يتسارع إيقاع الشراكة الاقتصادية بين السعودية وكندا نحو مرحلة جديدة ونوعية؛ فبعد عام كامل من الحراك الدبلوماسي والاستثماري المكثف بين البلدين، دشّن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ورئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، حقبة استراتيجية جديدة مرتكزة على القطاعات النوعية والمستقبلية، وذلك خلال جلسة مباحثات رسمية عُقدت في «قصر السلام» بجدة. وجاء هذا الزخم السياسي ليتوَّج فوراً بتوقيع 15 اتفاقية ومذكرة تفاهم في «ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي»، واضعةً مساراً أوسع لتعاون يترجم الرغبة المشتركة والعميقة بين الجانبين في استمراره.
وفي هذا المشهد المتكامل، تتجه الأنظار اليوم صوب قطاع التعدين والمعادن الحرجة بوصفه أول المستفيدين من هذه الشراكة، مدفوعاً بامتلاك البلدين مزايا تكاملية فريدة تجمع بين وفرة الموارد والخبرات الهندسية الكندية العريقة، والقدرات الصناعية والاستثمارية الضخمة للمملكة لإطلاق ثرواتها المعدنية غير المستغلة والمقدّرة بنحو 2.5 تريليون دولار. ويُتوقع أن يقود هذا القطاع التعديني العوائد المبكرة للاتفاقيات الأخيرة، قبل أن تمتد آثاره المتكاملة إلى قطاعات الطاقة، والتقنية المتقدمة، ومراكز البيانات، بما يضمن تعزيز سلاسل القيمة وخلق فرص استثمارية وصناعية ذات بعد عالمي.
سمو #ولي_العهد يستقبل في قصر السلام بجدة دولة رئيس وزراء كندا ويقيم له مراسم استقبال رسمية.#رئيس_وزراء_كندا_في_السعودية #واس pic.twitter.com/et1BkCieVm
— واس الأخبار الملكية (@spagov) July 9, 2026
لقاءات دورية
ولضمان تحويل هذه «التفاهمات» من «مذكرات إطارية» إلى «مشروعات قائمة» على أرض الواقع، أفصح رئيس «مجلس الأعمال السعودي - الكندي»، محمد ناصر آل دليم، عن وجود اتفاقيات جديدة سيعلَن عنها في الوقت المناسب، وأنه ستكون هناك متابعة دقيقة لما وُقّع عليه بين الجانبين.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك حراكاً واسعاً بين الجانبين وخطة لتبادل الوفود التجارية بين السعودية وكندا، ولقاءات دورية بين الشركات خلال العام الحالي، وإن هذه اللقاءات الحيوية ستستمر في العام المقبل 2027.
ويتوافق ذلك مع ما كان أعلنه وزير الطاقة والموارد الطبيعية الكندي، تيم هودجسون، الذي أكد أن تعميق التعاون مع السعودية - الشريك التجاري الأكبر لكندا في المنطقة - يمثل ركيزة أساسية ضمن استراتيجية أوتاوا الطموح لتحفيز 500 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة ومضاعفة صادراتها غير الأميركية خلال العقد المقبل.
وكانت شركة الهندسة الكندية العالمية «هاتش (Hatch)» وقعت بداية العام الحالي اتفاقية استراتيجية مع شركة «معادن» السعودية بقيمة تصل إلى 700 مليون دولار لتطوير محفظة مشروعاتها في الذهب والفوسفات والألمنيوم. كما أُعلن عن شراكة نوعية بين شركة «نورثرن غرافيت» الكندية ومجموعة «العبيكان للاستثمار» السعودية لإنشاء مصنع متطور لمعالجة مواد أنود البطاريات داخل المملكة، في خطوة رئيسية نحو تأمين وتنويع سلاسل إمداد طاقة المستقبل النظيفة.
وبشأن أسرع العوائد المتوقع تدفقها إثر هذا التقارب، رجّح آل دليم أن يتصدر قطاع التعدين والمعادن الحرجة المشهد بوصفه العمود الفقري لهذه الشراكة، التي تسير وفق معادلة استراتيجية صاغها بـ: «كندا تُورّد، والسعودية تُحوّل، والعالم يستفيد». وأضاف أن هذا المحور الحيوي ستتبعه تباعاً قطاعات الطاقة، والتقنية المتقدمة، ومراكز البيانات، مشدداً على أن هذه المنظومة بأكملها تمثل قطاعات متكاملة لا متنافسة وتخدم الأهداف المستقبلية المشتركة.
التقنية ومراكز البيانات
وأكد آل دليم أن أولويات «المجلس» بعد ملتقى جدة «واضحة، وتتمثل في تحويل الاتفاقيات الـ15 من (مذكرات) إلى (مشروعات قائمة)، وقد اعتمد آلية متابعة تنفيذية لكل اتفاقية، تشمل جدولاً زمنياً ومؤشرات قياس تُراجَع دورياً مع الأطراف الموقّعة، وسيصدر تقرير متابعة خلال الفترة المقبلة».
وتطرق رئيس «المجلس» في حديثه إلى النمو الكبير في ميزان التبادل التجاري قائلاً: «نحن واثقون بأنه سيتجاوز مستوياته السابقة خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بالزخم السياسي والاقتصادي الذي أحدثه الملتقى الأخير وزيارة دولة رئيس الوزراء الكندي».

فرق العمل القطاعية
وبشأن دور «المجلس» في المرحلة المقبلة، أبان أن دور «المجلس» في الجانب التنظيمي هو أن يكون حلقة الوصل بين المستثمرين والجهات الحكومية في البلدين، وأن فرق العمل القطاعية في «المجلس» تؤدي دوراً فعالاً، وتشكل منصة دائمة لمتابعة الشراكات وتذليل أي تحديات.
وقد فتح «ملتقى الاستثمار السعودي الكندي»، الذي حضرته نخبة من رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين يتقدمهم مسؤولو البلدين، الشهية لتعزيز هذا المسار والبحث عن الفرصة الواعدة في الاقتصاد السعودي الذي وصل إلى نحو 1.3 تريليون دولار، مع تجاوز الأنشطة غير النفطية نسبة 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويبدو أن الجانبين استكشفا خلال «الملتقى» الفرص الاستثمارية الواعدة، وأن المستثمرين حددوا القطاعات المستهدفة؛ منها ما أُعلنَ عنه، ومنها ما يجري التفاوض بشأنه من الجوانب كافة وإن لم يُفصح عنه؛ إلا إنها لن تخرج عن نطاق «الخدمات المالية، والتعدين، والصناعات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتعليم، والابتكار».

