بدا المشهد في الأسواق الصينية، الاثنين، منفصلاً إلى حد بعيد عن الصورة التي ترسمها مؤشرات الاقتصاد الحقيقي. ففي الوقت الذي كشفت فيه البيانات عن تباطؤ الإنتاج والاستهلاك وانكماش قياسي في القروض المصرفية، اندفعت أسهم التكنولوجيا والرقائق صعوداً، وارتفعت حيازات المستثمرين الأجانب من السندات الصينية، بينما بقي اليوان قرب أقوى مستوياته في 3 أعوام ونصف.
وأنهى مؤشر «شنغهاي المركب» التعاملات مرتفعاً 1.4 في المائة عند 3982.65 نقطة، وهو أعلى مستوى في 5 أسابيع، بينما صعد مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية 1.6 في المائة. وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» 1.3 في المائة، وأضاف مؤشر التكنولوجيا 1.6 في المائة.
وكان قطاع التكنولوجيا المحرك الأساسي للسوق؛ إذ قفز مؤشر «ستار 50» الذي يضم شركات التكنولوجيا في شنغهاي 4.1 في المائة، وارتفع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة 3.1 في المائة. كما صعد مؤشر أشباه الموصلات 5 في المائة، ومؤشر الذكاء الاصطناعي 3.3 في المائة.
وجاءت القفزة مدعومة بنتائج الشركات؛ إذ ارتفع سهم شركة «سي إكس إم تي» للرقائق والذاكرة 12 في المائة، بينما قفز سهم «شينزن تشاينا لأشباه الموصلات» بنحو 16.8 في المائة، بعدما أعلنت الشركة ارتفاع أرباح النصف الأول بنحو مائة في المائة. وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين يراهنون بصورة متزايدة على قطاعات النمو الجديدة، ولا سيما أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، حتى في الوقت الذي تظهر فيه قطاعات مرتبطة بالطلب المحلي علامات ضعف واضحة.
وعلى الطرف الآخر، انخفض مؤشر شركات المشروبات 2.7 في المائة، وهبط سهم «كوتشو موتاي» الثقيل 3.6 في المائة بعد تراجع الأرباح، بينما فقد قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية 2.4 في المائة.
فجوة بين السوق والاقتصاد
وتأتي مكاسب الأسهم في يوم كشفت فيه البيانات عن بداية ضعيفة للنصف الثاني من العام. فقد تباطأ نمو الإنتاج الصناعي الصيني إلى 4.5 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، من 5.3 في المائة في يونيو (حزيران)، بينما لم ترتفع مبيعات التجزئة سوى 0.6 في المائة، مقابل نمو 1 في المائة في الشهر السابق. وتضاف هذه الأرقام إلى بيانات الائتمان التي أظهرت الأسبوع الماضي انكماش القروض الجديدة باليوان، بمقدار قياسي بلغ 340 مليار يوان (نحو 50 مليار دولار) في يوليو، في إشارة إلى استمرار ضعف شهية الأسر والشركات للاقتراض.
ويرى محللو «نان هوا فيوتشرز» أن الاقتصاد الصيني أظهر نمطاً هيكلياً يقوم على «مرونة الطلب الخارجي مقابل تعافٍ غير كافٍ للطلب المحلي»، وهو ما يعني أن الارتفاع الواسع للأسهم لا يزال يفتقر إلى دعم قوي من أساسيات الاقتصاد. وقد يدفع ذلك السوق خلال المرحلة المقبلة إلى الانتقال من الرهان الواسع على التعافي إلى انتقاء الشركات وفق نتائجها الفعلية، مع دوران السيولة بين القطاعات، بدلاً من صعود جميع الأسهم بصورة متزامنة.
الأجانب يعودون إلى السندات
لكن إشارات الثقة لم تقتصر على الأسهم. فقد أظهرت بيانات رسمية أن المستثمرين الأجانب زادوا حيازاتهم من السندات المقومة باليوان في السوق المحلية خلال يوليو. وبلغت حيازاتهم من السندات المتداولة في سوق ما بين البنوك 3.21 تريليون يوان (476.4 مليار دولار) بنهاية الشهر، مقابل 3.20 تريليون يوان في نهاية يونيو. ورغم محدودية الزيادة، فإنها تكتسب أهمية في ظل سعي بكين إلى تعزيز جاذبية الأصول المقومة باليوان أمام رؤوس الأموال الدولية.
وتزامن ذلك مع قوة العملة الصينية. فقد جرى تداول اليوان قرب 6.741 للدولار الاثنين، قريباً من مستوى 6.74 الذي سجله الأسبوع الماضي، وهو الأقوى منذ فبراير (شباط) 2023. وارتفعت العملة نحو 0.7 في المائة منذ بداية أغسطس (آب)، وبنحو 3.8 في المائة منذ بداية العام. وتستفيد العملة الصينية كذلك من ضعف الدولار، بعدما عزز تراجع مبيعات التجزئة الأميركية توقعات إبقاء مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير في سبتمبر (أيلول). وكان مؤشر الدولار مقابل 6 عملات رئيسية يحوم قرب أدنى مستوياته خلال الشهر.
بكين لا تريد ارتفاعاً سريعاً
ومع ذلك، يبدو أن بنك الشعب الصيني لا يريد السماح للعملة بالارتفاع بسرعة كبيرة. فقد حدد السعر المرجعي اليومي عند 6.7873 يوان للدولار، وهو الأقوى منذ فبراير 2023، ولكنه ظل أضعف بنحو 491 نقطة أساس من تقديرات «رويترز». وتشير هذه الفجوة، وفق متعاملين ومحللين، إلى رغبة البنك المركزي في السماح بارتفاع تدريجي للعملة من دون دفعها إلى موجة صعود حادة يمكن أن تضعف القدرة التنافسية للصادرات، التي أصبحت أحد أهم محركات الاقتصاد في ظل فتور الاستهلاك الداخلي.
