لماذا تهاوت العملات الآسيوية أمام الدولار رغم رياح التغيير؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي و1000 دولار تايواني (أ.ف.ب)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي و1000 دولار تايواني (أ.ف.ب)
TT

لماذا تهاوت العملات الآسيوية أمام الدولار رغم رياح التغيير؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي و1000 دولار تايواني (أ.ف.ب)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي و1000 دولار تايواني (أ.ف.ب)

في الوقت الذي كانت تتجه فيه الأنظار نحو الأسواق الآسيوية انتظاراً لما وُصف بـ«انهيار جليدي» من الارتفاعات المتتالية لعملات المصدرين عقب سياسات الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة دونالد ترمب، جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، حيث شهدت المنطقة مشهداً مغايراً تماماً تمثل في تراجع حاد للعملات الرئيسية أمام الدولار، وهو تراجع لم تكسره حتى حالة الضعف التي أصابت العملة الأميركية أمام نظرائها في مجموعة السبع مثل اليورو والجنيه الإسترليني. هذا التناقض وضع الأسواق في حالة من الحيرة، خصوصاً أن الين الياباني والوون الكوري الجنوبي يتداولان بالقرب من أدنى مستوياتهما منذ عقود، في وقت تضيق فيه فجوة أسعار الفائدة مع الولايات المتحدة وتستمر هذه الدول في تحقيق فوائض تجارية ضخمة، وفق ما ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز».

شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب وسعر صرف العملات الأجنبية (أ.ب)

ضعف لم يأتِ من فراغ

ويرى المحللون أن هذا الضعف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تداخل معقد بين الطفرة التكنولوجية والسياسات المالية المحلية؛ ففي تايوان وكوريا الجنوبية، أدى الهوس العالمي بالذكاء الاصطناعي إلى تدفقات رأسمالية ضخمة خارج المنطقة باتجاه الأصول الأميركية، حيث فضّل المستثمرون الأفراد والمؤسسات الكبرى؛ مثل شركات التأمين التايوانية، وشراء السندات والأسهم في الولايات المتحدة بدلاً من الاحتفاظ بالسيولة في الداخل. هذه الرغبة المحمومة في اقتناص الفرص في السوق الأميركية، شكلت ضغطاً مستمراً على العملات المحلية، وزاد من حدتها تغيير القواعد المحاسبية التي قلصت الحاجة للتحوط من مخاطر العملات الأجنبية.

«صفقات ترمب»

على جانب آخر، تبرز «صفقات ترمب» بوصفها عاملاً حاسماً في تفسير هذا التراجع؛ فالالتزامات الضخمة التي تعهدت بها اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان باستثمار مئات المليارات من الدولارات داخل الأراضي الأميركية بوصفها جزءاً من اتفاقيات تجارية لتفادي الرسوم الجمركية، خلقت مخاوف من نزيف رأسمالي هائل. ويرى خبراء في إدارة الأصول أن هذه الدول تجد نفسها الآن في مأزق تأمين التمويل لهذه الاستثمارات المليارية، مما يضعف الطلب على عملاتها المحلية، خصوصاً مع بقاء التهديدات الجمركية قائمة، كما حدث مؤخراً مع كوريا الجنوبية بسبب تعثر تشريعات الاتفاقية في البرلمان، وهو ما دفع سيول إلى زيادة سقف إصدار سندات العملات الأجنبية للدفاع عن قيمة الوون.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود التدفقات الخارجية؛ بل تمتد لتشمل القلق من السياسات المالية الداخلية، لا سيما في اليابان، حيث أثارت التوجهات التوسعية لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، مخاوف الأسواق من عدم الانضباط المالي، مما تسبب في موجات ارتدادية أثرت على بقية عملات المنطقة. وفي الوقت ذاته، تبرز أزمة هيكلية تتمثل في شيخوخة السكان بشرق آسيا وفائض المدخرات، مما يجعل هذه الاقتصادات مرتهنة لنموذج نمو يعتمد كلياً على التصدير، وهو نموذج يتطلب بالضرورة عملات ضعيفة للحفاظ على التنافسية، حتى لو أثار ذلك غضب واشنطن التي ترى في هذه الفوائض التجارية خللاً في النظام العالمي.

أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي و1000 دولار تايواني (أ.ف.ب)

اليوان الصيني استثناء

وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبدو اليوان الصيني استثناء وحيداً، حيث نجح في تعزيز قيمته أمام الدولار خلال الأشهر الستة الماضية مدعوماً بفائض تجاري متضخم، مما زاد من الضغوط الدولية على بكين للسماح لعملتها بمزيد من الارتفاع. ورغم أن توقعات «الانهيار الجليدي» الإيجابي لم تتحقق كما كان مأمولاً، فإن بعض مديري المحافظ لا يزالون يراهنون على أداء أفضل للعملات الآسيوية خلال عام 2026، شرط اختيار الدولة المناسبة والرهان على تحولات قد تطرأ في السياسات النقدية والتدخلات المنسقة بين القوى الكبرى لتهدئة تقلبات الأسواق.


مقالات ذات صلة

المخاطر الجيوسياسية تدفع بنوكاً مركزية إضافية لتعزيز حيازاتها من الذهب

الاقتصاد بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في شرق الصين (أ.ف.ب)

المخاطر الجيوسياسية تدفع بنوكاً مركزية إضافية لتعزيز حيازاتها من الذهب

قال مجلس الذهب العالمي، الثلاثاء، إن دور الذهب كأداة تحوط ضد تراجع الدولار والمخاطر الجيوسياسية سيحفز البنوك المركزية الغائبة عن السوق على شراء المعدن النفيس.

«الشرق الأوسط» (كانبيرا)
الاقتصاد يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)

الأسواق الآسيوية تقلص مكاسبها المبكرة وسط تذبذب النفط والنفي الإيراني

قلّصت الأسهم في الأسواق الناشئة بآسيا مكاسبها المبكرة خلال تعاملات، الثلاثاء، حيث سيطر القلق على المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية لصدمة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مصفاة النفط في مصفاة النفط العالمية في لوس أنجليس (إ.ب.أ)

النفط يعاود الارتفاع بعد نفي إيراني للتفاوض مع واشنطن

ارتفعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، يوم الثلاثاء، وسط مخاوف بشأن الإمدادات، حيث نفت إيران إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد عرض سبائك ذهبية تزن كل منها 1000 غرام في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يمحو مكاسب «الهدنة» ويعمق خسائره إلى 2% بضغط من الدولار

شهدت أسعار الذهب تذبذباً حاداً، يوم الثلاثاء، حيث عاود الهبوط بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن الهدنة مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير الطاقة الأميركي يتحدث في مؤتمر «سيراويك» في هيوستن (أ.ف.ب)

وزير الطاقة الأميركي: اضطرابات سوق النفط «مؤقتة»

قال وزير الطاقة الأميركي، كريس رايت، يوم الاثنين، إن اضطرابات سوق النفط «مؤقتة»، في ظلّ ارتفاع الأسعار نتيجة للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)

المخاطر الجيوسياسية تدفع بنوكاً مركزية إضافية لتعزيز حيازاتها من الذهب

بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في شرق الصين (أ.ف.ب)
بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

المخاطر الجيوسياسية تدفع بنوكاً مركزية إضافية لتعزيز حيازاتها من الذهب

بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في شرق الصين (أ.ف.ب)
بائعة تقوم بتعديل مجوهرات ذهبية معروضة للبيع في متجر بمدينة ليانيونغانغ في شرق الصين (أ.ف.ب)

قال مسؤول تنفيذي في مجلس الذهب العالمي، يوم الثلاثاء، إن دور الذهب كأداة تحوط ضد تراجع الدولار والمخاطر الجيوسياسية من المتوقع أن يحفز البنوك المركزية الغائبة عن السوق على شراء المعدن النفيس هذا العام.

وأضاف شاوكاي فان، الرئيس العالمي لقسم البنوك العالمية في مجلس الذهب العالمي، أن البنوك المركزية في غواتيمالا وإندونيسيا وماليزيا اشترت الذهب في الأشهر الأخيرة، إما بعد انقطاع طويل أو لأول مرة على الإطلاق.

وقال: «من الظواهر التي لاحظناها في الأشهر القليلة الماضية دخول بنوك مركزية جديدة، أو بنوك مركزية كانت غائبة عن سوق الذهب لفترة طويلة، إلى هذا السوق». وأضاف: «أعتقد أن هذا الاتجاه قد يستمر حتى عام 2026».

وأوضح فان، دون الخوض في التفاصيل، أن بعض البنوك المركزية تشتري الذهب من المنتجين المحليين الصغار لدعم الصناعة المحلية ومنع وصول مبيعات الذهب إلى جهات غير مشروعة.

وصرح فان لوكالة «رويترز» على هامش أسبوع المعادن في كانبيرا، أن أسعار الذهب انخفضت هذا الشهر بأكثر من 1000 دولار للأونصة، لتصل إلى نحو 4340 دولاراً، وتشير الاتجاهات التاريخية إلى أن ذلك يعود جزئياً إلى عمليات البيع المرتبطة بطلبات تغطية الهامش.

وبلغت ذروة سعر الذهب القياسية ما يقارب 5600 دولار في أواخر يناير (كانون الثاني). وخلال موجة بيع الذهب في أكتوبر (تشرين الأول)، قامت البنوك المركزية بتخزين كميات كبيرة من المعدن، لكن من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت الظاهرة نفسها قد تكررت مع انخفاض الأسعار هذا الشهر، على حد قول فان.

وأضاف أن طلب البنوك المركزية على الذهب قد ينخفض ​​لأن ارتفاع الأسعار لا يثني عن عمليات الشراء الجديدة فحسب، بل يزيد أيضاً من وزن حيازات الذهب الحالية مقارنة بإجمالي الاحتياطيات.

ويتوقع مجلس الذهب العالمي أن تؤدي أسعار الذهب القياسية إلى تباطؤ مشتريات البنوك المركزية إلى 850 طناً مترياً هذا العام، مقارنةً بـ863 طناً في عام 2025، على الرغم من أن مشترياتها لا تزال مرتفعة مقارنةً بمستواها قبل عام 2022، وفقاً لما ذكره المجلس في يناير.

ووفقاً لأرقام مجلس الذهب العالمي، شكلت مشتريات البنوك المركزية نحو 17 في المائة من إجمالي الطلب العام الماضي.


الأسواق الآسيوية تقلص مكاسبها المبكرة وسط تذبذب النفط والنفي الإيراني

يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)
TT

الأسواق الآسيوية تقلص مكاسبها المبكرة وسط تذبذب النفط والنفي الإيراني

يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)

قلّصت الأسهم في الأسواق الناشئة بآسيا مكاسبها المبكرة خلال تعاملات، يوم الثلاثاء، حيث سيطر القلق على المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية لصدمة الطاقة الناتجة عن الصراع في الشرق الأوسط.

ورغم صعود مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا الناشئة بنسبة 2 في المائة - بعد تراجع حاد بلغ 4 في المائة في الجلسة السابقة - إلا أن حالة عدم اليقين ظلت هي المحرك الأساسي للسوق عقب نفي طهران إجراء أي مفاوضات مع واشنطن.

أداء المؤشرات الرئيسية في المنطقة

شهدت البورصات الآسيوية تحركات متباينة تعكس حالة الترقب:

- كوريا الجنوبية: قفز مؤشر «كوسبي» بنسبة 4 في المائة في بداية الجلسة، قبل أن يتراجع ليغلق على ارتفاع قدره 2.4 في المائة.

- تايلاند: ارتفعت الأسهم بنسبة 1 في المائة، بينما تراجع البات التايلاندي إلى 32.71 مقابل الدولار.

- سنغافورة وتايوان: سجلت الأسهم مكاسب طفيفة (0.13 في المائة و0.29 في المائة على التوالي)، متنازلة عن معظم أرباحها الصباحية التي وصلت إلى 2 في المائة في وقت سابق من الجلسة.

حساسية مستوردي النفط

أكد محللون أن الاقتصادات الآسيوية، وبصفتها مستورداً صافياً للنفط، تظل الأكثر عرضة للتقلبات؛ خاصة في الهند وتايلاند والفلبين. ويؤدي ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل مجدداً إلى ضغوط مباشرة على موازين الحساب الجاري ويرفع معدلات التضخم، مما يدفع المستثمرين الأجانب نحو الملاذات التقليدية مثل الدولار الأميركي والسندات في الأسواق المتقدمة.

تراجع العملات الآسيوية

اتسم أداء العملات الآسيوية بالضعف العام أمام قوة الدولار؛ حيث تراجع الوون الكوري الجنوبي بنسبة 0.92 في المائة ليصل إلى 1503.10، ورغم ذلك ظل فوق أدنى مستوى له في 17 عاماً الذي سجله يوم الاثنين.

كما شهدت العملات في الفلبين وماليزيا تراجعات متفاوتة، وسط تحذيرات فلبينية من تجاوز التضخم حاجز 4 في المائة هذا العام إذا استقرت أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة الحالية.


اليابان تفرج عن كميات إضافية من احتياطي النفط الحكومي في الأسواق

خزانات التخزين في مصفاة نفط في كاواساكي (أ.ف.ب)
خزانات التخزين في مصفاة نفط في كاواساكي (أ.ف.ب)
TT

اليابان تفرج عن كميات إضافية من احتياطي النفط الحكومي في الأسواق

خزانات التخزين في مصفاة نفط في كاواساكي (أ.ف.ب)
خزانات التخزين في مصفاة نفط في كاواساكي (أ.ف.ب)

أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم الثلاثاء، أن اليابان ستفرج عن جزء آخر من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية ابتداءً من الخميس، وستستفيد من المخزونات المشتركة للدول المنتجة للنفط في البلاد بحلول نهاية الشهر.

وقالت في منشور على منصة «إكس»: «لضمان توفير الكمية اللازمة لليابان بأكملها... سنفرج عن الاحتياطي النفطي الحكومي ابتداءً من 26 مارس (آذار)».

وأضافت تاكايتشي: «علاوة على ذلك، من المتوقع أن يبدأ الإفراج عن جزء من الاحتياطي المشترك للدول المنتجة للنفط في مارس».

وفي 16 مارس، بدأت طوكيو بالإفراج عن احتياطيات النفط الخاصة بالقطاع الخاص لمدة 15 يوماً.

كانت تاكايتشي قد أعلنت سابقاً عن الإفراج عن مخزونات حكومية تكفي لمدة شهر.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في 95 في المائة من وارداتها النفطية.

وتُعدّ احتياطياتها النفطية الاستراتيجية من بين الأكبر في العالم، حيث بلغت أكثر من 400 مليون برميل في ديسمبر (كانون الأول).

واتفق أعضاء وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس على استخدام مخزونات النفط للحدّ من ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط، في أكبر استجابة من نوعها على الإطلاق.