الطلب المحلي يقود تعافي القطاع الخاص السعودي رغم الضغوط الجيوسياسية

مؤشر مديري المشتريات ارتفع إلى 51.5 نقطة متجاوزاً المستوى المحايد

إحدى الأسواق التجارية في جدة (واس)
إحدى الأسواق التجارية في جدة (واس)
TT

الطلب المحلي يقود تعافي القطاع الخاص السعودي رغم الضغوط الجيوسياسية

إحدى الأسواق التجارية في جدة (واس)
إحدى الأسواق التجارية في جدة (واس)

يشقُّ القطاع الخاص السعودي غير النفطي طريقه نحو التعافي، مدفوعاً بقوة الطلب المحلي، رغم تصاعد الضغوط الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ففي وقتٍ تُلقي فيه التوترات الإقليمية بظلالها على حركة التجارة وثقة الأسواق، أظهرت الشركات مرونةً لافتةً في الحفاظ على وتيرة النشاط وتعزيز الإنتاج، مستفيدةً من قوة الإنفاق الداخلي واستمرار المشروعات التنموية.

ويعكس هذا الأداء قدرة الاقتصاد السعودي على امتصاص الصدمات الخارجية، وترسيخ دور المحركات المحلية ركيزةً أساسيةً للنمو، إذ سجَّل مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات (PMI) ارتفاعاً ليصل إلى 51.5 نقطة خلال أبريل (نيسان) الماضي، متجاوزاً المستوى المحايد البالغ 50 نقطة، بعد تسجيل 48.8 نقطة في مارس (آذار) 2026.

وأوضح الدكتور نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، أنَّ هذه النتائج تؤكد سير القطاع غير المنتج للنفط في مسار بناء، ومرن، وهو ما يخدم الأهداف الاستراتيجية للتنويع الاقتصادي ضمن «رؤية 2030».

القوة الشرائية

وأشار إلى أنَّ عودة المؤشر لنطاق التوسُّع تثبت أنَّ الظروف الأساسية لقطاع الأعمال لا تزال قويةً بشكل جوهري، حيث استطاعت القوة الشرائية والطلب المحلي تعويض الضعف الملحوظ في طلبات التصدير، مما يسلط الضوء على الأهمية المتزايدة للمحرِّك الاقتصادي الداخلي للمملكة في تقليل الاعتماد على الدورات الخارجية.

وعلى الصعيد التشغيلي، شهد شهر أبريل زيادةً سريعةً وغير مسبوقة في أعباء التكاليف، حيث ارتفعت أسعار مستلزمات الإنتاج بأسرع وتيرة لها منذ بدء الدراسة في أغسطس (آب) 2009. وقد أدى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الخام وتكاليف الشحن والخدمات اللوجستية؛ نتيجة الاضطرابات الإقليمية إلى دفع الشركات نحو زيادة شبه قياسية في أسعار مبيعاتها لتمرير هذه التكاليف إلى العملاء.

وأفاد الغيث بأن ديناميكيات سلسلة التوريد تظل مجالاً رئيسياً للتركيز، خصوصاً مع استمرار استطالة مدد التسليم؛ مما دفع الشركات إلى انتهاج سلوك استباقي من خلال زيادة المخزون بوصفه إجراءً احترازياً لضمان استمرارية النشاط.

أحد المولات التجارية في المملكة (واس)

ثقة الشركات

ورغم أنَّ وتيرة التوسُّع التجاري العام لا تزال بطيئةً بالمعدلات التاريخية؛ بسبب حذر المستثمرين والعملاء المحيط بالصراع في الشرق الأوسط، فإنَّ التوقعات المستقبلية تظلُّ مفعمةً بالتفاؤل. فقد أظهرت الدراسة تحسناً في درجة ثقة الشركات تجاه النشاط التجاري للأشهر الـ12 المقبلة، مدفوعة بوقائع التوسُّع طويلة المدى، ومشروعات البنية التحتية المحلية الكبرى.

ويرى الغيث أنَّ استقرار الأسس الاقتصادية المتينة للمملكة يضعها في موقع متميز لمواصلة النمو والاستقرار على المدى الطويل، مؤكداً أنَّ عوامل التفاؤل والطلب المحلي القوي تعزِّز الثقة في مسيرة التحوُّل الاقتصادي للمملكة.

الطلب المحلي

وفي هذا السياق، أكد الدكتور أسامة بن غانم العبيدي، المستشار وأستاذ القانون التجاري لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ هذا الارتفاع في مؤشر مديري المشتريات هو انعكاس لقدرة الشركات السعودية على التعامل مع أزمة مضيق «هرمز» وتداعياتها على سلاسل الإمدادات العالمية، والتي أدت إلى تأخر الواردات والصادرات، وتقييد في النشاط التجاري، وارتفاع أسعار المواد الخام وتكلفة النقل.

وهذا التحسُّن كان مدفوعاً بزيادة الطلب المحلي وبرامج تنويع الاقتصاد الوطني ومشروعات «رؤية 2030» والبنية التحتية، وكذلك ارتفاع الطلب المحلي، إلى جانب تعزيز النشاط الشرائي، ما يعكس الزخم الإيجابي المتصاعد للأنشطة الاقتصادية غير النفطية في المملكة.

وأضاف الدكتور أسامة العبيدي، أنَّ هذا التحسُّن جاء رغم تصاعد ضغوط التكاليف الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الخام وتكلفة النقل وزيادة الأجور.


مقالات ذات صلة

تدشين المرحلة الثالثة من تصدير المنتجات اللبنانية إلى السعودية برياً

الاقتصاد جانب من حفل تدشين المرحلة الثالثة من تصدير المنتجات اللبنانية إلى السعودية (واس)

تدشين المرحلة الثالثة من تصدير المنتجات اللبنانية إلى السعودية برياً

دشّن سفير خادم الحرمين الشريفين لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، اليوم، المرحلة الثالثة من تصدير المنتجات اللبنانية إلى السعودية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الاقتصاد ضيوف في جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية "هيوماين" خلال مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" في الرياض (الشركة)

«هيوماين» تطور جيلاً جديداً من أجهزة الكمبيوتر لتشغيل الذكاء الاصطناعي محلياً

تعمل شركة «هيوماين»، بالتعاون مع «كوالكوم»، على تصميم الجيل الجديد من جهاز «HUMAIN AI PC»، بهدف تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي محلياً على الجهاز.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مطار الملك خالد الدولي بالرياض (مطار الملك خالد)

شركات الطيران تتنافس على «كعكة» أوامر الإركاب السعودية

تدخل سوق الإركاب الحكومي في السعودية مرحلة جديدة من المنافسة مع انضمام مزيد من شركات الطيران إلى الاتفاقيات المخصصة لتلبية احتياجات سفر موظفي الجهات الحكومية.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في السماء (الشركة)

«طيران الرياض» تفتح خيار سفر جديداً أمام موظفي الحكومة في السعودية

«طيران الرياض» تنضم لاتفاقية الإركاب الحكومي عبر «اعتماد»، موسعةً خيارات السفر للموظفين الحكوميين، ومعززةً المنافسة والسعة والوجهات، مع استهداف 100 وجهة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة جوية للعاصمة السعودية الرياض (واس)

الإيرادات التشغيلية في السعودية ترتفع 6.1 % خلال يونيو

أظهرت بيانات «الهيئة العامة للإحصاء» ارتفاع الرقم القياسي للإيرادات التشغيلية في السعودية بنسبة 6.1 في المائة خلال يونيو (حزيران) 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
TT

الدولار يتراجع مع تصاعد قلق الديون الأميركية

رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)
رجل يعد أوراق نقدية من فئة 20 دولاراً (أ ب)

تراجع الدولار الأميركي، يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل خسارة أسبوعية، بعدما خلص المستثمرون إلى أن خطة وزارة الخزانة الأميركية لتوسيع عمليات إعادة شراء السندات قد توفر تهدئة مؤقتة للأسواق، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في تضخم الدين والعجز المالي. وأعاد ذلك المخاوف بشأن جاذبية الأصول الأميركية، ودفع بعض المستثمرين نحو العملات الأخرى والذهب وبتكوين. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن أن الحكومة قد تزيد مشترياتها من سندات الخزانة أكثر، بعد يوم من إعلان الوزارة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل، في محاولة لاحتواء الارتفاع الحاد في العوائد.

كما قال بيسنت إنه ومدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض راسل فوغت سيبدآن جهوداً جديدة لضبط المالية العامة بتوجيه من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلا أن هذه التصريحات لم تكن كافية لإزالة القلق من الأسواق، خصوصاً مع تجاوز الدين الحكومي الأميركي مستوى 40 تريليون دولار.

وبدلاً من ترسيخ الهدوء، عادت سندات الخزانة إلى التراجع بعد انحسار الارتياح الأولي لخطة إعادة الشراء. وارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بنحو 1.4 نقطة أساس إلى 5.2508 في المائة، بينما استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات عند 4.7041 في المائة، بعدما ارتفع 4.5 نقطة أساس في الجلسة السابقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن الأسواق بدأت تنظر إلى ارتفاع العوائد باعتباره مشكلة مالية أكثر منه اضطراباً فنياً في سيولة سوق السندات؛ فإعادة شراء الحكومة للسندات يمكن أن تخفف ضغوط العرض وتحسن السيولة، لكنها لا تقلص وحدها حجم العجز أو احتياجات الاقتراض المستقبلية. وقال فيتالي ميشولام، الاستراتيجي لدى «غولدمان ساكس»، إن الشكوك لا تتعلق بقدرة صناع السياسة على التأثير في العوائد طويلة الأجل؛ إذ يظهر التاريخ إمكانية تحقيق ذلك مؤقتاً، لكن المشكلة الحالية تبدو بصورة متزايدة مالية وليست فنية.

وأضاف أن تجارب الأسواق المتقدمة تظهر إمكانية خفض علاوة الأجل، لكن تجارب الأسواق الناشئة تشير إلى أنه عندما يبدأ المستثمرون التركيز على ديناميكيات تمويل الدين السيادي، تصبح محاولات كبح العوائد أقل فاعلية تدريجياً. وتضرر الدولار من هذه المخاوف. وانخفض مؤشر العملة الأميركية، الذي يقيس أداءها أمام سلة من ست عملات رئيسية، إلى 98.76 نقطة، بالقرب من أدنى مستوياته في ثلاثة أشهر، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تقارب 0.9 في المائة.

وفي المقابل، استقر اليورو بالقرب من أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر عند 1.1693 دولار، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية تبلغ نحو 1 في المائة. وارتفع الجنيه الإسترليني إلى 1.3643 دولار مقترباً من أعلى مستوياته في ستة أشهر، لتصل مكاسبه الأسبوعية إلى نحو 0.8 في المائة.

كما صعد الدولار الأسترالي إلى أعلى مستوى في شهرين ونصف الشهر عند 0.71445 دولار، ووصل الدولار النيوزيلندي إلى 0.59735 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ الأول من يونيو (حزيران).

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات لدى «كومنولث بنك أوف أستراليا»، إن عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تمثل مثالاً آخر على استخدام الحكومة الأميركية أدوات غير تقليدية لإدارة تكاليف الاقتراض، في وقت تعاني فيه البلاد ارتفاع الدين والعجز وعدم اليقين بشأن السياسات.

وترى كونغ أن هذه الإجراءات قد تصبح عاملاً إضافياً يضغط على معنويات المستثمرين تجاه الأصول المقوَّمة بالدولار، وقد تشجع على زيادة التحوط من العملة الأميركية وتنويع المحافظ بعيداً عنها. وفي آسيا، استقر الين عند 159.01 مقابل الدولار. جاء ذلك بعدما أظهرت بيانات تسارع التضخم الأساسي في اليابان خلال يوليو (تموز)؛ ما عزَّز مبررات رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، وهو عامل قد يوفر دعماً إضافياً للعملة اليابانية إذا استمرت توقعات التشديد النقدي. وكان أبرز المستفيدين من القلق بشأن الأصول الأميركية الذهب والبتكوين؛ فقد ارتفعت العملة المشفرة 3.65 في المائة إلى 75. 306.50 دولار، بعدما سجلت أعلى مستوى في أكثر من شهرين، وتتجه إلى مكسب أسبوعي يبلغ نحو 19 في المائة، سيكون الأكبر في عامين ونصف العام.

كما يتجه الذهب الفوري إلى الارتفاع بأكثر من 3 في المائة خلال الأسبوع. وتكشف تحركات الأسواق أن القضية لم تعد تقتصر على قدرة الخزانة الأميركية على تهدئة سوق السندات في الأجل القصير، بل على مدى قدرة واشنطن على تقديم مسار مالي مقنع يحد من نمو الدين والعجز. وحتى تظهر نتائج ملموسة لجهود ضبط المالية العامة، قد يظل الدولار وعوائد السندات عرضة للتقلب، فيما يستمر المستثمرون في البحث عن أدوات للتحوط وتنويع أصولهم بعيداً عن المخاطر الأميركية.


الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
TT

الأسهم الأوروبية تحت ضغط النفط والعوائد

قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)
قاعة التداول في البورصة الألمانية بمدينة فرانكفورت (رويترز)

استقرت الأسهم الأوروبية إلى حد كبير يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسارة أسبوعية ثانية على التوالي، مع استمرار ارتفاع عوائد السندات العالمية وصعود أسعار النفط بفعل تعثر المساعي الدبلوماسية في التوتر الأميركي الإيراني.

وتضع هذه التطورات المستثمرين أمام معادلة أكثر تعقيداً تجمع بين ارتفاع تكاليف التمويل وتجدد مخاطر التضخم واحتمال استمرار الضغوط على أرباح الشركات.

وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة محدودة بلغت 0.06 في المائة إلى 650.79 نقطة بحلول الساعة 07:05 بتوقيت غرينتش، لكنه ظل في طريقه لإنهاء الأسبوع على انخفاض للمرة الثانية توالياً.

وتأتي الضغوط الأساسية من أسواق الدخل الثابت، بعدما عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع، ما أضعف الارتياح الذي أحدثته إجراءات وزارة الخزانة الأميركية في وقت سابق من الأسبوع.

وكانت «الخزانة» قد أعلنت مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل في محاولة لدعم السيولة وتهدئة الارتفاع في تكاليف الاقتراض. كما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الحكومة قد تزيد عمليات إعادة الشراء مستقبلاً، بالتزامن مع طرح إمكانية إطلاق جهود جديدة لضبط المالية العامة.

لكن الأسواق تعاملت مع هذه التدابير باعتبارها علاجاً قصير الأجل أكثر من كونها حلاً للمشكلة الأساسية المتعلقة بارتفاع الدين والعجز الأميركيين. ويكتسب ذلك أهمية مباشرة بالنسبة إلى أوروبا، لأن ارتفاع العوائد الأميركية يميل إلى دفع تكاليف الاقتراض عالمياً إلى الأعلى، ويزيد الضغوط على تقييمات الأسهم، خصوصاً الشركات ذات النمو المرتفع والقطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.

وفي الوقت نفسه، عاد النفط ليشكل مصدراً رئيسياً للقلق بالنسبة إلى المستثمرين الأوروبيين. فقد وسع بيسنت نطاق التهديدات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد إيران، قائلاً إن واشنطن ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على طهران. وأدت هذه التصريحات إلى تقليص الآمال في التوصل إلى انفراجة تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

وصعد خام برنت إلى 94.71 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له في شهر، قبل أن يتراجع جزئياً بفعل عمليات جني الأرباح. ويمثل استمرار النفط قرب هذه المستويات تحدياً مهماً للاقتصاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة. فارتفاع الخام لا يرفع فقط فاتورة الطاقة، بل يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى تكاليف النقل والتصنيع والسلع الاستهلاكية، ما يهدد بإبقاء التضخم أعلى لفترة أطول.

وهذا السيناريو قد يحد بدوره من قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية، ويُبقي عوائد السندات مرتفعة. ومن ثم تواجه الأسهم الأوروبية ضغطاً مزدوجاً بين ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج من جهة، وارتفاع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات من جهة أخرى. ولا تتوزع التداعيات بالتساوي على القطاعات. فقد تصدر قطاع الموارد الأساسية المكاسب بارتفاع 1.3 في المائة، مستفيداً من ضعف الدولار وصعود أسعار الذهب.

وتستفيد شركات التعدين والموارد عادة من ارتفاع أسعار السلع الأولية، ما يوفر للمؤشرات الأوروبية بعض الحماية أمام تراجع القطاعات الأكثر تعرضاً لارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة.

في المقابل، تصبح قطاعات مثل الصناعة والنقل والكيماويات والشركات كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر عرضة لضغوط الهوامش إذا استمر النفط عند مستويات مرتفعة. كما أن الشركات المثقلة بالديون قد تواجه زيادة في تكاليف إعادة التمويل إذا استمرت موجة ارتفاع عوائد السندات العالمية.

وتتجاوز أهمية أزمة الطاقة أرباح الشركات لتصل إلى توقعات النمو الأوروبي. فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة بالتزامن مع تشديد الأوضاع المالية، فقد يتعرض إنفاق المستهلكين والاستثمارات لضغوط إضافية، وهو ما يضع المستثمرين أمام خطر عودة مزيج غير مريح من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.


الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
TT

الذهب يقترب من قمم تاريخية جديدة

مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)
مشغولات في متجر للذهب بمدينة بومباي الهندية (رويترز)

واصل الذهب مكاسبه يوم الجمعة، متجهاً نحو تسجيل ارتفاع أسبوعي للمرة الثالثة على التوالي، في ظل مزيج من ضعف الدولار، وتراجع الثقة في سوق الدين الأميركية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران.

تأتي هذه التحركات في وقت يعيد فيه المستثمرون تقييم مستقبل أسعار الفائدة الأميركية وقدرة واشنطن على احتواء الضغوط المتزايدة في سوق سندات الخزانة. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.4 في المائة إلى 4537.41 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:04 بتوقيت غرينتش، بعدما سجَّل في الجلسة السابقة أعلى مستوياته منذ أوائل يونيو (حزيران).

وبذلك تصل مكاسبه منذ بداية الأسبوع إلى نحو 3.6 في المائة. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.5 في المائة إلى 4593.90 دولار.

يأتي صعود المعدن الأصفر بالتزامن مع تراجع الدولار، الذي اتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية، ما يجعل الذهب المقوم بالعملة الأميركية أقل تكلفة بالنسبة إلى المشترين من حائزي العملات الأخرى.

وقال برايان لان، المدير الإداري في «غولد سيلفر سنترال»، إن ضعف الدولار دعم ليس الذهب وحده، بل المعادن النفيسة عموماً، بالتزامن مع تغيرات كبيرة في عوائد السندات. لكن المحرك الأكثر أهمية للأسواق خلال الأيام الأخيرة كان تدخل وزارة الخزانة الأميركية في سوق الدين. وقال وزير الخزانة، سكوت بيسنت، إنه قد يرفع حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة أكثر، بعدما أعلنت الوزارة، الأربعاء، مضاعفة عمليات إعادة شراء الأوراق المالية طويلة الأجل خلال الربع المقبل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية.

وتستهدف هذه الخطوة تحسين السيولة واحتواء الارتفاع في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، لكنها في الوقت نفسه أثارت نقاشاً أوسع حول أوضاع المالية العامة الأميركية، خصوصاً بعدما تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار. ومن منظور الذهب، تحمل هذه التطورات تأثيرات متعارضة؛ فانخفاض عوائد السندات وضعف الدولار يصبّان عادة في مصلحة المعدن الذي لا يدر عائداً، لكن أي اعتقاد بأن تدخل الخزانة سيؤدي إلى استقرار مستدام في سوق الدين قد يقلل الطلب على الملاذات الآمنة. وتزداد المعادلة تعقيداً بسبب موقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي؛ فقد أبدى مسؤولان في البنك المركزي الأميركي حذراً عند سؤالهما عن تأثير التغييرات التي تجريها وزارة الخزانة في إدارة الدين على السياسة النقدية.

ويرى لان أن الاتجاه المقبل للذهب سيتوقف بدرجة كبيرة على قرارات الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها في توقعات السوق بشأن أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات سوق العمل الأميركية أن طلبات إعانة البطالة الجديدة انخفضت بمقدار 6 آلاف طلب إلى 206 آلاف خلال الأسبوع المنتهي في 15 أغسطس (آب)، في إشارة إلى أن عمليات تسريح العمال لا تزال محدودة، رغم الضعف الذي ظهر في بيانات التوظيف خلال يوليو (تموز).

وتمنح متانة سوق العمل الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للاستمرار في التركيز على التضخم بدلاً من الإسراع نحو تخفيف السياسة النقدية. وتشير تسعيرات الأسواق إلى احتمال يبلغ نحو 63 في المائة للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير الشهر المقبل، مقابل احتمال بنحو 37 في المائة لرفعها. وهنا تظهر إحدى أهم المخاطر أمام استمرار ارتفاع الذهب؛ فعلى الرغم من أن المعدن يُستخدم تقليدياً للتحوط من التضخم والاضطرابات المالية، فإن ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقارنة بالسندات والأصول المدرة للعائد.

في المقابل، توفر التطورات الجيوسياسية دعماً إضافياً للأسعار؛ فقد قال بيسنت إن الولايات المتحدة ستفرض «أقسى عقوبات في التاريخ» على إيران؛ ما يعزز حالة عدم اليقين المحيطة بالشرق الأوسط وأسواق الطاقة.

وأي تصعيد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط قد يزيد توقعات التضخم ويعزز الطلب على الذهب بوصفه أداة للتحوط. وامتدت موجة الصعود إلى بقية المعادن النفيسة، إذ ارتفعت الفضة 1.3 في المائة إلى 68.93 دولار للأوقية، وصعد البلاتين 2 في المائة إلى 1865.29 دولار، بينما زاد البلاديوم 0.8 في المائة إلى 1344.44 دولار، وتتجه المعادن الثلاثة أيضاً إلى تحقيق مكاسب أسبوعية. وبالنسبة إلى المستثمرين، تبدو حركة الذهب المقبلة مرتبطة بثلاثة متغيرات رئيسية؛ هي اتجاه الدولار، ومستويات عوائد سندات الخزانة، وقرار الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر (أيلول).

وإذا استمرت المخاوف بشأن الدين الأميركي بالتزامن مع ضعف الدولار والتوترات الجيوسياسية، فقد يحتفظ الذهب بزخمه الصعودي. أما عودة العوائد للارتفاع بقوة، خصوصاً إذا ازدادت احتمالات تشديد السياسة النقدية، فقد تشكل الاختبار الأكبر للمعدن، بعد ثلاثة أسابيع متتالية من المكاسب.