ما مخاطر خطة ترمب لحصار مضيق هرمز؟

TT

ما مخاطر خطة ترمب لحصار مضيق هرمز؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

بينما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع نزالات «يو إف سي» في ميامي مساء السبت، كان نائبه جي دي فانس يضع نهاية مخيبة لآمال السلام بإعلانه فشل المحادثات الماراثونية مع إيران في باكستان.

ولم ينتظر العالم طويلاً ليعرف رد فعل البيت الأبيض؛ حيث أعلن ترمب صباح الأحد عن فرض «حصار بحري» شامل على الممرات المائية الحيوية، في خطوة تهدف إلى تغيير ديناميكيات الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) الماضي، والتي يواجه فيها ترمب صعوبة بالغة في الخروج منها بعد أن قلل من قدرة طهران على خنق تجارة الطاقة العالمية، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

من كاراكاس إلى طهران

يسعى ترمب من خلال هذا الانعطاف الاستراتيجي إلى تطبيق «نموذج فنزويلا» الذي أطاح بمادورو، لكن هذه المرة في أكثر ممرات العالم حيوية. الحصار الذي يبدأ تنفيذه فعلياً يوم الاثنين، يستهدف خنق القدرة المالية للدفاع الإيراني عبر منع صادرات النفط ومنع طهران من تحصيل رسوم العبور القسري.

وصرح ترمب لشبكة «فوكس نيوز» بنبرة حازمة: «سنطبّق حصاراً كاملاً.. لن نسمح لإيران بجني الأموال من بيع النفط.. فعلنا ذلك في فنزويلا وسنفعل شيئاً مشابهاً هنا، ولكن على مستوى أعلى بكثير».

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

تهديد مباشر لاستقرار الطاقة والهدنة

يرى محللون أن هذه العملية العسكرية تخاطر بزعزعة استقرار أسواق الطاقة العالمية بشكل غير مسبوق، مما قد يؤدي إلى موجة غلاء جديدة في أسعار النفط تفوق تلك التي حدثت في بدايات النزاع.

ولا يقتصر الخطر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليهدد «وقف إطلاق النار» الهش الذي تم الاتفاق عليه بين واشنطن وطهران يوم الثلاثاء الماضي، مما ينذر بعودة المواجهات المباشرة.

وفي هذا السياق، صرحت جنيفر كافانو، مديرة التحليل العسكري في معهد «Defense Priorities» بواشنطن، بأن إغلاق المضيق بالكامل سيؤدي إلى قفزة جنونية في الأسعار، مما سيضع الإدارة الأميركية تحت ضغط دولي هائل ومباشر.

وأضافت كافانو أن هذا القرار يعكس بوضوح مدى «الإحباط" الذي يشعر به الرئيس ترمب، ويشير إلى أنه بات في «نهاية خياراته المتاحة» للخروج من أزمة الحرب التي بدأت في فبراير الماضي، وفق «فاينانشال تايمز».

ويمكن تلخيص المخاطر الجيوسياسية المترتبة بالآتي:

  • تآكل الدعم الدول: الضغط على إمدادات الطاقة العالمية قد يقلب حلفاء واشنطن ضد سياساتها التصعيدية في المنطقة.
  • انهيار المسار الدبلوماسي: الحصار البحري يُنهي عملياً أي فرصة لتطوير وقف إطلاق النار الحالي إلى اتفاق سلام دائم.
  • انفجار الأسعار: تقديرات تشير إلى أن الأسواق قد لا تتحمل صدمة إمدادات جديدة، مما يجعل الحصار «سلاحاً ذا حدين» يضرب الاقتصاد العالمي بقدر ما يضرب الداخل الإيراني.

التضخم العالمي في «دوامة مهلكة»

لا تتوقف الصدمة عند النفط فحسب؛ فقد حذر خبراء من أن أسعار الأسمدة والهيليوم - وهما مدخلات أساسية لإنتاج الغذاء وأشباه الموصلات - ستواصل الارتفاع، مما يغذي تضخماً عالمياً متسارعاً. وأشار بنك "باركلي" إلى أن «الندوب الاقتصادية» الناتجة عن الهجمات على منشآت الطاقة قد تضع إمدادات آسيا الناشئة تحت ضغط مستمر، في حين يستعد صندوق النقد والبنك الدوليان لخفض توقعات النمو العالمي ورفع توقعات التضخم.

الصين في مرمى النيران

يضع الحصار الأميركي لمضيق هرمز الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في مواجهة مباشرة وحرجة مع إدارة ترمب؛ فبكين لا تزال المستورد الأكبر للنفط الإيراني، واستمرار تدفق هذه الشحنات عبر المضيق منذ اندلاع الحرب يمثل شريان حياة لطهران وتحدياً صريحاً للإرادة الأميركية.

ويرى المحللون أن فرض حظر شامل على الناقلات التي تحمل الخام الإيراني يهدد بقطع هذه الإمدادات الحيوية عن الصين، مما قد يؤدي إلى اشتعال التوترات بين واشنطن وبكين إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة وأن هذا التصعيد يأتي قبيل زيارة ترامب المقررة إلى الصين الشهر المقبل.

ولم تتوقف الضغوط الأميركية عند حدود الحصار البحري، بل امتدت لتشمل «حرباً تجارية» موازية؛ حيث هدّدت إدارة ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية باهظة تصل إلى 50 في المائة على الواردات الصينية في حال ثبت قيام بكين بتزويد طهران بمعدات دفاعية متطورة. هذا الخيار يضع القيادة الصينية أمام اختبار صعب للموازنة بين أمن طاقاتها ومصالحها التجارية مع الولايات المتحدة.

وفي حين يرى خبراء أن ترمب قد يتراجع عن هذه التهديدات لتجنب صدام شامل، إلا أن إدراج الصين في قائمة الاستهداف ضمن استراتيجية الحصار يرفع من احتمالات وقوع سوء تقدير قد يجر القوى العظمى إلى نزاع يتجاوز حدود الشرق الأوسط ليصل إلى قلب النظام التجاري العالمي.

كواليس إسلام آباد

كشف مسؤولون أميركيون أن قرار الحصار جاء نتيجة لما وصفوه بـ«التعنت الإيراني» في محادثات إسلام آباد، حيث رفضت طهران مطالب واشنطن الصارمة بتفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم ووقف تمويل الجماعات الوكيلة.

وبينما يأمل فانس أن يجبر هذا الضغط طهران على الرضوخ، يرى البروفسور ولي نصر أن طهران تراهن على أن «الخنق العالمي» يخدمها عبر وضع الاقتصاد الدولي تحت ضغط لا تطيقه واشنطن، محذراً من احتمال امتداد الرد الإيراني لإغلاق مضيق باب المندب أيضاً.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

المعضلة العملياتية

تطرح كافانو تساؤلاً حارقاً حول واقعية التنفيذ: «ماذا لو كانت السفينة المارة تابعة لدولة حليفة وقررت دفع الرسوم لإيران لتجنب الصدام؟ هل ستصادر أميركا ناقلات حلفائها أو السفن الصينية؟».

ويحذر المحللون من أن المقارنة مع فنزويلا قد تكون مضللة؛ فالنظام الإيراني قضى عقوداً في بناء «اقتصاد حرب» وبيروقراطية متجذرة مستعدة للمواجهات غير المتكافئة، فضلاً عن امتلاكه حدوداً برية مع 15 دولة توفر له رئات بديلة للتنفس عبر العراق وتركيا وروسيا.

بين رغبة ترمب في الخروج السريع من «وحل» الحرب وواقعية التعنت الإيراني، يقف العالم اليوم أمام برميل بارود؛ فالحصار لا يستهدف السفن فحسب، بل يضع استقرار النظام المالي العالمي برمته في مهب الريح.


مقالات ذات صلة

قاليباف: «قواعد اللعبة تغيرت» مع واشنطن

شؤون إقليمية قاليباف يبدأ جلسة أسبوعية يحضرها أغلبية أعضاء البرلمان عبر الإنترنت (موقع البرلمان الإيراني)

قاليباف: «قواعد اللعبة تغيرت» مع واشنطن

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأحد، إن «عصر الردود المتناسبة قد انتهى»، متوعداً بأن أي هجمات مستقبلية تستهدف مصالح إيران.

الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يرفع طاقته التصديرية النفطية لأكثر من 3 ملايين برميل يومياً

رفع العراق طاقته التصديرية للنفط إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وفق ما نقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير النفط...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتجه إلى الصعود على متن الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند يوم 4 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

ترمب وحرب إيران... تهدئة انتخابية أم تصعيد مؤجل؟

لا يمكن فصل إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على وصف الحرب مع إيران بأنها «أمر بسيط» عن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

استخبارات أميركية: إيران تستعد لإطالة الحرب

أصبحت إيران أكثر جرأة في مهاجمة أهداف في الشرق الأوسط، وتبدو مصممة على إطالة أمد الصراع مع الولايات المتحدة لأشهر، وفق تقارير استخباراتية أميركية حديثة.

جوليان بارنز (واشنطن) داستن فولز (واشنطن)
الاقتصاد أسعار محطات وقود «شيفرون» معروضة في لاس فيغاس 3 سبتمبر 2026 (أ.ب)

أكثر من 4 دولارات للغالون... أسعار البنزين تصبح مصدر قلق للمستهلك الأميركي

يواجه الأميركيون أسعار بنزين مرتفعة لمستويات لم يسبق لها مثيل خلال عطلة عيد العمال، إذ تواصل الحرب في الشرق الأوسط التسبب في رفع تكاليف الطاقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
TT

«أكوا» السعودية تحقق التشغيل التجاري لمنظومة مرافق «البحر الأحمر»

مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)
مشروع «أكوا مرافق البحر الأحمر» (أكوا)

أعلنت شركة «أكوا» السعودية، اليوم (الأحد)، تحقيق تاريخ التشغيل التجاري (PCOD) لمنظومة المرافق المتكاملة في وجهة «البحر الأحمر»، التي تعمل بالطاقة المتجددة ومن دون اتصال بالشبكة الوطنية، إيذاناً ببدء فترة الامتياز البالغة 25 عاماً.

وجاء ذلك بعد توقيع شهادة تاريخ التشغيل التجاري للمشروع بين شركة «مرافق البحر الأحمر للطاقة»، وهي شركة المشروع، وشركة «مرافق البحر الأحمر» التابعة لـ«البحر الأحمر الدولية».

وتضم المنظومة محطة للطاقة الشمسية الكهرضوئية بقدرة 340 ميغاواط تيار متردد، مقترنة بنظام لتخزين الطاقة بالبطاريات بسعة 1227 ميغاواط/ ساعة، وهو ما تصفه «أكوا» بأنه أكبر نظام بطاريات خارج الشبكة تم إنشاؤه على مستوى العالم.

وتوفر المنظومة حالياً خدماتها للفنادق العاملة التابعة لـ«البحر الأحمر الدولية»، إلى جانب مطار البحر الأحمر الدولي، والمركز اللوجستي، وأسطول المركبات الكهربائية، وقرية الموظفين، والمرافق المجتمعية الداعمة.

الطرفان عقب التشغيل (أكوا)

وتنتج منظومة التوليد ما يصل إلى 760 ألف ميغاواط/ ساعة من الطاقة النظيفة سنوياً، بما يسهم في تجنب انبعاث نحو 600 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً عند تشغيلها بكامل طاقتها.

ويشمل المشروع 3 محطات لتحلية مياه البحر بتقنية التناضح العكسي، ومركزاً لإدارة النفايات، ومحطة لمعالجة مياه الصرف الصحي بطاقة 16 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى منظومة لتبريد المناطق بطاقة إجمالية تبلغ 32500 طن تبريد.

وكان الإغلاق المالي للمشروع قد تمَّ في فبراير (شباط) 2022، من خلال تسهيلات تمويل رئيسية بقيمة نحو 1.33 مليار دولار، من إجمالي استثمارات تبلغ نحو 1.84 مليار دولار، قدمتها بنوك سعودية ودولية.

وتتولى شركة «مرافق البحر الأحمر للطاقة» تطوير وتشغيل منظومة المرافق بموجب اتفاقية امتياز تمتد 25 عاماً، بينما تتولى «أكوا للعمليات» أعمال التشغيل والصيانة بموجب اتفاقية طويلة الأجل. وتشمل ملكية شركة المشروع «أكوا»، وSPIC «هوانغ خه للطاقة الكهرومائية»، و«تبريد السعودية»، وفق بيانات «أكوا».

وقال محمد أبونيان، مؤسس ورئيس مجلس إدارة «أكوا»، إن المشروع «يضع معياراً عالمياً جديداً للتنمية المستدامة»، مشيراً إلى أن دمج الطاقة المتجددة والمياه والخدمات البيئية ضمن منظومة واحدة يبرهن على إمكانية تطوير بنية تحتية بهذا الحجم مع الحفاظ على الموارد الطبيعية.

من جانبه، قال جون باغانو، الرئيس التنفيذي لمجموعة «البحر الأحمر الدولية»، إن تشغيل الوجهة من دون اتصال بالشبكة الوطنية وتزويدها بالكامل بالطاقة من مصادر متجددة يبرهن على قدرة البنية التحتية المستدامة على دعم نموذج سياحي يسهم في حماية البيئة الطبيعية والمجتمعات.

وخلال مرحلة الإنشاء، سجَّل المشروع 30 مليون ساعة عمل آمنة دون وقوع إصابات مضيعة للوقت (LTI)، وفق «أكوا».

وتخضع منظومة المرافق لمتطلبات بيئية، تشمل تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، والحصول على التصاريح اللازمة من المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي، مع استمرار عمليات الرقابة والمتابعة للالتزام البيئي خلال مرحلة التشغيل.

كما أسهم المحتوى المحلي في مراحل إنشاء المشروع، من خلال توريد المعدات والمواد والخدمات من موردين سعوديين، كلما سمحت المواصفات الفنية بذلك، إلى جانب مشاركة مهندسين وفنيين سعوديين في تنفيذ أعمال منظومات الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة وتحلية المياه والتبريد.

وعلى مدى فترة الامتياز البالغة 25 عاماً، تستمر أعمال تشغيل وصيانة منظومة المرافق داخل المملكة، مع تطوير كوادر محلية، والاستفادة من الموردين السعوديين في توريد قطع الغيار والمواد الاستهلاكية المستوفاة للمعايير المطلوبة.


سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

سندات لبنان تسعّر التعافي قبل اكتمال التسوية

سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
سكان يتفقدون الدمار في صباح اليوم التالي لغارة جوية ليلية شنها الجيش الإسرائيلي واستهدفت قرية ميفدون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تغرّد «سندات لبنان الدولية (اليوروبوندز)» خارج نطاق الخسائر المالية الجسيمة الناجمة عن جولات الحرب، وبمنأى عن حال الانكماش الحاد التي أصابت المؤشرات الاقتصادية الأساسية، لتقترب مجدداً من عتبة 30 في المائة من قيمتها الاسمية، بعد ارتفاعات متتالية قاربت نسبها المجمعة الأعلى، نحو 28 في المائة من بداية السنة، وفق توزيع الشرائح والاستحقاقات.

ويثير الإقبال الأجنبي على حيازة السندات، والمساهمة تلقائياً في رفع أسعار تداولها، تساؤلات محقّة بشأن التوقعات الاستثمارية وخلفياتها، في ظل استمرار توغّل البلد واقتصاده في حال «عدم اليقين»، المعزّزة بحروب تدميرية ومخاوف مشروعة من احتمالات تجدّدها أو توسع نطاقها، بينما يستمر التباطؤ من قبل الحكومة في تحديد خريطة طريق إعادة هيكلة الدين العام، ويتعثر عقد اتفاق تمويلي مساند مع «صندوق النقد الدولي» بسبب العجز عن استكمال الاستجابة لشروطه الحاكمة.

وتشير المؤسسة المصرفية الدولية «غولدمان ساكس»، في تقييم محدث، إلى أن «مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع لا يزال عالقاً»، وهو عنصر أساسي في أي تسوية شاملة للأزمة المالية. في حين تنوه بأن إقرار «قانون إعادة هيكلة المصارف» المعدّل في أغسطس (آب) الماضي، أزال عقبة مهمة من أمام برنامج محتمل مع «صندوق النقد» وإعادة هيكلة الدين.

ولم يكن عابراً في التقييم الجديد من المؤسسة الدولية، الذي وردت خلاصاته في تحليل من بنك «بلوم أنفست»، التنويه بأن بلوغ أسعار السندات عتبة 30 سنتاً لكل دولار، ربما ينطوي على تفاؤل «أكبر من اللازم» أو مبالغ فيه، بوصف أن الطريق لإعادة هيكلة الدين العام لا تزال تواجه عقبات جيوسياسية وتشريعية كبيرة.

«مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

ومن دون مواربة، وأبعد من مجرد القول إن الأسعار مرتفعة، تعدّ المؤسسة أن حلّ مسألة سلاح «حزب الله» وإعادة احتكار الدولة استخدام القوة يمثل، عملياً، شرطاً مهماً للحصول على دعم مالي دولي واسع، حتى لو لم يكن ذلك شرطاً رسمياً لـ«صندوق النقد». في حين أن استمرار خطر الصراع يجعل التقدم نحو إعادة هيكلة الدين صعباً؛ ولهذا تحديداً، فإن التداول السوقي للسندات بأسعار مرتفعة حالياً (29 سنتاً للدولار)، لا يعكس، بصورة كافية، المخاطر المتبقية.

ويقع ضمن الشروط الدولية لاستدامة الدين وتدفق التمويلات والقروض الخارجية، وفق مسؤول مالي رفيع المستوى تواصلت معه «الشرق الأوسط»، مبادرة وزارة المال إلى إطلاق جولات مفاوضات مباشرة مع الدائنين، توخياً لإبرام اتفاقية رضائية تحدّد قيم السداد للأصول والفوائد والجدول الزمني الجديد، تبعاً لتوفر الإمكانات المالية وفائض الموازنة؛ مما يشكل المدخل البديهي لعودة لبنان، بقطاعيه العام والخاص، إلى الأسواق المالية الدولية.

ويرتقب، في حال «تقدم» التسويات الكبرى ونجاحها في تكريس سيادة الدولة ومرجعيتها السيادية في قرارات الحرب والسلم، والتقدم الموازي في الإصلاحات المالية، تبيان التأثير الأوضح على قيمة هذه الأصول المستحقة، من خلال تيسير المفاوضات المباشرة مع الدائنين المحليين والأجانب، لا سيما بعد تحرّر الموازنة تقنياً وفعلياً من نحو ثلثي قيمة الدين العام المحرر بالليرة، الذي «تبخرت» قيمته الحقيقية إلى أقل من مليار دولار؛ من جراء الانهيار الكارثي لسعر الصرف.

وتشير الترقبات الاستثمارية إلى أن عملية إعادة هيكلة هذه الشريحة من الديون العامة، وفق الخيارات التي أوردتها مؤسسات مالية ووكالات تصنيف دولية، بينها «مورغان ستانلي» و«موديز»، ستفضي إلى شطب نحو 65 في المائة من قيمتها الاسمية، أي بنسبة استرداد تبلغ 35 في المائة، وربما ترتقي إلى نسبة 40 و45 في المائة، وفق سيناريو أكبر تفاؤلاً يفترض رفد الإصلاحات بخطة مالية متوسطة المدى وبإعادة تنشيط القطاع المالي، أو تنحدر إلى نحو 25 في المائة في حال المراوحة وبطء الإصلاحات الهيكلية وتعذر عقد الاتفاق مع «صندوق النقد».

الدخان يتصاعد في جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية على مدينة عربصاليم (رويترز)

وتضم قائمة حاملي «اليوروبوندز» بنوكاً ومؤسسات مالية وصناديق استثمارية دولية، بينها «بلاك روك»، و«آشمور»، بنسب مجمّعة حاكمة تتعدّى 40 في المائة، إلى جانب المصارف المحلية، و«المصرف المركزي»، ومستثمرين محليين وأجانب. في حين، تنص العقود القانونية للإصدارات على الاحتكام إلى محاكم نيويورك، وإلزامية موافقة 75 في المائة من الدائنين على أي اتفاقية جديدة تتضمن إعادة هيكلة قيم السداد وخفض الفوائد وتمديد مهل الاستحقاقات.

ومن المرجّح، وفق المسؤول المالي، أن الطلب الاستثماري على السندات اللبنانية يلاحق جولات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ويترقب احتمال انتهائها إلى اتفاق متكامل؛ مما ينعش التطلعات لتغيير الصورة النمطية في أبعادها الجيوسياسية، لا سيما لجهة تنامي قدرات الدولة على بسط سلطاتها المركزية، وحل معضلة السلاح «غير الشرعي»، شرطاً لازماً لتدفق الدعم الخارجي، إقليمياً ودولياً.

كما تسهم معطيات إصلاحية جزئية أو غير مكتملة في عكس إشارة واعدة لإغناء البعد المالي صوب تحقيق التوازن الفعلي المنشود، الذي يمهّد لاعتماد استراتيجية استدامة الدين العام، الكفيلة شرطياً بجذب الدعم والتمويل، لا سيما أن حزمة الإصلاحات «المتأخرة» متنوعة، وتشمل، خصوصاً، إطلاق غالبية الهيئات الناظمة في قطاعات حيوية وأساسية، والوقف التام لتمويل قطاع الكهرباء عبر سلفات الخزينة، وتحسّن إدارة المالية العامة، ورفع سقوف الإنفاق، بما يستجيب لردم جزء من فجوات مخصصات القطاع العام، واستمرار العمل على تنمية موارد الخزينة وتحقيق فوائض أولية في الموازنة، مع التقدير بطابعها الدفتري أو النظري، ما دام يجري عزل موجبات الدين العام.

ولا تكمن الأهمية الخاصة لهذه المحفظة في قيمة أصولها الدفترية البالغة نحو 30.6 مليار دولار، وتراكم فوائدها بنحو 15 مليار دولار، ولا بوصفها، العبء الأكبر على مالية الدولة المنهكة، بل في أنها تحولت، وفق المسؤول المالي، إلى نواة الانفجارات النقدية والمالية التي توالت بسرعة قياسية، عقب قرار الحكومة الأسبق، في ربيع عام 2020، بالامتناع عن دفع المتوجبات المستحقة من الأصول والفوائد، وتكفلت بإخراج لبنان وقطاعه المالي من الأسواق المالية الدولية، لتبلغ مستوى أزمة نظامية عاتية ضربت أسس النظام المالي، وتستمر ارتداداتها لسابع عام على التوالي.


الصين تعزز «حصونها» المالية بـ47 مليار دولار

زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
TT

الصين تعزز «حصونها» المالية بـ47 مليار دولار

زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)
زوار يتجولون داخل جناح «البنك الصناعي والتجاري الصيني» في «معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات» (رويترز)

تعتزم الصين ضخ نحو 47 مليار دولار في بنوك وشركات تأمين حكومية، في تحرك منسق لتعزيز رؤوس أموال المؤسسات المالية ودعم قدرتها على مواجهة المخاطر ومواصلة تمويل الاقتصاد.

وقالت 3 شركات تأمين إن وزارة المالية الصينية ستضخ 57 مليار يوان (نحو 8 مليارات دولار) في رؤوس أموالها، في إطار جهود بكين لتعزيز متانة النظام المالي.

وستحصل «تشاينا لايف إنشورنس غروب»؛ كبرى شركات التأمين على الحياة في الصين، على 35 مليار يوان، فيما تحصل «تشاينا تايبينغ إنشورنس غروب» على 7 مليارات يوان، وفق بيانين منفصلين من الشركتين.

وفي الوقت نفسه، قالت «بيبولز إنشورنس كومباني أوف تشاينا» إنها تخطط لجمع ما يصل إلى 15 مليار يوان من خلال طرح خاص لأسهم من الفئة «إيه» لمصلحة وزارة المالية، على أن تستخدم حصيلة الطرح لتعزيز رأسمال الشركة.

وقالت «تشاينا لايف» إن ضخ رأس المال يمثل خطوة مهمة لتعزيز قدرة القطاع المالي على خدمة الاقتصاد الحقيقي ودعم التطوير عالي الجودة لقطاعي المال والتأمين، مضيفة أن العملية ستعزز قدرة المجموعة على مواجهة المخاطر.

من جانبها، قالت «تايبينغ» إن الأموال الجديدة ستدعم ملاءتها المالية ومؤشرات رئيسية أخرى.

دعم البنوك الحكومية

وتشمل خطة تعزيز رؤوس الأموال أيضاً أكبر البنوك الحكومية الصينية.

وقال «أغريكلتشرال بنك أوف تشاينا» و«إندستريال آند كومرشال بنك أوف تشاينا» إنهما يخططان لجمع ما يصل إلى 160 مليار يوان و100 مليار يوان على التوالي، من خلال طرح خاص لأسهم من الفئة «إيه» لمصلحة وزارة المالية و«شركة التبغ الوطنية الصينية» والشركات التابعة لها.

وأكد البنكان أن حصيلة الطرح ستستخدم بالكامل لتعزيز رأس المال الأساسي من «المستوى الأول (Core Tier 1)»، بما يدعم قدرتهما على مواصلة التوسع في الإقراض.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تعتمد فيه بكين بصورة متصاعدة على البنوك الحكومية لدعم النمو الاقتصادي؛ مما يجعل تعزيز قواعدها الرأسمالية عاملاً مهماً للحفاظ على قدرتها في تقديم الائتمان للاقتصاد.

ويعكس التحرك رغبة السلطات الصينية في تقوية القطاع المالي من الداخل، عبر رفع مستويات رأس المال لدى المؤسسات الحكومية الكبرى، بما يمنحها مساحة أكبر لتحمل المخاطر والاستمرار في تمويل الاقتصاد في ظل الضغوط التي تواجه النمو.