الحرب تفرمل نمو قطاع التصنيع في منطقة اليورو وتدفع التكاليف للأعلى

ركود في ألمانيا وانكماش في فرنسا وسط ضغوط تضخمية

نظرة عامة على خط إنتاج تابع لشركة صناعة السيارات الألمانية «مرسيدس - بنز» في مصنع بمدينة راستات (رويترز)
نظرة عامة على خط إنتاج تابع لشركة صناعة السيارات الألمانية «مرسيدس - بنز» في مصنع بمدينة راستات (رويترز)
TT

الحرب تفرمل نمو قطاع التصنيع في منطقة اليورو وتدفع التكاليف للأعلى

نظرة عامة على خط إنتاج تابع لشركة صناعة السيارات الألمانية «مرسيدس - بنز» في مصنع بمدينة راستات (رويترز)
نظرة عامة على خط إنتاج تابع لشركة صناعة السيارات الألمانية «مرسيدس - بنز» في مصنع بمدينة راستات (رويترز)

أظهر مسح نُشر يوم الاثنين أن نمو قطاع التصنيع في منطقة اليورو فقد زخمه في مايو (أيار) مع ركود الطلب على السلع واضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، مما دفع تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوياتها في أربع سنوات.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لمنطقة اليورو التابع لـ«ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 51.6 نقطة في مايو من أعلى مستوى له في أربع سنوات تقريباً في أبريل (نيسان) عند 52.2 نقطة، ولكنه تجاوز التقدير الأولي البالغ 51.4 نقطة.

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركتس إنتلجنت»: «على الرغم من أن مصنعي منطقة اليورو سجلوا توسعاً للشهر الرابع على التوالي في مايو، غير أن القطاع يُظهر علامات على المعاناة تحت وطأة ارتفاع الأسعار واضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط».

وشهدت الطلبات الجديدة ركوداً في مايو، في تحول حاد عن أبريل، حين نما الطلب - وهو مؤشر رئيسي على صحة القطاع - بأسرع وتيرة له في أربع سنوات، مدفوعاً بتسريع المستهلكين لعمليات الشراء. وانخفضت طلبات التصدير، مما زاد من تراجع الطلب الإجمالي.

واستمر الإنتاج الصناعي في التوسع، لكن بأبطأ وتيرة منذ يناير (كانون الثاني)، حيث انخفض مؤشر الإنتاج إلى أدنى مستوى له في أربعة أشهر عند 51.3 نقطة، مقارنةً بـ 52.3 نقطة في أبريل.

وتراجعت معدلات التوظيف الآن لثلاث سنوات، فيما ظلت ثقة المصنّعين إيجابية بشأن العام المقبل لكنها أقل من متوسطها على المدى الطويل.

أما على صعيد الأسعار، فقد ارتفعت تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ مايو 2022، مدفوعةً بارتفاع حاد في أسعار الطاقة والمواد الخام. ونقلت الشركات جزءاً من أعبائها إلى المستهلكين برفع الأسعار بأسرع وتيرة لها في ثلاث سنوات ونصف.

وأضاف ويليامسون: «تضطر المصانع إلى تحميل المستهلكين تكاليف الإنتاج المرتفعة، مما سيؤدي حتماً إلى ارتفاع التضخم في الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يتأثر الطلب سلباً بارتفاع الأسعار، حيث شهد شهر مايو ركوداً في دفاتر الطلبات بعد ثلاثة أشهر متتالية من التحسن».

وتفاقمت تأخيرات سلاسل التوريد لتصل إلى أسوأ مستوياتها منذ يونيو (حزيران) 2022، مما زاد الضغط على التكاليف. ويواجه صناع السياسات مهمة صعبة لتحقيق التوازن: تشير نتائج الاستطلاع إلى رغبتهم في احتواء موجة التضخم المتجددة، لكن تراجع الطلب يعني أن رفع أسعار الفائدة بشكل حاد ينطوي على مخاطر.

ووفقاً لأغلبية الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم في مايو، سيرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع هذا الشهر، ومرة أخرى على الأقل هذا العام، في محاولة لمنع ارتفاع أسعار الطاقة من التأثير على التضخم الأساسي.

توقف في النشاط الصناعي الألماني

شهد قطاع التصنيع الألماني ركوداً في مايو، حيث أثّر تراجع الطلب وارتفاع التكاليف المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط سلباً على النشاط.

وأظهر مسحٌ أجرته مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الألماني انخفض إلى 50.1 نقطة في مايو، مقارنةً بـ51.4 نقطة في أبريل، ليظل فوق مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش.

وقال فيل سميث، المدير المساعد للشؤون الاقتصادية في مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «توقف الانتعاش في قطاع التصنيع خلال شهر مايو، مما يؤكد المؤشرات التحذيرية من مسوحات مؤشر مديري المشتريات الأخيرة، والتي أشارت إلى أن النمو، المدفوع بتسريع الطلبات، من المرجح أن يتلاشى».

وتباطأ نمو الإنتاج للشهر الثاني على التوالي، مسجلاً أضعف وتيرة له منذ بدء التوسع الحالي في يناير، وانخفضت الطلبات المتراكمة بعد ارتفاعها في الأشهر الثلاثة السابقة.

وأظهر المسح انخفاض الطلبات الجديدة لأول مرة منذ خمسة أشهر، وتراجعت مبيعات التصدير أيضاً لأول مرة منذ يناير. وأرجعت الشركات ذلك إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع الأسعار، على الرغم من أن بعض العملاء قدموا طلباتهم لتجنب أي اضطرابات أو ارتفاع في الأسعار.

وازدادت ضغوط التكاليف حدة، حيث بلغ تضخم أسعار المدخلات أعلى مستوى له منذ يونيو 2022.

وقال سميث: «مع تراجع هوامش الربح، كان لا بد من التضحية بشيء ما، وكان هذا الشيء هو التوظيف، حيث تسارعت وتيرة فقدان الوظائف في المصانع إلى أسرع وتيرة لها منذ أوائل عام 2025».

وتحسنت توقعات قطاع الأعمال للإنتاج خلال العام المقبل بشكل طفيف، وعادت إلى المنطقة الإيجابية، ومع ذلك ظلت المعنويات أقل بكثير من مستوى فبراير (شباط)، وسط مخاوف بشأن التضخم، وتردد العملاء، ونقص الإمدادات.

انكماش مفاجئ في قطاع التصنيع الفرنسي

انكمش قطاع التصنيع الفرنسي في مايو للمرة الأولى منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث أثر ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات النقل الناجمة عن الصراع الإيراني على الشركات.

وانخفض مؤشر مديري المشتريات النهائي لقطاع التصنيع الفرنسي الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى 49.7 نقطة في مايو من 52.8 نقطة في أبريل، على الرغم من أنه تجاوز الرقم الأولي لمؤشر مديري المشتريات لشهر أبريل البالغ 48.9 نقطة.

وكان الرقم النهائي لمؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع في أبريل، والبالغ 49.7 نقطة، هو الأدنى له منذ نوفمبر، كما أنه المرة الأولى التي ينخفض فيها عن مستوى 50 نقطة منذ نوفمبر.

وقال جو هايز، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «لا تزال سلاسل التوريد تتكيف مع التقلبات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وما تبعها من صدمة في أسعار الطاقة».

وأضاف: «على سبيل المثال، واجه عدد أكبر من المصنّعين الفرنسيين مشكلات في التسليم وارتفاعاً في أسعار المدخلات مقارنةً بشهر أبريل، وهي ضغوط قد تتجلى في ارتفاع أسعار السلع ومشاكل في الإمداد على نطاق أوسع في الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة».


مقالات ذات صلة

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

الاقتصاد موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

اقترب قطاع الخدمات في روسيا من حالة الركود خلال أكتوبر مع تسجيل ارتفاع طفيف للغاية في حجم الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد شاشات تعرض مؤتمراً صحافياً لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي كيفين وارش في قاعة التداول ببورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة يهدد الأسواق بركود تضخمي وشيك

يدفع ارتفاع تكاليف الطاقة والاقتراض العالمية، نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، الاقتصادات والأسواق إلى الاقتراب أكثر من فترة قد تكون ضارة تتسم بارتفاع التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد يسير أشخاص على جسر بوسط العاصمة الروسية وتظهر في الخلفية أبراج «الكرملين» ومركز موسكو الدولي للأعمال (أ.ف.ب)

«الكرملين»: التحديات التي يواجهها الاقتصاد الروسي ليست حرجة

أعلن «الكرملين» أنه لا يعدّ التحديات التي يواجهها الاقتصاد الروسي حرجة، مؤكداً أن الوضع الاقتصادي العام لا يزال مستقراً.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
الاقتصاد وسط مدينة دريسدن التاريخي (رويترز)

ألمانيا: توقعات بركود اقتصادي وموجة تضخم جديدة رغم قفزة معنويات المستثمرين

خفض معهد «آر دبليو آي» الاقتصادي الألماني توقعاته لتعافي الاقتصاد الألماني، متوقعاً نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.8 في المائة في عامي 2026 و2027.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بنك إنجلترا يتجه لتثبيت الفائدة الخميس وسط مخاوف التضخم وضغوط الركود

يُتوقع أن يُبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير عند 3.75 في المائة، يوم الخميس، مع تبنِّي صناع السياسة النقدية نهج الترقب والانتظار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
TT

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)

اقترب قطاع الخدمات في روسيا من حالة الركود خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع تسجيل ارتفاع طفيف للغاية في حجم الإنتاج، وتراجع الطلبيات الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، وفقاً لمسح للأعمال نُشرت نتائجه الخميس.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات الروسي إلى 50.1 نقطة في أكتوبر، مقارنة بـ51.3 نقطة في سبتمبر (أيلول). وتشير القراءة فوق مستوى 50 نقطة إلى النمو، فيما تعكس القراءة دونه الانكماش، وفق «رويترز».

وتراجعت الأعمال الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، في حين انخفض الطلب على الصادرات بوتيرة حادة ومتسارعة. وأشارت «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن تراجع الطلب الدولي كان ثالث أكبر انخفاض منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

وفي المقابل، عاد التوظيف إلى تسجيل نمو بعد ثمانية أشهر من تقليص الوظائف، وإن كان معدل التوظيف الجديد محدوداً. كما تراجعت الأعمال المتراكمة مجدداً، مسجلة الانخفاض السادس خلال الأشهر السبعة الماضية، مع إتاحة ضعف تدفق الطلبات الجديدة للشركات إنجاز طلبيات سابقة.

وعلى صعيد الأسعار، اشتدت الضغوط التضخمية خلال الشهر، إذ تسارعت وتيرة ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، فيما رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع وتيرة في ثمانية أشهر، في محاولة لتحميل العملاء جزءاً من التكاليف المرتفعة.

كذلك، تراجعت ثقة الشركات للشهر الثاني على التوالي في أكتوبر، لتبقى دون متوسط مستوياتها المسجلة منذ بداية عام 2026، وأقل بكثير من متوسطها التاريخي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي وتأثيرها على توقعات الشركات.


الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

نجح الحزب الديمقراطي الأميركي في تحويل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى محور جامع لحملته الانتخابية، متجاوزاً جانباً من خلافاته الداخلية بين التيار المعتدل والجناح التقدمي، في استراتيجية ساعدته على تحقيق انتصار واسع في انتخابات التجديد النصفي، وانتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس وعدد كبير من مناصب حكام الولايات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن العامل الأبرز وراء هذا التحول كان قدرة المرشحين الديمقراطيين على توحيد خطابهم حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مع تحميل سياسات الرئيس دونالد ترمب مسؤولية الضغوط التي تواجه الأسر الأميركية، بدلاً من الانجرار إلى القضايا الثقافية والاجتماعية التي أضعفت الحزب في استحقاقات انتخابية سابقة.

وتكشف نتائج استطلاع للناخبين أجرته وكالة «أسوشييتد برس» وشبكات تلفزيونية أميركية، أن 89 في المائة من المشاركين اعتبروا تكلفة المعيشة عاملاً رئيسياً أو مهماً في تحديد خياراتهم الانتخابية، مع تصدر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء قائمة المخاوف.

ولم يقتصر نجاح الرسالة الاقتصادية على المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي، بل تبناها أيضاً المعتدلون، وإن اختلفت مقترحات الطرفين لمعالجة الأزمة. وبهذا، استطاع الحزب تقديم خطاب انتخابي مشترك رغم استمرار الخلافات بشأن توجهاته السياسية والاقتصادية.

تحالف انتخابي يتجاوز الانقسامات

ومن العوامل التي ساعدت الديمقراطيين على توسيع قاعدة دعمهم اختيار مرشحين يتمتعون بحضور محلي وقدرة على استقطاب الناخبين المستقلين؛ خصوصاً في الولايات التي ظل الجمهوريون يهيمنون عليها لعقود.

ووفق الصحيفة، اعتمد الحزب على شخصيات من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، بينهم أطباء وممرضون ورجال دين ومزارعون وقادة نقابيون ومعلمون وعسكريون سابقون، في محاولة لاستعادة ثقة شرائح من الطبقة العاملة ابتعدت عن الديمقراطيين في انتخابات سابقة.

كما عادت مجموعات انتخابية كانت قد دعمت ترمب في انتخابات 2024 إلى الاقتراع لمصلحة الديمقراطيين، ومن بينها الشباب والناخبون من أصول لاتينية، في تحول عكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد الرئيس الأميركي على العودة إلى البيت الأبيض.

وامتد هذا التحول إلى ولايات ذات توجه جمهوري راسخ، إذ حقق الديمقراطيون مكاسب في تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، مستفيدين من التركيز على الأعباء المعيشية والاعتراض على السياسات التجارية وتداعيات الحرب على إيران، التي رفعت تكاليف الوقود والأسمدة وأثقلت كاهل قطاعات واسعة؛ خصوصاً في المناطق الريفية.

وفي تكساس، تمكن المرشحان الديمقراطيان جيمس تالاريكو وجينا هينوجوسا من تحقيق اختراق سياسي لافت، عبر خطاب ركّز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد والحد من نفوذ أصحاب المليارات، في ولاية لم يحقق فيها الديمقراطيون فوزاً على مستوى المناصب التنفيذية منذ عام 1994.


وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخّها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة، بعدما حقق الديمقراطيون انتصارات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة كشفت حدود النفوذ المالي لوادي السيليكون أمام تحولات المزاج الانتخابي الأميركي.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أنفق مليارديرات من قطاع التكنولوجيا أكثر من 600 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في واحدة من أكثر الحملات الانتخابية تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذه الأموال لم تنجح في ترجيح كفة مرشحيهم، مع تصاعد المخاوف الشعبية من التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.

وكان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبايس إكس»، أبرز الممولين، إذ تجاوز إنفاقه 470 مليون دولار على سباقات انتخابية لمجلسي الشيوخ والنواب. وذهب نحو نصف هذا المبلغ لدعم المرشح الجمهوري كين باكستون في ولاية تكساس، الذي خسر أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو.

ولم تقتصر الخسائر على تكساس، إذ خسر مرشحون جمهوريون آخرون في سباقات مجلس الشيوخ بولايات متأرجحة، إلى جانب عدد من مرشحي الحزب لمجلس النواب، رغم الدعم المالي الكبير الذي تلقوه من المليارديرات وشركات التكنولوجيا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سياسي شارك في تنسيق إنفاق قطاع التكنولوجيا خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات قوله إن «المال لم ينجح»، مشيراً إلى أن ماسك أنفق نحو نصف مليار دولار وخسر جميع السباقات التي تدخل فيها.

الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

ولم تكن الأموال وحدها محور المواجهة الانتخابية؛ فقد تحولت المخاوف من التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قضية مؤثرة في خيارات الناخبين.

وأظهر استطلاع للناخبين بعد التصويت أجرته شبكة «إن بي سي» أن غالبية المشاركين اعتبروا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عاملاً مهماً أو رئيسياً في تحديد خياراتهم الانتخابية.

كما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات انتصارات لافتة، مستفيدين من تنامي الاعتراضات على استهلاك هذه المنشآت للطاقة والموارد، وتأثيرها في المجتمعات المحلية.

وبحسب «فاينانشال تايمز»، تزامنت هذه المخاوف مع استياء الناخبين من ارتفاع التضخم وتداعيات الحرب على إيران، وهو ما أسهم في اتساع التحول الانتخابي لمصلحة الديمقراطيين، وأضعف قدرة الإنفاق السياسي لقطاع التكنولوجيا على التأثير في النتائج.

وامتد الإنفاق إلى عدد من أبرز المستثمرين والشركات في القطاع؛ إذ ضخ المستثمران في رأس المال المغامر مارك أندريسن وبن هورويتز أكثر من 90 مليون دولار في الانتخابات، بينما أنفق مؤسسا منصة العملات المشفرة «جيميني»، كاميرون وتايلر وينكلفوس، أكثر من 5 ملايين دولار.

كما قدم غريغ بروكمان، الشريك المؤسس لشركة «أوبن إيه آي»، وزوجته آنا، تبرعات بقيمة 25 مليون دولار لكل من منظمة «ماغا إنك» واللجنة السياسية «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تدعم التوسع في الذكاء الاصطناعي.

وفي سباق آخر، أنفقت لجنة «فيرشيك»، المدعومة من قطاع العملات المشفرة، أكثر من 50 مليون دولار على إعلانات تستهدف المرشح الديمقراطي شيرود براون، أحد أبرز منتقدي القطاع، في محاولة لمنع عودته إلى مجلس الشيوخ، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها.

ضغوط تنظيمية تلوح في الأفق

ولا تتوقف تداعيات النتائج عند خسارة المرشحين المدعومين من قطاع التكنولوجيا، إذ تواجه الشركات احتمال زيادة الضغوط التنظيمية مع انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين في الكونغرس.

وأشارت الصحيفة إلى أن عشرات المبادرات الرامية إلى تجميد إنشاء مراكز البيانات أُقرت في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الشعبية على التوسع في هذه المنشآت.

كما بدأ قياديون ديمقراطيون الدعوة إلى استخدام الأغلبية الجديدة في الكونغرس لاستدعاء مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم خلال العام المقبل، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة بين المشرعين وشركات التكنولوجيا الكبرى.

ومع ذلك، فإن حجم الأموال التي ضخها هؤلاء المليارديرات يظل محدوداً مقارنة بثرواتهم الشخصية. وتوضح الصحيفة أن إنفاق ماسك يعادل، نسبة إلى ثروته، تبرع شخص يمتلك مليون دولار بنحو 400 دولار فقط.

وبعد اتضاح حجم الانتصار الديمقراطي، حذف ماسك منشوراً عبر منصة «إكس» كان قد دعا فيه الناخبين إلى التصويت للجمهوريين، في إشارة رمزية إلى إخفاق رهان وادي السيليكون الانتخابي.