فنزويلا: الاتفاق النفطي 25 عاماً وليس 100

إحجام الشركات وتهالك البنية التحتية يدفعان ترمب إلى إشراك البنتاغون

ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)
ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)
TT

فنزويلا: الاتفاق النفطي 25 عاماً وليس 100

ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)
ناقلة نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)

تواجه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة إحياء صناعة النفط الفنزويلية عقبة من داخل قطاع الطاقة الأميركي نفسه، بعدما أبدت شركات النفط الكبرى تردداً في ضخ الاستثمارات المطلوبة بالسرعة والحجم اللذين تريدهما واشنطن، في ظل المخاطر القانونية والسياسية وتدهور البنية التحتية النفطية في فنزويلا.

ودفع هذا التردد إدارة ترمب إلى تبني صيغة غير مسبوقة، تتمثل في إدخال الحكومة الأميركية نفسها إلى المشروع كمستثمر، عبر إشراك وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» في شركة خاصة ستتولى تطوير مجموعة من الحقول النفطية الفنزويلية. ووفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، جاء هذا التحرك بعد أشهر من محاولات الإدارة إقناع شركات النفط الأميركية بالعودة إلى فنزويلا، من دون تحقيق الاستجابة التي كانت واشنطن تأملها.

لكن تفاصيل جديدة كشفتها الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز في خطاب متلفز السبت أعادت رسم بعض ملامح الاتفاق، إذ أكدت أن المشروع الثنائي مع الولايات المتحدة يمتد 25 عاماً، وليس 100 عام، وأن فنزويلا ستحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها.

إحجام الشركات يفتح الباب للبنتاغون

بحسب «وول ستريت جورنال»، أمضت إدارة ترمب أشهراً في محاولة دفع شركات نفط أميركية كبرى إلى العودة إلى حقول فنزويلا، غير أن كثيراً منها بقي على الهامش بسبب المخاوف المتعلقة بأمن المنشآت، والوضع القانوني والسياسي، وتدهور البنية التحتية التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة قبل أن تتمكن البلاد من رفع إنتاجها بصورة كبيرة.

وكانت واشنطن تأمل في أن تؤدي عودة شركات النفط الكبرى إلى تسريع إعادة تشغيل القطاع الفنزويلي، لكن بطء المفاوضات دفع الإدارة إلى خيار أكثر غرابة، وهو أن تصبح الحكومة الأميركية نفسها صاحبة مصلحة في المشروع بدلاً من الاكتفاء بتوفير الضمانات ومحاولة جذب رأس المال الخاص.

وقالت الصحيفة إن مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون شارك في هيكلة الاستثمار، مع خطة لحصول الحكومة الأميركية على حصة سلبية تبلغ 35 في المائة في شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز»، التي يقودها رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكور، إلى جانب حقوق تفضيلية لشراء 20 في المائة من إنتاج الشركة بسعر التكلفة، وفق أشخاص شاركوا في المفاوضات.

وكان من المقرر استخدام أدوات مالية تعرف باسم «مذكرات الأسهم» أو penny warrants لمنح الحكومة الأميركية حصة في الشركة من دون الحاجة إلى ضخ رأسمال كبير، مستفيداً من الصلاحيات المحدودة لمكتب رأس المال الاستراتيجي في تمويل مشروعات تعتبرها واشنطن مرتبطة بالأمن القومي.

ويمثل دخول البنتاغون في مشروع نفطي تجاري توسعاً لافتاً في الدور الاقتصادي لوزارة الدفاع، التي تأسس مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لها لدعم قطاعات تعتبرها الولايات المتحدة مهمة لأمنها القومي.

منشآت في مصفاة «إل باليت» والتابعة لشركة النفط الحكومية الفنزويلية (رويترز)

65 مليار برميل و17 حقلاً

كان ترمب قد أعلن الجمعة أن الولايات المتحدة دخلت في ما وصفه بأنه «أكبر صفقة نفط في تاريخ العالم»، وقال إن واشنطن، من خلال شراكة مع القطاع الخاص، حصلت على سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا، من دون تكلفة على دافعي الضرائب الأميركيين.

وتملك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكن إنتاجها الحالي لا يعكس حجم تلك الثروة، بعد سنوات من نقص الاستثمار وسوء الإدارة والعقوبات وتدهور المنشآت.

وبموجب التفاصيل التي أعلنتها رودريغيز، يستهدف الاتفاق تطوير 17 حقلاً استراتيجياً ورفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يومياً، مشيرة إلى أن هذا الرقم يتعلق بالمشروع الثنائي بين فنزويلا والولايات المتحدة.

وقالت إن الخطة تشمل أيضاً ثمانية حقول جديدة في منطقة أورينوكو، التي تضم جزءاً مهماً من الاحتياطيات النفطية الفنزويلية.

رودريغيز: 25 عاماً لا 100

وكانت مدة الاتفاق من أبرز النقاط التي أثارت الالتباس بعد الإعلان الأميركي الأول. ففي حين تحدثت تقارير أميركية عن منح شركة خاصة حقوقاً في حقول غير مستغلة لمدة تصل إلى 100 عام، قالت رودريغيز إن المشروع الثنائي بين فنزويلا والولايات المتحدة يمتد 25 عاماً.

ويبدو أن الفارق قد يرتبط بالتمييز بين الاتفاق الحكومي الثنائي وبين الحقوق الممنوحة للشركة الخاصة التي ستتولى تطوير الحقول، مما يجعل الاطلاع على العقود والتفاصيل القانونية الكاملة ضرورياً لتحديد العلاقة بين الترتيبين.

لكن تأكيد رودريغيز على مدة 25 عاماً يقدم، في الوقت نفسه، إطاراً مختلفاً عن الانطباع الذي خلفته الرواية الأميركية الأولية بشأن حقوق تمتد لقرن كامل.

فنزويلا تحتفظ بالملكية والسيادة

وفي مواجهة الانتقادات التي أثارتها الصفقة بشأن احتمال فقدان فنزويلا السيطرة على ثروتها النفطية، حرصت رودريغيز على التأكيد أن دخول رأس المال الأميركي والشركات الخاصة لا يعني انتقال ملكية الموارد إلى الولايات المتحدة.

وقالت في خطابها المتلفز: «يجب أن يكون أمر واحد واضحاً تماماً: فنزويلا تحتفظ بملكية مواردها وسيادتها عليها».

وأضافت أن الاتفاق يستهدف تحويل الموارد النفطية الموجودة تحت الأرض إلى مصدر للرفاه الاجتماعي والاقتصادي، من خلال استقطاب رأس المال الخاص والخبرة والتكنولوجيا اللازمة لإعادة تشغيل قطاع تضرر بشدة خلال السنوات الماضية.

ويأتي هذا التأكيد وسط انتقادات داخل فنزويلا، حيث يرى معارضون أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة نفوذاً واسعاً على قطاع يمثل أهم ثروات البلاد، في حين يعتبر مؤيدون للحكومة أن جذب الاستثمار الأجنبي يمثل ضرورة لإعادة تطوير حقول لا تملك شركة النفط الوطنية «بتروليوس دي فنزويلا» «PDVSA» الموارد المالية الكافية لتطويرها.

100 مليار دولار للاستثمار

وتقول كاراكاس إن الاتفاق يمكن أن يستقطب أكثر من 100 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة لإعادة بناء صناعة النفط، على أن يتحمل المشغلون الخاصون توفير رأس المال ومخاطر المشروعات.

وتأتي هذه الاستثمارات في وقت لا يزال إنتاج فنزويلا بعيداً عن مستوياته التاريخية. فقد ارتفع الإنتاج بنحو 29.8 في المائة بين يناير ويوليو، ليصل إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً، لكنه لا يزال أقل بكثير من مستوى ثلاثة ملايين برميل يومياً الذي كانت البلاد تنتجه قبل نحو ربع قرن.

ويرى خبراء أن استعادة مستويات الإنتاج المرتفعة ستحتاج إلى سنوات، وليس أشهراً، بسبب تهالك المنشآت وشبكات النقل والخدمات النفطية، فضلاً عن الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الحقول الجديدة.

وقال المهندس أوسوالدو فيليزولا، الأستاذ في معهد الدراسات العليا في الإدارة في كراكاس، إن زيادة الإنتاج لن تظهر على نطاق واسع قبل ثلاث أو أربع سنوات على الأقل.

ناقلات نفط تبحر قبالة سواحل ماراكايبو فنزويلا (إ.ب.أ)

209 مليارات دولار للدولة

وكشفت رودريغيز أيضاً عن تفاصيل جديدة بشأن العائد المالي المتوقع لفنزويلا، قائلة إن الاتفاق يمكن أن يولد نحو 209 مليارات دولار للدولة، استناداً إلى افتراض سعر للنفط يبلغ 65 دولاراً للبرميل.

وأضافت أن نحو 19 دولاراً من كل برميل منتج ومباع ضمن الاتفاق سيذهب إلى الدولة الفنزويلية.

ويأتي هذا التوضيح بعد جدل حول تقديرات أولية للعائد، إذ جرى في بعض الحسابات تقسيم مبلغ 209 مليارات دولار على كامل الاحتياطيات البالغة 65 مليار برميل، مما أدَّى إلى تقدير يقارب 3.22 دولار للبرميل.

هل تعود شركات النفط الكبرى؟

المفارقة الأساسية في الصفقة أن واشنطن لجأت إلى الحكومة الأميركية نفسها بسبب المشكلة التي كانت تحاول حلها: جذب شركات النفط الخاصة إلى فنزويلا. فالشركات الأميركية الكبرى تملك الخبرة والتكنولوجيا اللازمة لتطوير الحقول، لكنها تتردد في استثمار مليارات الدولارات في بلد لا تزال المخاطر القانونية والسياسية فيه مرتفعة، بينما تحتاج بنيته التحتية إلى إعادة بناء واسعة.

كما أن وجود شركة خاصة مدعومة مباشرة من الحكومة الأميركية، مع مشاركة البنتاغون وامتلاكها حقوقاً واسعة في مجموعة من الحقول، قد يغيِّر طبيعة المنافسة على الفرص الاستثمارية في البلاد.

وبحسب «وول ستريت جورنال»، يخشى بعض العاملين في القطاع من أن يؤدي دعم الحكومة الأميركية لشركة منافسة إلى إضعاف الحوافز أمام شركات أخرى للاستثمار في فنزويلا، في وقت تبرز فيه أيضاً مخاوف بشأن احتمال أن تطعن حكومة فنزويلية مستقبلية في الاتفاق أو تسعى إلى إلغائه.

صفقة طويلة الأجل وتحديات كبيرة

تراهن إدارة ترمب على أن الاتفاق سيعيد كميات كبيرة من النفط إلى السوق الأميركية على المدى الطويل، ويساعد في تعزيز الإمدادات وخفض أسعار الوقود للأميركيين.

لكن تحقيق هذه الأهداف لن يكون سريعاً. فإعادة تأهيل صناعة النفط الفنزويلية تتطلب سنوات من الاستثمارات، وإعادة بناء المنشآت وشبكات النقل والخدمات المرتبطة بالإنتاج.

وبالنسبة إلى فنزويلا، تبدو الحاجة إلى الاستثمار أكثر إلحاحاً. فالبلاد تملك ثروة نفطية هائلة، لكنها تفتقر إلى رأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية اللازمة لتحويل هذه الاحتياطيات إلى إنتاج وإيرادات.

ومن هنا، تراهن رودريغيز على أن الاستثمار الخاص الأميركي سيعيد تشغيل الحقول ويزيد إيرادات الدولة، مع إبقاء ملكية الموارد والسيادة عليها في يد فنزويلا.

في المقابل، تراهن واشنطن على أن وجود الحكومة الأميركية في قلب المشروع سيمنح المستثمرين الآخرين الثقة اللازمة للعودة إلى قطاع ظل لسنوات طويلاً محفوفاً بالمخاطر.

وهكذا، فإن دخول البنتاغون في الصفقة لا يبدو مجرد تفصيل مالي، بل نتيجة مباشرة لصعوبة إقناع القطاع الخاص الأميركي بالمخاطرة منفرداً في فنزويلا. وبينما تحاول إدارة ترمب تحويل الاحتياطيات الضخمة إلى إنتاج فعلي، تحاول كاراكاس التأكيد على أن فتح الباب أمام رأس المال الأميركي لا يعني التخلي عن ملكية مواردها.

وفي النهاية، تبقى الصفقة أمام اختبارين متلازمين: هل تستطيع واشنطن استخدام مشاركتها لطمأنة شركات النفط وجذب الاستثمارات التي تحتاجها فنزويلا؟ وهل تستطيع كاراكاس الحفاظ على سيادتها على الموارد مع منح المستثمرين الأميركيين نفوذاً واسعاً في القطاع؟


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

الاقتصاد يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد كاشكاري وإلى جانبه رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن د. غولسبي (الاحتياطي)

رئيس «فيدرالي» مينيابوليس: التضخم لا يزال مرتفعاً... والاقتصاد متماسك

قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم في الولايات المتحدة لا يزال مرتفعاً أكثر مما ينبغي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.