بعد عقد على «بريكست»... الاقتصاد البريطاني يدفع ثمن الانفصال عن أوروبا

وعود الازدهار تتبدد وسط تباطؤ النمو وتراجع الاستثمار

مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
TT

بعد عقد على «بريكست»... الاقتصاد البريطاني يدفع ثمن الانفصال عن أوروبا

مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)
مشاركون في لندن خلال «المسيرة الوطنية الرابعة للعودة إلى الاتحاد الأوروبي» يعبّرون عن دعمهم إعادة انضمام بريطانيا للاتحاد 20 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

بعد مرور عشر سنوات على التصويت التاريخي الذي أخرج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال الجدل حول حصيلة «بريكست» محتدماً، في وقت تزداد فيه المؤشرات على أن المكاسب التي وُعد بها البريطانيون لم تتحقق كما كان متوقعاً، بينما برزت تحديات اقتصادية وتجارية وهيكلية ألقت بظلالها على أداء الاقتصاد البريطاني ومكانة البلاد الدولية.

في 23 يونيو (حزيران) 2016، صوّت البريطانيون لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، في خطوةٍ هزّت المشهدين السياسي والاقتصادي العالمي، قبل أن تُنهي المملكة المتحدة رسمياً عضويتها التي استمرت 47 عاماً في أكبر تكتل تجاري بالعالم مع نهاية عام 2020. وقد روّج مؤيدو الانفصال آنذاك رؤية تقوم على استعادة السيادة الوطنية والتحرر من القيود التنظيمية الأوروبية، مع وعود بتحقيق ازدهار اقتصادي أكبر وتعزيز السيطرة على الحدود والهجرة.

إلا أن العقد الذي تلا الاستفتاء رسم صورة أكثر تعقيداً، فالنمو الاقتصادي البريطاني ظل ضعيفاً مقارنة بالتوقعات، بينما ارتفعت الأعباء الضريبية وازداد الضغط على الخدمات العامة، في حين لم تنجح الحكومات المتعاقبة في معالجة ملفات الهجرة التي كانت في صلب حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ورغم أن بريطانيا تمكنت من إبرام سلسلة من الاتفاقيات التجارية المستقلة مع عدد من الاقتصادات الكبرى، فإن هذه المكاسب لم تنعكس بصورة ملموسة على حياة المواطنين أو على أداء الاقتصاد بالقدر الذي كان متوقعاً. كما أن حرية وضع أُطر تنظيمية مستقلة في قطاعات مثل الخدمات المالية والذكاء الاصطناعي لم تُحدث، حتى الآن، تحولاً اقتصادياً كبيراً يشعر به الرأي العام.

ويعكس ذلك حالة من خيبة الأمل حتى بين بعض المؤيدين السابقين لـ«بريكست». فسايمون بويد، المدير التنفيذي لشركة «ريد ستيل» البريطانية، لا يزال متمسكاً بدعمه قرار الخروج، لكنه يعترف بأن النتائج جاءت أبطأ بكثير مما وُعد به البريطانيون، وعَدَّ أن التنفيذ السياسي للقرار لم يكن على مستوى التطلعات.

كلفة اقتصادية متراكمة

منذ اللحظة الأولى للتصويت، واجهت الشركات البريطانية حالة طويلة من عدم اليقين بشأن شكل العلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي. ومع دخول ترتيبات ما بعد «بريكست» حيز التنفيذ، أصبحت التجارة مع الأسواق الأوروبية أكثر تعقيداً وأكثر كلفة، نتيجة الإجراءات الجمركية والتنظيمية الجديدة التي فرضت أعباء إضافية على الشركات والمصدّرين.

ويرى اقتصاديون أن الخروج من السوق الأوروبية الموحدة ترك آثاراً هيكلية طويلة الأمد على الاقتصاد البريطاني. ويقول كريون باتلر، رئيس برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي في مركز «تشاتام هاوس»، إن مغادرة السوق الأوروبية الموحدة ترتبت عليها آثار طويلة الأمد. وأضاف: «بغضّ النظر عما وُعد به الناس أو ما كانوا يأملونه، يجب الإقرار بأن قرار المغادرة تسبَّب في خسارة كبيرة للثروة والازدهار». وتابع: «هذا قرارٌ اتخذه الشعب البريطاني، ومِن حقّه اتخاذه، لكنه يجعلنا أفقر».

ووفق معظم المؤشرات، فإن الاقتصاد البريطاني، اليوم، أضعف مما كان سيكون عليه لو لم يحدث «بريكست»، وفقاً لتقرير حديث صادر عن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية. وقارن التقرير، الذي أعدَّه باحثون من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، أداء الاقتصاد البريطاني بأداء 33 دولة أخرى؛ من بينها جيرانه الأوروبيون والولايات المتحدة وكندا واليابان.

وخلص الباحثون إلى أن «بريكست» خفّض الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة تتراوح بين 6 في المائة و8 في المائة، كما تراجعت الاستثمارات بنحو 12 في المائة إلى 13 في المائة، وانخفضت الإنتاجية بنسبة تراوحت بين 3 في المائة و4 في المائة.

متظاهرون يرفعون أعلام الاتحاد الأوروبي خلال احتجاج مناهض لـ«بريكست» أمام البرلمان البريطاني في لندن ديسمبر 2018 (أ.ب)

قطاع السيارات يدفع الثمن

كانت شركات صناعة السيارات البريطانية من أوائل وأكثر المعارضين صراحةً لـ«بريكست»، محذّرة من أن زيادة الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بشحن قِطع الغيار والمَركبات المكتملة ستضرُّ صناعة تعتمد على شبكة مترابطة من المصانع المنتشرة في عدة دول أوروبية.

وقد أدت هذه المخاوف إلى تقليص الاستثمارات بقطاع السيارات البريطاني، إذ باتت الشركات العالمية أقل ميلاً إلى اتخاذ بريطانيا بوابة جذابة للوصول إلى السوق الأوروبية. ونتيجة لذلك، يأمل القطاع أن تسهم اتفاقيات التجارة الدولية في تعزيز الطلب على منتجاته.

ويؤكد مايك هاوز، الرئيس التنفيذي لجمعية مصنّعي وتجار السيارات البريطانية، أن القطاع تمكّن من التكيف مع الظروف الجديدة، لكنه اضطر لتحمُّل تكاليف إضافية وضغوط متزايدة أثّرت على قدرته التنافسية واستثماراته المستقبلية.

ومع ذلك، لا تزال دول الاتحاد الأوروبي تمثل 41 في المائة من صادرات بريطانيا، ونحو نصف وارداتها، وفق أحدث البيانات الحكومية.

أزمة العمالة بعد نهاية حرية التنقل

إحدى أكثر النتائج وضوحاً لـ«بريكست» تمثلت في التغير الجذري بسوق العمل، فعلى مدى أكثر من خمسين عاماً من عضوية الاتحاد الأوروبي وسابقاته، اعتمد عدد من الشركات البريطانية على أوروبا مصدراً للعمالة منخفضة التكلفة، خصوصاً بعد توسع «الاتحاد» شرقاً في عام 2004. لكن هذا المصدر جفّ بعد «بريكست» الذي أنهى حرية تنقل العمالة؛ وهي من المبادئ الأساسية التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي.

وكان أصحاب مطاعم الكاري البريطانية، التي أصبحت جزءاً أصيلاً من المجتمعات المحلية؛ من أبردين في أسكوتلندا، إلى أبيريستويث في ويلز، من أكثر المتضررين من فقدان العمالة القادمة من أوروبا الشرقية، إذ عاد كثير من العمال إلى بلدانهم، بدلاً من التعامل مع متطلبات التأشيرات الجديدة المعقَّدة. ويشعر هؤلاء بالغضب لأن القطاع دعّم «بريكست» بعد تلقّيه وعوداً بزيادة تأشيرات الطهاة القادمين من جنوب آسيا، وهو ما لم يتحقق.

محاولات لإعادة بناء الجسور

في محاولةٍ للتخفيف من بعض المشكلات التي تسبَّب بها «بريكست»، بدأ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر محادثات مع الاتحاد الأوروبي، لإعادة بناء علاقة أوثق، في إطار مساعيه لتنشيط الاقتصاد البريطاني الراكد.

وتأتي خطوة ستارمر في وقت يشير فيه استطلاع، أجرته شركة «إبسوس»، بالتعاون مع معهد السياسات في كلية كينغز بلندن، ومركز «المملكة المتحدة في أوروبا متغيرة»، إلى ازدياد الإحباط من «بريكست».

وأظهر الاستطلاع، الذي شمل 2245 بريطانياً تبلغ أعمارهم 18 عاماً فأكثر، وأُجريَ في مايو (أيار)، أن 48 في المائة يرون أن «بريكست» يسير بشكل أسوأ مما توقعوا، مقارنة بـ28 في المائة فقط خلال مارس (آذار) 2021. في المقابل، قال 9 في المائة إنه يسير بشكل أفضل من المتوقع، بينما رأى نحو ثلث المشاركين أنه يسير كما كانوا يتوقعون.

لكن بويد يرى أن الاستطلاع الأهم لا يزال ذلك الذي جرى في 23 يونيو 2016، عندما صوَّت 51.9 في المائة من المقترعين؛ أي نحو 17.4 مليون شخص، لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي.

ولا يزال مقتنعاً بأن مستقبل بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي أكثر إشراقاً.

ويرى أن «بريكست» لم يحقق وعوده لأن السياسيين والشركات الكبرى والمصالح الراسخة الأخرى عملت على عرقلة إرادة الشعب، ما أدى إلى اتفاق خروج أبقى بريطانيا مرتبطة بالاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة وحرَمَها من تحقيق كامل إمكاناتها بصفتها دولة ريادية تضم أناساً مبدعين ومجتهدين.

وأكد أنه لا مجال للعودة إلى الوراء.

وقال: «تخيلوا لو أننا أعدنا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، اليوم، ستكون شروط العودة أشبه بالصعود مجدداً إلى سفينة تايتانيك، ولكن بشرط؛ أن نتخلى أولاً عن سترات النجاة. هل أحتاج إلى قول المزيد؟».

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

الاقتصاد شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

«هانغ سنغ» عند أدنى مستوى في شهرين 

تراجعت أسهم هونغ كونغ، الجمعة، في تعاملات ضعيفة بسبب العطلات، وقادت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الخسائر

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في لقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

ترمب وتاكايتشي يبديان قلقاً من ضعف الين

كشفت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، الجمعة، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثار مسألة ضعف الين خلال اجتماعه مع رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أسهم اليابان تصعد والعوائد تواصل تسجيل مستويات تاريخية

واصلت الأسهم اليابانية مكاسبها، الجمعة، مدعومة بصعود شركات الذكاء الاصطناعي والرقائق وإقبال المستثمرين على شراء الأسهم

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة «أندروز» الجوية بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)

هدنة التجارة تمنح ترمب وشي وقتاً إضافياً لتسوية الخلافات

دخلت الولايات المتحدة والصين جولة جديدة من إدارة التوتر الاقتصادي بينهما، مع وصول الرئيس الصيني إلى واشنطن في أول زيارة له للولايات المتحدة منذ 3 أعوام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

صعود عوائد اليابان يؤجل عودة الأموال من الخارج

شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
شاشة تعرض مستوى العائد على السندات العشرية اليابانية في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

بدأت الأموال اليابانية رحلة العودة من الأسواق الخارجية، لكن موجة إعادة توطين واسعة للأصول لا تزال مؤجلة، إذ ينتظر كبار المستثمرين اتضاح المستوى الذي ستبلغ عنده عوائد السندات الحكومية ذروتها، والمدى الذي سيذهب إليه بنك اليابان في رفع أسعار الفائدة.

ويبدو أن البنك المركزي نجح، مؤقتاً، في كبح موجة جديدة من المضاربات ضد الين، بعد رفع الفائدة الأسبوع الماضي، وتأكيد التزامه بمواجهة التضخم، إلى جانب تقارير عن إجراء السلطات عمليات تحقق من أسعار الصرف، وهي خطوة تُعد عادة مؤشراً إلى احتمال التدخل في سوق العملات.

لكن المؤسسات الاستثمارية الكبرى لا تزال مترددة في ضخ أموال كبيرة في السندات المحلية بينما تستمر العوائد في الارتفاع. كما زاد الغموض بعد تصويت عضوين في بنك اليابان لصالح موقف أكثر ميلاً للتيسير خلال الاجتماع الأخير، بالتزامن مع استمرار عمليات بيع السندات هذا الأسبوع.

وقال شوكي أوموري، استراتيجي الدخل الثابت في «دويتشه بنك» بطوكيو، إن تجارة العائد التي تنفذها الأموال السريعة «جرى تفكيكها بالفعل»، لكن تحرك «الأموال البطيئة» لم يبدأ بعد، في إشارة إلى صناديق التقاعد والأسر اليابانية التي تحتفظ بأصول خارجية من دون تحوط للعملة.

وتم تداول الين قرب 159 مقابل الدولار، الجمعة، بعدما فقد معظم مكاسبه الحادة التي سجلها في مطلع سبتمبر (أيلول). ومع ذلك، لا تتجاوز خسائره منذ بداية العام نحو 1 في المائة، بعدما سجل في يوليو (تموز) أدنى مستوى في نحو أربعة عقود عند أقل بقليل من 164 يناً للدولار.

وتشير بيانات مراكز المضاربين إلى تراجع الرهانات على انخفاض العملة بصورة كبيرة، إذ تحولت المراكز من صافي بيع قوي إلى أكبر صافي شراء منذ يوليو 2025، بقيمة 9.7 مليار دولار خلال أول أسبوعين من سبتمبر.

غير أن اتساع موجة رفع أسعار الفائدة عالمياً لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن حرب الشرق الأوسط يعني أن فروق العائد بين اليابان والاقتصادات الكبرى قد لا تضيق سريعاً، ما يحد من قدرة الين على تحقيق ارتفاع مستدام.

وفي سوق السندات، تغيرت الحسابات جذرياً. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بنحو نقطتين مئويتين خلال أقل من عامين، ليتجاوز 3 في المائة ويسجل أعلى مستوى في 30 عاماً. ووفق «دويتشه بنك»، أصبح الاستثمار في سندات الخزانة الأميركية بعد التحوط من مخاطر العملة يقدم للمستثمر الياباني عائداً أقل من السندات المحلية.

وبدأت هذه المعادلة بالفعل في جذب الأموال. فقد اشترى المستثمرون سندات سيادية يابانية بقيمة 4.8 تريليون ين الشهر الماضي، وهي أكبر مشتريات صافية في ثلاثة أشهر، وفق تحليل «باركليز»، مع مشاركة البنوك وشركات التأمين في الشراء.

وتقدر «إتش إس بي سي» أن البنوك اليابانية باعت نحو 70 مليار دولار من السندات الأجنبية هذا العام، بعدما اشترت ما قيمته 35 مليار دولار في العام الماضي، وهو تحول يمكن أن تمتد آثاره إلى أسواق الدين في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة.

لكن شركات التأمين على الحياة، التي تدير أصولاً تبلغ 438.6 تريليون ين، نحو 2.78 تريليون دولار، تتحرك بوتيرة أكثر بطئاً. وقال آرون هيرد، مدير المحافظ لدى «ستيت ستريت غلوبال أدفايزرز»، إن إعادة الأموال اليابانية لا تزال في مرحلة مبكرة، متوقعاً أن تكتسب زخماً أكبر خلال 2027، بعد أن يقتنع المستثمرون بأن عوائد السندات اليابانية بلغت ذروتها.

وقد يشكل صندوق استثمار معاشات التقاعد الحكومي، الذي يدير نحو 1.8 تريليون دولار، عاملاً حاسماً. فقد شجع وزير المالية الصندوق على زيادة مخصصاته للأسواق المحلية، ويرى محللون أن أي تغيير رسمي في توزيعه للأصول قد يدفع مؤسسات يابانية أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

وفي المقابل، يظل ارتفاع العوائد الأميركية وتوقعات المزيد من التشديد من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عقبة أمام بنك اليابان والين. ويرى محللون أن التحول الحقيقي قد يبدأ عندما تقتنع شركات التأمين والمؤسسات طويلة الأجل بأن دورة رفع الفائدة اليابانية تقترب من نهايتها، فتسرع إعادة الأموال إلى الداخل.

وحتى ذلك الحين، تبدو اليابان أمام مرحلة انتقالية؛ حيث إن جاذبية السندات المحلية ترتفع، والمضاربات ضد الين تتراجع، لكن المستثمرين الكبار لا يريدون شراء السندات بينما أسعارها لا تزال تهبط وعوائدها تصعد. وعندما تستقر العوائد، قد تتحول إعادة توطين رؤوس الأموال اليابانية إلى قوة مؤثرة ليس فقط في الين، بل في أسواق السندات العالمية أيضاً.


أوروبا تحشد الدعم والضرائب لاحتواء صدمة أسعار الوقود

أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
TT

أوروبا تحشد الدعم والضرائب لاحتواء صدمة أسعار الوقود

أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)
أنابيب في محطة لضغط الغاز في مالنو - ألمانيا (رويترز)

تدفع الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا حكومات أوروبية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات، تشمل الدعم المالي والضرائب وتعديل السياسات، في محاولة لحماية اقتصاداتها وشركاتها، وتهدئة استياء المواطنين المزداد من الارتفاع القياسي في أسعار البنزين والديزل.

وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن حكومات حول العالم تدخلت للحد من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تراجع إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران. وأوضحت المنظمة في تقرير نشرته الأربعاء أن سبعاً من الدول العشر الأكثر نشاطاً في احتواء الأضرار الاقتصادية تقع داخل الاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ففي ليتوانيا، خُفضت أسعار تذاكر القطارات إلى النصف. وأرجأت إيطاليا الموعد المقرر لإغلاق محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، وخففت متطلبات الإجراءات الورقية لمشروعات النفط والغاز الطبيعي. كما زادت هولندا التمويل المخصص لبرنامج يقدم خدمات مجانية لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المنازل، في حين اقترحت بولندا فرض ضرائب مرتفعة على الأرباح القياسية التي يحققها بعض منتجي الوقود وبائعيه.

وقبل الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، كانت الحرب الروسية في أوكرانيا قد عطلت إمدادات الطاقة العالمية وأثارت اضطرابات في أوروبا. ويستورد الاتحاد الأوروبي نحو كامل احتياجاته من النفط و85 في المائة من الغاز الطبيعي، بينما تغطي الواردات إجمالاً 57 في المائة من احتياجاته من الطاقة، وفقاً لمكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي. ويأتي جزء كبير من الطاقة المنتجة محلياً من المصادر المتجددة والطاقة النووية.

ويزداد استياء الأوروبيين مع تجاوز أسعار الوقود في محطات التعبئة ما يعادل 12 دولاراً للغالون في بعض الدول. وينفق مواطنو الاتحاد الأوروبي 203 ملايين يورو (231.13 مليون دولار) إضافية يومياً على وقود الديزل وحده، وفق منظمة «النقل والبيئة» الأوروبية.

وقال أنتوني فروغات، المحلل لدى المنظمة: «إنها مفارقة مؤلمة أن تكون الولايات المتحدة الأقل تعرضاً لأزمة ساهمت في صنعها، بينما يتلقى الاقتصاد الأوروبي الضربة مجدداً».

وتنفق حكومات أوروبية عدة مليارات الدولارات لمساعدة اقتصاداتها على تجاوز أزمة الطاقة الحالية.

منظر عام لخطوط الأنابيب في منشأة لتخزين الغاز تابعة لشركة تجارة الغاز «في إن جي إيه جي» في باد لاوخشتادت - ألمانيا (رويترز)

وفي بروكسل، منح قادة الاتحاد الأوروبي الدول الأعضاء مرونة مؤقتة لتقديم مساعدات حكومية للأسر والقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الزراعة والنقل وصيد الأسماك. كما أتاحوا هامشاً محدوداً لتجاوز قواعد الإنفاق الأوروبية بهدف تمويل استثمارات تعزز أمن الطاقة وتحد من اعتماد الاتحاد على واردات النفط والغاز الطبيعي على المدى الطويل.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي، عن حالة الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي: «إن الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض بدأت تثقل كاهل الأفراد والشركات». وأضافت أن الاتحاد بحاجة إلى مضاعفة الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة والميسورة التي ينتجها محلياً، سواء الطاقة المتجددة أو النووية أو الميثان الحيوي وغيرها، بما يعزز الاستقلالية ويسهم في خفض أسعار الطاقة.

فرنسا توسع الدعم للديزل والسائقين

اعتمدت فرنسا مجموعة متزايدة من الإجراءات الموجهة للتخفيف من تأثير ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

وأعلنت الحكومة الفرنسية الثلاثاء حزمة بقيمة 450 مليون يورو (512.35 مليون دولار) لتوسيع إجراءات الدعم، شملت توسيع نطاق المساعدات القائمة على مستوى الدخل للأشخاص الذين يقطعون أكثر من 30 كيلومتراً ذهاباً وإياباً إلى العمل، أو أكثر من 8 آلاف كيلومتر سنوياً لأغراض مهنية. وقالت الحكومة إن التوسع سيجعل 5.5 مليون عامل مؤهلين للحصول على مدفوعات بقيمة 100 يورو للمساعدة في تغطية تكاليف الوقود حتى نهاية العام.

كما مددت الحزمة الجديدة دعم الوقود للمزارعين والصيادين وشركات البناء حتى نهاية العام، وقررت إتاحة قسائم الطاقة، التي تتراوح قيمتها بين 48 و277 يورو، قبل موعدها بثلاثة أشهر لمساعدة 5.8 مليون أسرة على سداد فواتير الطاقة خلال فصل الشتاء.

وطلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من فون دير لاين الدفع باتجاه تخفيف قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بجودة الوقود، بما يشمل الكثافة ونسبة الكبريت ومعايير أخرى، بهدف زيادة إنتاج الديزل والكيروسين في أوروبا. وكان الاتحاد قد اتخذ خطوة مماثلة خلال جائحة «كوفيد - 19».

سيارة تُزوَّد بالبنزين في محطة وقود بباريس (رويترز)

وفي رسالة إلى المفوضية الأوروبية اطلعت عليها «أسوشييتد برس»، حذر ماكرون من أن سوق النفط العالمية قد تشهد «زيادات قوية في الأسعار» قريباً إذا لم يُستأنف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز قبالة السواحل الإيرانية. كما دعا إلى رفع الحد الأقصى المسموح به في الاتحاد الأوروبي لمحتوى الديزل الحيوي التقليدي في وقود الديزل من 7 إلى 10 في المائة.

ألمانيا وإسبانيا تخفضان ضرائب الوقود

انتهت في ألمانيا نهاية يونيو (حزيران) جولة خفض لضرائب الوقود استمرت شهرين. ووافقت الحكومة الأسبوع الماضي على تمديد الخفض، بما سيؤدي إلى تقليص أسعار البنزين والديزل بنحو 17 سنتاً للتر، اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) وحتى نهاية العام. وقالت الحكومة إن تكلفة التخفيض الجديد ستبلغ 2.5 مليار يورو (2.85 مليار دولار).

كما أعلنت الحكومة أنها ستجري محادثات مع شركات النفط لبحث فرض سقف لأسعار الوقود اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني). وتطبق بلجيكا ولوكسمبورغ المجاورتان إجراءات مماثلة منذ عقود.

ومددت الحكومة الإسبانية بدورها خفض الضرائب على البنزين والديزل الذي بدأ تطبيقه في مارس (آذار)، ضمن حزمة بقيمة 5 مليارات يورو لمواجهة تداعيات الحرب مع إيران على أسعار الطاقة المحلية.

وبلغ الإعفاء الضريبي 5 سنتات للتر خلال الشهر الحالي، فيما تتيح آلية تلقائية رفعه إلى 20 سنتاً للتر إذا تجاوز التضخم في أسعار الوقود 15 في المائة على أساس سنوي. كما مددت الحكومة دعم الوقود لشركات النقل والمزارعين ومربي الماشية والصيادين.

الولايات المتحدة تصبح مورداً رئيسياً للطاقة للاتحاد الأوروبي

إلى جانب برامج الدعم الوطنية، لجأت دول الاتحاد الأوروبي إلى احتياطياتها الاستراتيجية، في إطار اتفاق بين الدول الأعضاء الـ32 في وكالة الطاقة الدولية لإتاحة 400 مليون برميل من النفط من مخزوناتها الطارئة في الأسواق.

ويعمل الاتحاد الأوروبي على تقليص اعتماده على الطاقة المستوردة من روسيا من خلال زيادة إنتاج الطاقة المتجددة وتحويل الأنظمة والقطاعات الصناعية للعمل بالكهرباء بدلاً من الوقود الأحفوري.

وقالت فون دير لاين إن زيادة الاعتماد على الكهرباء يمكن أن تخفض فاتورة الاتحاد السنوية لواردات النفط والغاز بنحو 260 مليار يورو (296.03 مليار دولار) بحلول عام 2040.

وفي الوقت الذي سعى فيه الاتحاد إلى تقليص اعتماده على الطاقة الروسية، ازداد اعتماده على الولايات المتحدة. وكانت فون دير لاين قد أبرمت شخصياً اتفاقاً مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام الماضي، تضمن التزام الاتحاد الأوروبي بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات.

وقد جعلت الحرب مع إيران هذه العلاقة أكثر أهمية وتعقيداً بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي لجأ بشكل متزايد إلى الولايات المتحدة لتأمين إمدادات الديزل. وأثار دعم ترمب هذا الأسبوع لفكرة حظر صادرات الديزل بهدف خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة مخاوف أوروبية، إذ سيضطر الاتحاد في هذه الحالة إلى البحث عن مصادر بديلة للوقود.

وتضغط بروكسل على واشنطن للتراجع عن فكرة تعليق صادرات الديزل إلى الخارج.

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف غيل، الخميس: «نعتقد أن هذه فكرة سيئة. التعاون بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجال الطاقة قوي ومستقر ويحقق منفعة متبادلة. وأي اضطراب في هذا التعاون قد يؤثر سلباً على الجانبين».


«هانغ سنغ» عند أدنى مستوى في شهرين 

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
TT

«هانغ سنغ» عند أدنى مستوى في شهرين 

مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)
مدخل مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ (رويترز)

تراجعت أسهم هونغ كونغ، الجمعة، في تعاملات ضعيفة بسبب العطلات، وقادت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الخسائر، بينما ظلّ المستثمرون في انتظار مزيد من الوضوح بشأن نتائج القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن.

وهبط مؤشر «هانغ سنغ» القياسي 1.7 في المائة ليغلق عند 24343.19 نقطة، مسجلاً أدنى مستوى في شهرين، فيما خسر مؤشر «هانغ سنغ للشركات الصينية»، الذي يتتبع أداء شركات البر الرئيسي المدرجة في المدينة، نحو 2 في المائة.

وكان الضغط أكثر وضوحاً في أسهم التكنولوجيا؛ إذ تراجع مؤشر «هانغ سنغ للتكنولوجيا» بأكثر من 2 في المائة إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، بينما هبطت أسهم قطاع الذكاء الاصطناعي بنحو 3 في المائة.

وجاءت الخسائر وسط أحجام تداول محدودة قبيل عطلة مهرجان منتصف الخريف في هونغ كونغ، بينما ظلت الأسواق المالية في البر الرئيسي الصيني مغلقة، الجمعة، على أن تستأنف التداول الاثنين.

كما أغلقت أسواق في تايوان وكوريا الجنوبية أبوابها بسبب العطلات، في حين استقر مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان دون تغير يُذكر.

وتحول اهتمام المستثمرين بصورة رئيسية إلى زيارة شي للولايات المتحدة ومحادثاته مع ترمب، في ظل استمرار الخلافات بين أكبر اقتصادين في العالم بشأن التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وقضايا جيوسياسية أخرى.

ولم تظهر حتى الآن اختراقات كبيرة في الملفات الرئيسية، وهو ما أبقى المستثمرين حذرين تجاه زيادة تعرضهم للأصول الصينية. وكانت الأسواق قد دخلت القمة بتوقعات محدودة بشأن إمكانية التوصل إلى تسويات واسعة، خصوصاً بعد سنوات من القيود التجارية والتكنولوجية المتبادلة.

وقال خون غوه، رئيس أبحاث آسيا لدى «إيه إن زد»، إن الأسواق لم تكن تتوقع تحقيق اختراق كبير، لكن الأهمية تكمن في وضع «أرضية» للعلاقات بين واشنطن وبكين تحد من احتمالات تدهورها بصورة أكبر.

وأضاف أن العلاقات تتحرك في الاتجاه الصحيح، معتبراً أن توفير قدر أكبر من الاستقرار في العلاقة الثنائية يمثل في حد ذاته تطوراً يمكن للأسواق الترحيب به. وتأتي خسائر الجمعة امتداداً لحالة الحذر التي سيطرت على الأصول الصينية في الجلسة السابقة. وكانت أسهم البر الرئيسي قد سجلت، الخميس، أكبر تراجع يومي لها في شهر؛ إذ هبط مؤشر «سي إس آي 300» بنسبة 1.7 في المائة، بينما خسر مؤشر "شنغهاي المركَّب" 1.2 في المائة. ويعكس الهبوط الأشد في أسهم التكنولوجيا حساسية القطاع بصورة خاصة لأي تطورات في العلاقات الأميركية - الصينية، نظراً إلى استمرار القيود الأميركية على تصدير الرقائق والتقنيات المتقدمة إلى الصين، إلى جانب المنافسة المتصاعدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت نفسه، ساهمت العطلات في تضخيم حالة الحذر، مع انخفاض السيولة وغياب عدد من الأسواق الإقليمية الكبرى عن التداول، ما دفع المستثمرين إلى تجنب بناء مراكز كبيرة قبل اتضاح نتائج المحادثات في واشنطن.

وبذلك، أنهت سوق هونغ كونغ الأسبوع تحت ضغط مزدوج من تراجع أسهم التكنولوجيا وعدم وضوح المسار التالي للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة. ورغم أن استمرار الحوار بين ترمب وشي يوفر قدراً من الاستقرار، فإن المستثمرين ينتظرون خطوات ملموسة في ملفات التجارة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا قبل عودة شهية المخاطرة بصورة أقوى إلى الأسهم الصينية.