من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا تشدد الخناق على سوق المنتجات المكررة

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)

لا تكمن الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية في ارتفاع أسعار النفط الخام وحده؛ فمع استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا، انتقل جانب مهم منها إلى المصافي التي تحول النفط الخام إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات، لتقفز قيمة هذه المنتجات مقارنة بتكلفة الخام الذي تدخل به المصافي.

وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الوقود المكرر أصبحت أكثر ضيقاً من سوق الخام، في وقت تعمل فيه المصافي بمعدلات مرتفعة لتلبية الطلب وتعويض النقص الناتج عن تعطل عدد من المنشآت وتراجع صادرات بعض المنتجين.

والنتيجة هي ارتفاع ما يعرف باسم «هوامش التكرير»، وهي أحد أهم المؤشرات التي تحدد ربحية المصافي، لكنها في الوقت نفسه تساعد في تفسير جانب من الارتفاع الذي يصل في النهاية إلى المستهلك عند محطة الوقود.

ما هوامش التكرير؟

ببساطة، يمثل هامش التكرير الفرق بين قيمة المنتجات النفطية التي تنتجها المصفاة وتكلفة النفط الخام الذي تستخدمه لإنتاجها؛ فإذا اشترت مصفاة برميلاً من النفط الخام مقابل 80 دولاراً، واستطاعت بيع المنتجات الناتجة عنه بما يعادل 95 دولاراً، فإن الفارق البالغ 15 دولاراً يمثل بصورة مبسطة هامشاً قبل احتساب تكاليف التشغيل والنقل وغيرها.

لكن العملية أكثر تعقيداً من مجرد طرح سعر النفط من سعر البنزين؛ فالمصفاة تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى، وتختلف قيمة كل منتج وفقاً للطلب والمواصفات والمنطقة الجغرافية.

لذلك يستخدم قطاع التكرير مجموعة من المؤشرات لقياس ربحية تحويل الخام إلى منتجات.

ماذا يعني «3-2-1»؟

من أشهر هذه المؤشرات هامش التكسير «3-2-1»، وهو معيار شائع في السوق الأميركية، ويفترض أن المصفاة تشتري 3 براميل من النفط الخام وتحولها إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.

وبالتالي، يقيس المؤشر الفرق بين قيمة المنتجات الثلاثة وتكلفة براميل الخام الثلاثة.

ووفقاً لبيانات نقلتها «وول ستريت جورنال»، تجاوز هامش «3-2-1» في الولايات المتحدة 70 دولاراً للبرميل الشهر الماضي، مقارنة بمستويات معتادة في نطاق العشرات المنخفضة.

وهذا الارتفاع يعكس مدى اتساع الفجوة بين قيمة الوقود المكرر وتكلفة الخام، ويشير إلى أن المصافي التي تستطيع تأمين الخام وتشغيل وحداتها بكامل طاقتها تحقق هوامش استثنائية.

سائق ينتظر في شاحنة نقل ثقيلة بمحطة وقود «ألون» في بيكوس بتكساس (أ.ف.ب)

لماذا ترتفع الهوامش الآن؟

السبب الرئيسي أن العالم فقد كميات من المنتجات المكررة بوتيرة أسرع من فقدانه الخام؛ فالحرب في إيران والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية وقيود الصين على صادرات الوقود، أدت إلى تقليص المعروض من البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وهنا تظهر المفارقة: المصافي ما زالت قادرة في مناطق عدة على الحصول على الخام وتشغيل وحداتها، لكن الحصول على المنتجات المكررة أصبح أكثر صعوبة.

ويقول محللون إن كل برميل إضافي من الوقود أصبح أكثر قيمة في السوق من برميل إضافي من الخام، وهو ما يدفع هوامش التكرير إلى الارتفاع.

«هرمز» يعيد رسم خريطة تجارة النفط

أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى إعادة ترتيب تدفقات النفط والمنتجات المكررة حول العالم؛ فالمصافي الآسيوية لجأت إلى إمدادات من حوض الأطلسي ومخزونات الطوارئ لتعويض جزء من البراميل المفقودة من الشرق الأوسط، بينما استمرت بعض الإمدادات الخليجية في الوصول إلى الأسواق من خلال عمليات نقل من سفينة إلى أخرى والالتفاف حول جنوب أفريقيا.

وفي أوروبا، عوضت المصافي جزءاً من الإمدادات الشرق أوسطية بخام من الولايات المتحدة وكازاخستان وبحر الشمال وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية.

هذه التغييرات تعني أن النفط لا يزال متاحاً، لكنه أصبح أكثر تكلفة وتعقيداً في الوصول إلى المكان الذي تحتاجه المصافي.

روسيا تضيف ضغطاً جديداً على سوق الديزل

لا يقتصر الضغط على الشرق الأوسط؛ فالهجمات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الروسية أدت إلى تراجع إنتاج المصافي الروسية إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وفق بيانات شركة «كبلر».

وتكتسب التطورات في روسيا أهمية خاصة بالنسبة لسوق الديزل؛ إذ كانت موسكو من كبار المصدرين عالمياً، قبل أن تفرض قيوداً مؤقتة على صادرات الديزل، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتاحة للأسواق الأوروبية.

وبذلك، جاء نقص الإمدادات الروسية في وقت كانت فيه المصافي تواجه بالفعل ضغوطاً من اضطرابات الشرق الأوسط، ما عزز المنافسة على الشحنات المتاحة.

أشخاص يزودون سياراتهم بالوقود في محطة بنزين بمدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

الصين تملك الطاقة... لكنها لا تصدّرها

أما الصين، فتقدم حالة مختلفة؛ فالبلاد تمتلك طاقة تكريرية كبيرة، لكنها فرضت قيوداً وحصصاً على صادرات الوقود بهدف تعزيز أمن الطاقة المحلي.

وتحد هذه السياسة من كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المتاحة للأسواق الخارجية، ما يدفع مصافي آسيوية أخرى إلى زيادة معدلات التشغيل لتعويض النقص.

وبالتالي، لا تحتاج السوق بالضرورة إلى توقف مصفاة صينية حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تتراجع الصادرات الصينية حتى تضطر المصافي الأخرى إلى العمل بطاقة أكبر.

مَن الرابح الأكبر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع هوامش التكرير يعني أن شركات النفط كلها تحقق أرباحاً ضخمة بالدرجة نفسها، لكن الصورة أكثر تعقيداً؛ فالمصفاة تستفيد عندما يكون سعر المنتجات التي تنتجها مرتفعاً مقارنة بتكلفة الخام. ولذلك، يمكن أن ترتفع أرباح قطاع التكرير حتى في وقت لا ترتفع فيه أسعار الخام بالمعدل نفسه.

وهذا هو سبب أهمية مراقبة أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى جانب سعر خام برنت وغرب تكساس الوسيط؛ فالسوق قد تشهد ارتفاعاً معتدلاً في سعر النفط الخام، لكن قفزة كبرى في أسعار المنتجات المكررة إذا كان المعروض من المصافي محدوداً.

المستهلك يدفع الفاتورة

ارتفاع هوامش التكرير لا يبقى محصوراً داخل قطاع الطاقة؛ فكلما ارتفعت تكلفة إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، زادت الضغوط على أسعار الوقود، قبل أن تنتقل آثارها تدريجياً إلى قطاعات النقل والشحن والطيران والسلع.

وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر البنزين 7 دولارات للغالون هذا العام، مقارنة بنحو 3.16 دولار قبل عام.

وهكذا، يمكن أن تتحول أزمة المصافي إلى موجة تضخمية أوسع، لأن الوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة نقل معظم السلع والخدمات.

عامل يحمل مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة بيشاور بباكستان (إ.ب.أ)

المصافي تعمل قرب حدود طاقتها

يزداد الضغط لأن المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا لا تملك مساحة كبيرة لرفع الإنتاج؛ فبعد سنوات من إغلاق عدد من المصافي نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون، أصبحت الطاقة التكريرية المتاحة أكثر محدودية.

ويقول محللون إن تشغيل المصافي بأكثر من 90 إلى 95 في المائة، يعني أن هامش المرونة التشغيلية يصبح ضئيلاً للغاية.

وفي هذه الحالة، يمكن لتعطل مصفاة واحدة أو توقف وحدة إنتاج رئيسية، أن يكون له تأثير أكبر بكثير على السوق، لأن المصافي الأخرى لا تملك طاقة فائضة كافية لتعويض النقص بسرعة.

الخطر المقبل

قد يبقى الضغط على هوامش التكرير مرتفعاً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع بدء أعمال الصيانة الموسمية للمصافي، بدءاً من سبتمبر (أيلول).

وتعني أعمال الصيانة خروج جزء من الطاقة التكريرية مؤقتاً من السوق في وقت لا تزال فيه الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة تعاني ضغوطاً.

وهذا يضع الأسواق أمام معادلة حساسة: طلب مستمر على الوقود، وطاقة تكريرية محدودة، وإمدادات عالمية أكثر اضطراباً.

القصة التي تتجاوز سعر برميل النفط

لذلك، فإن مراقبة أسعار النفط الخام وحدها لم تعد كافية لفهم اتجاه أسعار الطاقة؛ ففي المرحلة الحالية، قد تكون المصفاة هي الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة الإمداد: الخام يمكن أن يجد طريقه إلى السوق عبر مسارات بديلة، لكن تحويله إلى بنزين وديزل ووقود طائرات يحتاج إلى منشآت تعمل بكفاءة، وإلى طاقة تكريرية متاحة، وإلى إمدادات منتظمة من الخام.

ومع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا وقيود صادرات الوقود الصينية، أصبح السؤال بالنسبة للأسواق ليس فقط كم يبلغ سعر برميل النفط، وإنما أيضاً كم يكلف تحويله إلى الوقود الذي يحتاجه العالم.

وهنا تحديداً تكمن قوة هوامش التكرير في دفع أسعار الوقود، وتحويل اضطراب محدود في منشآت التكرير أو طرق التجارة إلى أزمة أوسع تصل آثارها في النهاية إلى المستهلك.


مقالات ذات صلة

تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر يتحدث في مبنى الكابيتول بواشنطن 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

تقرير: شركات نفط حصلت على امتيازات بعد تبرعاتها لحملة ترمب

اتهم تقرير ديمقراطي إدارة ترمب بمنح شركات نفط وغاز إعفاءات ضريبية وتخفيف قيود بيئية، بعد تبرعات بمئات الملايين من الدولارات لحملته الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)

رئيس «أرامكو»: نستطيع إصلاح أي اضطرابات خلال أيام

قال الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو» السعودية، أمين الناصر، إن الشركة قادرة على استعادة العمليات التي قد تتعرَّض للتعطُّل خلال أيام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)

برنت يقفز إلى 106.5 دولار مع غياب مؤشرات على تقدم في محادثات أميركا وإيران

واصلت أسعار النفط مكاسبها خلال تعاملات الخميس، بعد صعودها نحو 4 في المائة في الجلسة السابقة، مع غياب مؤشرات على إحراز تقدم في المحادثات بين أميركا وإيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شاشة تعرض البيانات المالية في غرفة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

الأسهم الآسيوية تتباين وسط ضغوط من ارتفاع عوائد السندات وأسعار النفط

شهدت الأسهم الآسيوية أداءً متبايناً في التعاملات المبكرة يوم الخميس، في الوقت الذي حاول فيه المستثمرون استيعاب التقلبات الأخيرة في أسعار النفط وسوق السندات.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد عامل يجمع زيت المحرك أثناء عمله في محطة إزالة الغازات في حقل الزبير النفطي بالعراق (أ.ب)

«الإعمار والتنمية» يخفض مجدداً توقعات نمو 41 اقتصاداً إلى 2.5 %

خفض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقعاته لنمو اقتصادات 41 دولة يغطيها بمقدار 0.6 نقطة مئوية إلى 2.5 في المائة خلال 2026.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أرامكو»: نستطيع إصلاح أي اضطرابات خلال أيام


الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
TT

«أرامكو»: نستطيع إصلاح أي اضطرابات خلال أيام


الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، أن الشركة تتمتع بمرونة تشغيلية ولوجيستية تتيح لها مواصلة إمداد عملائها والتعامل مع الاضطرابات، مشيراً إلى أن العمليات المتضررة يمكن استعادتها «خلال أيام».

وأوضح الناصر أن منظومة أنابيب «شرق - غرب» تتكون من خطوط متعددة، ما يصعّب تعطيلها بالكامل ويتيح للشركة إعادة توجيه الإمدادات وفق الظروف التشغيلية.

وقال الناصر إن «أرامكو» تملك حالياً 3 مسارات رئيسية لتصدير النفط، وتدرس إنشاء مسارين إضافيين، وبحث خيارات لتعزيز قدراتها التخزينية خارج المملكة.

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من خط أنابيب «سوميد» الذي ينقل الخام من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط عبر مصر، مؤكداً استمرار الشركة في الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها، ولا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية والصين، مع مواصلة تقييم خيارات إضافية لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.


الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
TT

الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

تتوسع الحكومة المصرية في مبادرة أطلقتها الشهر الجاري بهدف احتواء أزمة الغلاء، من خلال ضخ سلع أساسية بأسعار مخفضة على مدى ستة أشهر.

وأعلنت الحكومة، الخميس، طرح 18 سلعة جديدة في إطار المبادرة بدءاً من الجمعة، ليرتفع إجمالي السلع المطروحة فيها إلى 30 سلعة.

وقال وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، إن نجاح المبادرة لا يقتصر على الإعلان عن السلع والأسعار المخفضة، إنما يرتبط بمدى توافرها الفعلي واستمرارية طرحها في المنافذ. وشدد على أن وصول السلع إلى المواطنين بالكميات المناسبة والأسعار المحددة «يمثل المعيار الأساسي لمتابعة تنفيذ المبادرة وتقييم نتائجها على أرض الواقع».

كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أكد مجدداً أهمية استمرار جهود مختلف الجهات المعنية بما يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة. وشدد خلال اجتماعه مع أعضاء ومسؤولين بحكومته، منتصف الشهر الجاري، على «أهمية الاستمرار في تنفيذ المخططات الرامية إلى التوسع في مختلف المنافذ الثابتة والمتحركة لبيع السلع»، قائلاً إن ذلك من شأنه أن يسهم في مزيد من الاستقرار في حركة الأسواق وضبط الأسعار.

وترأس وزير التموين، الخميس، اجتماع غرفة عمليات متابعة تنفيذ مبادرة «خفض أسعار السلع» للتأكد من توافر السلع الأساسية وانتظام ضخ الكميات المطلوبة منها.

وزير التموين المصري مجتمعاً مع غرفة عمليات مبادرة «خفض أسعار السلع» يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء» استعرض الاجتماع معدلات توافر السلع بالمنافذ المشاركة، ومتابعة انتظام عمليات الإمداد وإعادة الضخ وفقاً لمعدلات الطلب. كما ناقش موقف التوسع في شبكة المنافذ المشاركة بالمبادرة ومتابعة دخول المنافذ والفروع الجديدة إلى منظومة الإتاحة.

ووجه وزير التموين بمواصلة العمل على زيادة عدد نقاط البيع وتوسيع نطاق التغطية الجغرافية، مع استمرار التنسيق مع الجهات المعنية لزيادة المعروض من السلع المخفضة بمختلف المحافظات، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والتي تشهد معدلات طلب متزايدة.

وقال: «بدءاً من الجمعة سيتم طرح 18 سلعة جديدة بفروع ومنافذ المبادرة ليرتفع إجمالي عدد السلع المطروحة من 12 سلعة حالياً إلى 30 سلعة، وذلك في إطار خطة الوزارة لزيادة المعروض وتنويع الأصناف المتاحة، وتوفير مجموعة متكاملة من السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفضة تناسب احتياجات المواطنين».

وحسب مراقبين، فإن «مبادرة خفض الأسعار» ستسهم مؤقتاً في توافر السلع لكنها «لن تحتوي موجة الغلاء». وقالوا إن المؤشرات تلفت إلى أن أسعار معظم السلع الغذائية تشهد ارتفاعاً عالمياً، وهو ما سينعكس بدوره على الأسواق المصرية.

وتشهد مصر موجات غلاء متتابعة وارتفاعاً متواصلاً في أسعار معظم السلع، زادت من حدته التوترات الإقليمية في المنطقة.

وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي مقابل 14.9 في المائة في يوليو (تموز)، وفقاً لبيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويرى عضو مجلس النواب أيمن محسب، أن «مبادرة خفض الأسعار» خطوة مهمة في إطار التعامل مع ملف الأسواق من خلال رؤية تتجاوز فكرة التخفيض المؤقت للأسعار، إلى العمل على زيادة المعروض وتوسيع قنوات التوزيع والوصول المباشر إلى المواطنين، بما يعزز استقرار الأسواق ويحد من الضغوط السعرية.

وأشار في تصريحات نقلتها مواقع محلية إلى أن أهمية المبادرة لا تتوقف عند الأسعار المخفضة التي تقدمها المنافذ المشاركة، إنما تمتد إلى خلق بدائل متعددة أمام المستهلك، بما يدعم المنافسة ويحد من قدرة أي حلقات وسيطة على فرض زيادات غير مبررة على الأسعار.

وفيما يتعلق بالرقابة على الأسواق، شدد وزير التموين، الخميس، على تكثيف الحملات الرقابية والمتابعة الميدانية للتأكد من الالتزام بالأسعار المعلنة وجودة السلع وتوافرها، وكذلك سرعة رصد أي مخالفات أو ممارسات من شأنها التأثير على انتظام طرح السلع أو وصولها إلى المواطنين، والتعامل الفوري معها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المخالفين.


«وول ستريت» تتراجع مجدداً تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع مجدداً تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

لا تزال «وول ستريت» ترزح تحت ضغوط مصدرها سوق السندات، ما دفع الأسهم الأميركية إلى التراجع مجدداً يوم الخميس.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.4 في المائة، متجهاً نحو تسجيل تراجع لليوم الثالث على التوالي، بعدما كان قد اقترب من أعلى مستوى قياسي له على الإطلاق الذي سجله الشهر الماضي. وفي الوقت نفسه، تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 124 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما انخفض مؤشر «ناسداك» المجمع 0.6 في المائة، وفق «رويترز».

وتباطأ أداء الأسهم تحت وطأة ارتفاع العوائد في سوق السندات، ما يزيد تكلفة الاقتراض على الجميع، بما في ذلك الأفراد الذين يحاولون مواجهة معدلات التضخم المرتفعة، والشركات التي تسعى إلى إنشاء مراكز بيانات لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والحكومة الأميركية التي تحاول سد الفجوة الهائلة بين إنفاقها وإيراداتها.

وقد قفزت العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، ما يبطئ الاقتصاد ككل، ويضغط في الوقت نفسه على أسعار الأسهم والاستثمارات الأخرى. واقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة من مستوى 5.15 في المائة صباح الخميس، قبل أن يتراجع إلى 5.09 في المائة، مقارنة بـ5.11 في المائة في نهاية تعاملات الأربعاء.

ويقترب هذا المستوى من مستوياته في عام 2007، ويمثل ارتفاعاً حاداً مقارنة بمستوى 3.97 في المائة المسجل قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى رفع أسعار النفط بشكل كبير. وارتفع سعر برميل خام برنت 1.8 في المائة أخرى يوم الخميس، ليصل إلى 99.88 دولار.

وأدى ذلك إلى ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين العادي إلى 4.48 دولار، مقارنة بأقل من 4.10 دولار قبل شهر و3.16 دولار قبل عام، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ولا تقتصر أسباب ارتفاع عوائد سندات الخزانة على المخاوف المتعلقة بالتضخم، إذ يواصل الاقتصاد الأميركي نموه، ما يدعم أيضاً مستويات العوائد. وشهدت سوق السندات اضطراباً كبيراً يوم الأربعاء، بعدما أشار تقرير أولي إلى أن نشاط الأعمال في الولايات المتحدة ينمو بأسرع وتيرة له منذ سنوات، في حين تزداد تكاليف الشركات الأميركية بسرعة أيضاً.

وأظهر تقرير صدر يوم الخميس انخفاض عدد العمال الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، ما عزز التوقعات الإيجابية بشأن الاقتصاد.

وقد تقنع هذه البيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأن الاقتصاد قادر على تحمل مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة قصيرة الأجل. وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، بهدف إبطاء وتيرة الاقتصاد والحد من العوامل المسببة للتضخم.

ويرى المتداولون الآن احتمالاً يقارب 50 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين قبل نهاية العام، وهي احتمالية تشبه رمية العملة، وفقاً لبيانات مجموعة «سي إم إي».

وحتى الآن، ساعدت متانة الاقتصاد الأميركي الشركات على مواصلة تحقيق نمو قوي في الأرباح. وساعد ذلك بدوره في الحفاظ على استقرار أسعار أسهمها نسبياً، رغم المخاوف المتعلقة بالحرب والتضخم والرسوم الجمركية.

وكتب محللون استراتيجيون في بنك «باركليز» في تقرير: «لقد أصبحت العناوين الإخبارية أكثر قتامة، لكن المحركات الأساسية للنمو لا تزال قائمة. وما دام استمرت الاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وربحية الشركات الأميركية، وإنفاق المستهلكين في تجاوز التوقعات، فإن الاقتصاد والأسواق يبدوان قادرين على استيعاب سياسات التشديد النقدي من البنوك المركزية وارتفاع أسعار الفائدة».

وفي وقت متأخر من يوم الأربعاء، انضمت شركة «ستيتش فيكس» إلى قائمة الشركات التي أعلنت نتائج للربع الأخير تفوق توقعات المحللين. ومع ذلك، هوى سهم الشركة 22 في المائة بعد أن أشارت إلى أن «بيئة استهلاكية أكثر صعوبة» قد تعوق نمو إيراداتها في السنة المالية المقبلة.

كما تراجع سهم شركة «داردن ريستورانتس»، المالكة لسلسلتي «أوليف غاردن» و«لونغ هورن ستيك هاوس»، بنسبة 2.6 في المائة، بعدما أعلنت أرباحاً للربع الأخير جاءت متوافقة مع توقعات المحللين.

وتؤثر العوائد المرتفعة في سوق السندات سلباً على أسعار الأسهم بمختلف أنواعها، وعادة ما تلحق الضرر الأكبر بالأسهم التي تُعد مرتفعة التقييم، أو «باهظة الثمن».

ويضع ذلك أسهم شركات الذكاء الاصطناعي في دائرة الاستهداف، بعدما شهدت ارتفاعاً صاروخياً في السنوات السابقة وسط حالة من الهوس بهذه التكنولوجيا. كما قد تؤدي العوائد المرتفعة إلى إبطاء إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما سيحد بدوره من الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي.

وانخفض سهم شركة «إنفيديا» بنسبة 1.4 في المائة، ليشكل أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، نظراً إلى الحجم الضخم للشركة.

أما في أسواق الأسهم الخارجية، فتباين أداء المؤشرات وسط تحركات طفيفة في الغالب؛ إذ انخفض المؤشر في شنغهاي بنسبة 1.2 في المائة، بينما ارتفع في طوكيو بنسبة 0.8 في المائة، مسجلين بذلك اثنين من أبرز التحركات السعرية في الأسواق العالمية.