تاريخه، وقاد يوكوهاما مارينوس للفوز بلقب الدوري الياباني الممتاز لأول مرة منذ 15 عاماً، وأعاد درع الدوري الأسكوتلندي إلى سلتيك بعدما كان النادي قد استسلم تماماً لهيمنة رينجرز على الساحة المحلية.
ولن يشعر بالدهشة عندما يعلم أن توتنهام كان يسعى للتعاقد مع الإسباني لويس إنريكي، والألماني يوليان ناغلسمان، والهولندي آرنه سلوت، فضلاً عن التقارير التي كانت تشير إلى وجود قائمة تضم نحو 12 مديراً فنياً مرشحاً لتولي قيادة السبيرز: بوستيكوغلو تولى قيادة سلتيك بعدما ظل النادي يطارد إيدي هاو لفترة طويلة! يعرف بوستيكوغلو بشخصيته القوية، وهو الأمر الذي سيكون مهماً للغاية في توتنهام؛ نظراً لأن غرفة الملابس بهذا النادي كانت السبب، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو غير مباشر، في رحيل كل من الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو، والبرتغالي جوزيه مورينيو، ومواطنه نونو إسبرتو سانتو، وأخيراً الإيطالي أنطونيو كونتي خلال السنوات الأربع الماضية!
هذه هي كرة القدم الحديثة التي يتمتع فيها اللاعبون دائماً بالقوة، وكما أشار كونتي في حديثه الصاخب بعد مباراة ساوثهامبتون، فإن المديرين الفنيين هم من يدفعون الثمن دائماً، وخاصة في نادٍ مثل توتنهام، لكن حتى لو لم تكن غرفة خلع الملابس في توتنهام تعاني من مشكلات، وحتى لو كانت هناك مبررات محددة لرحيل المديرين الفنيين الأربعة السابقين، فمن الطبيعي أن تكون هناك شكوك حول قدرة بوستيكوغلو على العمل مع مستويات أعلى من اللاعبين، وهي نفس الشكوك التي كانت تثار في كل مرة خلال تجاربه السابقة في أستراليا واليابان وأسكوتلندا.
وعلى الرغم من امتلاك بوستيكوغلو لشخصية قوية، فإن ما حدث مع غراهام بوتر في تشيلسي يُعد بمثابة رسالة تحذيرية. كانت الإشادات تنهال على بوتر بسبب ذكائه في التعامل مع اللاعبين والمباريات خلال فترته الناجحة مع برايتون، لكن الظروف الصعبة التي عانى منها تشيلسي لم تساعده على تحقيق النجاح.
بصراحة، هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به في توتنهام بغض النظر عن المدرب الجديد. فمن أين يبدأ المدير الفني مع هذا الفريق؟ من الواضح أن بوستيكوغلو يفضل اللعب بطريقة 4-3-3، ولم يسبق له أن اعتمد على ثلاثة لاعبين في الخط الخلفي، لكن هذا الفريق قد تم بناؤه وفق متطلبات كونتي وطريقته المفضلة 3-4-2-1.
وباستثناء هاري كين، هل هناك أي لاعب آخر قد يتأثر توتنهام برحيله؟ ربما يكون رودريغو بنتانكور، الذي غاب عن الأسابيع الأخيرة المنهكة من الموسم بسبب الإصابة، وربما سون هيونغ مين، الذي يحظى بشعبية كبيرة بين الجماهير التي تأمل أن يكون الموسم الماضي مجرد فترة عابرة وليس دليلاً على تراجع مستوى اللاعب الكوري الجنوبي.
ومع ذلك، هناك نقطة تصب في صالح بوستيكوغلو، وهي أن الشعور بهذا الانهيار الشديد داخل النادي قد يجعل المدير الفني الأسترالي يحظى بثقة هائلة ودعم كبير في حال نجاحه في إحداث تطور سريع. كما يمكنه تشكيل الفريق كما يريد في ظل هذه الظروف الصعبة، لكن العقبتين الواضحتين أمام بوستيكوغلو هما مقدار الأموال التي سيوفرها رئيس النادي دانيال ليفي لتدعيم صفوف الفريق، ومستقبل النجم الأبرز هاري كين.
من المؤكد أن الخطط المدروسة جيداً مهمة للغاية في عالم كرة القدم، كما يتضح من النجاح الكبير الذي حققته أندية مثل برنتفورد وبرايتون أخيراً، لكن الظروف تتغير باستمرار ولا يوجد شيء مؤكد. صحيح أن توتنهام قد تعاقد مع مدير فني في السابعة والخمسين من عمره، لكنه في مسار تصاعدي ويبذل قصارى جهده من أجل تحقيق نجاحات جديدة. وعلى الرغم من كل الشكوك المحيطة بالمدير الفني الأسترالي، فإنه يبدو مناسباً تماماً لمتطلبات توتنهام. ومن المؤكد أنه سيكون مطالباً بتقديم كرة قدم أفضل من تلك التي كان يقدمها الفريق تحت قيادة أنطونيو كونتي.
لقد لعبت الصدفة الأولى لرجل مخمور دوراً في دخول بوستيكوغلو عالم التدريب الأسترالي، وربما يكون وصوله كرجل مجهول إلى توتنهام بوابة نجاح وحقبة جديدة للنادي اللندني.
* خدمة «الغارديان»
