الاتحاد الأوروبي يرفع «سلاح» الأمن الاقتصادي في وجه الصين

وسط تباين حاد بين «صقور» برلين و«حمائم» مدريد

يمرّ أحد الموظفين أمام أعلام الاتحاد الأوروبي والصين في بكين (رويترز)
يمرّ أحد الموظفين أمام أعلام الاتحاد الأوروبي والصين في بكين (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يرفع «سلاح» الأمن الاقتصادي في وجه الصين

يمرّ أحد الموظفين أمام أعلام الاتحاد الأوروبي والصين في بكين (رويترز)
يمرّ أحد الموظفين أمام أعلام الاتحاد الأوروبي والصين في بكين (رويترز)

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى تبنّي موقف تجاري وجيوسياسي أكثر صرامة تجاه الصين، في ظل ازدياد التحديات الجيوسياسية وتصاعد الحاجة إلى تعزيز الأمن الاقتصادي. وتأتي هذه الخطوة مدفوعة بإدراك مزداد بأن سياسات «التوازن» السابقة التي وصفت الصين «شريكاً ومنافساً وخصماً منهجياً» لم تعد صالحة، وأن بكين أصبحت مصدراً لمزيد من التهديدات بدلاً من الفرص. بينما تظهر مؤشرات واضحة على أن ألمانيا - التي كانت تشكّل سابقاً عامل فرملة لأي تشدد تجاه بكين - تعيد اليوم النظر في استراتيجيتها.

ومن المقرر أن تكشف المفوضية الأوروبية في 3 ديسمبر (كانون الأول)، عن عقيدة الأمن الاقتصادي الجديدة، التي ستتضمن مراجعة شاملة لأدوات الدفاع التجاري في مواجهة المخاطر الناشئة؛ مثل التضييق الصيني على صادرات المعادن النادرة، وكذلك النهج التصادمي للولايات المتحدة في التجارة العالمية.

وستكون الصين في صدارة الأولويات الأوروبية، مع تنامي المخاوف من اعتماد أوروبا على المعادن الحيوية الصينية في التحول الأخضر والرقمي، إلى جانب المنافسة غير العادلة الناتجة عن الواردات الصينية المدعومة حكومياً والتي تضغط على الشركات الأوروبية، وفق «رويترز».

وتتطلب هذه الاستراتيجية الجديدة وحدة داخلية قوية بين دول الاتحاد الأوروبي لتمرير السياسات الجديدة، سواء تلك التي تعمّق التعاون مع الشركاء التجاريين المتوافقين مع القيم الأوروبية، أو الإجراءات التي قد تستفز ردوداً انتقامية من بكين. الاتحاد كان يواجه صعوبة في تحقيق مثل هذه الوحدة عندما تعلق الأمر بالرد على الرسوم الجمركية الأميركية.

تحول ألمانيا يكسر الجمود

وفي تحول لافت، بدأت ألمانيا، أقوى اقتصاد في الاتحاد، في الابتعاد عن موقفها السابق الأكثر ليونة تجاه الصين؛ ففي حين كانت برلين قبل عام، تعارض فرض رسوم على السيارات الكهربائية الصينية، فقد أنشأت الأسبوع الماضي، لجنة خبراء لتقديم المشورة للبرلمان بشأن «العلاقات التجارية الحساسة من الناحية الأمنية» مع الصين، في خطوة تعيد إحياء استراتيجية تقليل المخاطر.

كما أعلن المستشار فريدريش ميرتس، أن ألمانيا لن تسمح باستخدام مكونات من شركات صينية في شبكات الجيل السادس المستقبلية. وذهب أبعد من ذلك حين دعا، خلافاً للتقليد الألماني الطويل المؤيد للتجارة الحرة، إلى حماية صناعة الفولاذ الأوروبية.

وخلال زيارته الأخيرة للصين، أثار وزير المالية لارس كلينغبايل مخاوف برلين من القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة، ومن توسع الطاقة الإنتاجية الصناعية بشكل مبالغ فيه، مؤكداً ضرورة أن تتجنب أوروبا الوقوع في تبعية جديدة، كما حدث مع الغاز الروسي سابقاً.

نائب المستشارة الألمانية ووزير المالية لارس كلينغبيل ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفينغ يغادران اجتماعاً في بكين (رويترز)

ويعزز هذا التحول الألماني إمكانية تبنّي الاتحاد الأوروبي موقفاً أكثر حزماً، خصوصاً في ظل اتساع عجز تجارة السلع بين الاتحاد والصين بنسبة تقارب 60 في المائة منذ عام 2019، وتحول الميزان التجاري الألماني مع الصين من فائض إلى عجز في 2023. وقد توافق قادة الاتحاد في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على ضرورة استخدام الأدوات الاقتصادية المتاحة لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة، بما في ذلك تسريع إنهاء الإعفاء الجمركي على الطرود منخفضة القيمة التي تمثل قناة رئيسية للبضائع الصينية.

ويتوقع أن تتضمن العقيدة الأوروبية الجديدة التركيز على أدوات مثل الرقابة على الصادرات، وتدقيق الاستثمارات، وتقييد الدعم الأجنبي داخل الاتحاد، إلى جانب تفعيل أداة مكافحة الإكراه، التي تُعد السلاح الأوروبي الأبرز للحد من الواردات أو الصادرات أو الاستثمارات والضغط على الدول التي تمارس سياسات تجارية «قسرية».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمفوض الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي والعلاقات بين المؤسسات والشفافية ماروس سيفكوفيتش (إ.ب.أ)

الانقسامات الأوروبية

تتطلب هذه الاستراتيجية الجديدة وحدة داخلية قوية بين دول الاتحاد الأوروبي؛ ففي الوقت الذي تتشدد فيه ألمانيا، تتحرك إسبانيا في الاتجاه المعاكس عبر تعزيز علاقاتها الاستثمارية مع الصين في مجالات الطاقة المتجددة وبطاريات السيارات الكهربائية والتعدين. وقد ظهرت هذه الدينامية بوضوح خلال زيارة الملك فيليبي إلى بكين، التي أبرزت نجاح الصين في جذب إسبانيا بوصفها حليفاً داخل الاتحاد. ويرى خبراء أن هذا النهج الإسباني «القائم على أولوية المصلحة الوطنية»، قد يهدد وحدة الاتحاد في لحظة حساسة، خصوصاً مع مواجهة الضغوط الصينية في ملفات مثل المعادن النادرة وشركة «نكسبيريا»، التي أثارت جدلاً واسعاً بعدما استولت عليها هولندا بدافع القلق من نقل التكنولوجيا إلى الصين، قبل أن تتراجع بعد ضغوط صينية طالت شركات السيارات الألمانية.

ويؤكد مسؤولون أوروبيون أن الصين تستغل الانقسامات الأوروبية عمداً، وأن نجاح الاتحاد في مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني يتطلب تنسيقاً أعمق، وتوحيداً للمواقف قبل استخدام أدواته الأكثر قوة مثل أداة مكافحة الإكراه.


مقالات ذات صلة

ميدفيديف يدعو لعدم «التسامح» مع سعي أوكرانيا للانضمام للاتحاد الأوروبي

أوروبا ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي (أ.ب)

ميدفيديف يدعو لعدم «التسامح» مع سعي أوكرانيا للانضمام للاتحاد الأوروبي

قال ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن ​الروسي اليوم الجمعة إن على موسكو التخلي عن «موقفها المتسامح» تجاه احتمال انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا رئيسة مولدوفا مايا ساندو خلال مؤتمر صحافي مع رئيس لاتفيا إدغارس رينكيفيتش بعد اجتماعهما في ريغا بلاتفيا 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

مولدوفا تعلن انسحابها النهائي من «رابطة الدول المستقلة» التي تقودها روسيا

قررت جمهورية مولدوفا، الخميس، جعل انسحابها من «رابطة الدول المستقلة» التي تُهيمن عليها روسيا، نهائياً، وفق ما أعلنه البرلمان المولدوفي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد دخان وأبخرة تتصاعد من محطة «بيلشاتو» للطاقة في بولندا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقترح تعديلات على سوق الكربون للحد من تقلبات الأسعار

اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات على نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، في محاولة لتجنب تقلبات أسعار الكربون، بعد ضغوط من حكومات من بينها إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد خطوط أنابيب الغاز بمحطة ضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع «قوة سيبيريا» التابع لـ«غازبروم» بمنطقة أمور الروسية (رويترز)

صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب لأوروبا تقفز 22 % في مارس

ارتفع متوسط إمدادات الغاز الطبيعي اليومية التي تصدرها شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب «ترك ستريم» 22 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

مصر تؤكد صمود اقتصادها رغم تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة

قال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، إن «الاقتصاد المصري نجح خلال فترات سابقة في تجاوز أزمات وتحديات إقليمية عديدة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ترمب يفرض تعريفات جديدة على الأدوية... ويعدّل رسوم المعادن

دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)
دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)
TT

ترمب يفرض تعريفات جديدة على الأدوية... ويعدّل رسوم المعادن

دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)
دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)

أصدر الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليمات بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على بعض واردات الأدوية ذات العلامات التجارية وإعادة هيكلة الرسوم على منتجات الصلب والألمنيوم والنحاس، في محاولة من إدارته لتجاوز انهيار الرسوم الجمركية العالمية الشاملة التي أعلنها قبل عام.

وتهدف هذه الحزمة الجديدة من الرسوم جزئياً إلى استعادة الرسوم التي ألغتها المحكمة العليا في فبراير (شباط)، لكنها واجهت انتقادات من بعض مجموعات الأعمال لإمكانية زيادة تكاليف جديدة في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة للمستهلكين؛ بسبب الحرب مع إيران، وفق «رويترز».

وفي إعلان جديد يكشف نتائج تحقيق أمني وطني طال انتظاره بشأن واردات الأدوية، قال ترمب إن الشركات الأجنبية المُصنِّعة للمنتجات المحمية ببراءات اختراع يجب أن تتفق مع الحكومة الأميركية على خفض أسعار الأدوية الموصوفة، والالتزام بنقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً لمسؤول في الإدارة، يجب على هذه الشركات القيام بالأمرين معاً لتجنب الرسوم الجمركية كلياً، وستواجه رسوماً جمركية بنسبة 20 في المائة إذا اقتصرت على نقل جزء من عمليات التصنيع إلى الولايات المتحدة. أما الشركات التي لا تفعل أياً من الأمرين، فستواجه رسوماً جمركية بنسبة 100 في المائة.

ولن تنطبق هذه الرسوم على واردات الأدوية من جميع الدول، حيث ستُحدد الرسوم على الأدوية ذات العلامات التجارية بنسبة 15 في المائة بموجب اتفاقات تجارية مع الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا.

كما أنهت الولايات المتحدة وبريطانيا اتفاقية رسوم جمركية منفصلة على الأدوية تضمن عدم فرض أي رسوم على الأدوية البريطانية لمدة لا تقل عن 3 سنوات، في الوقت الذي تعمل فيه بريطانيا على توسيع إنتاجها داخل الولايات المتحدة.

وذكر مسؤول إداري أن الشركات الكبيرة ستتاح لها 120 يوماً للامتثال قبل تطبيق رسوم الـ100 في المائة، بينما ستحصل الشركات الصغيرة على 180 يوماً.

ورقة نقدية بالدولار الأميركي وأدوية في صورة توضيحية (رويترز)

خفض رسوم المعادن

كما أصدر ترمب إعلاناً منفصلاً بشأن رسوم المعادن، خفّض بموجبه الرسوم على كثير من المنتجات المشتقة من الصلب والألمنيوم والنحاس إلى 25 في المائة، وألغى الرسوم تماماً عن المنتجات ذات المحتوى المعدني الضئيل.

ومع ذلك، أبقى الإعلان على رسم 50 في المائة على واردات السلع الأساسية من الصلب والألمنيوم والنحاس، لكن الإدارة ستطبق هذه النسبة على سعر البيع في الولايات المتحدة للمعادن، وليس على قيمة الاستيراد المعلنة، والتي غالباً ما كانت منخفضةً بشكل مصطنع، وفقاً للمسؤول.

وتهدف تغييرات الرسوم المعدنية إلى تبسيط نظام معقد كان يربك المستوردين في تحديد قيمة محتوى المعادن لآلاف المنتجات المشتقة، بدءاً من أجزاء الجرارات، وصولاً إلى أحواض الفولاذ المقاوم للصدأ، ومعدات السكك الحديدية.

وستُعفى من الرسوم المنتجات ذات المحتوى المعدني الأقل من 15 في المائة بالوزن، مثل عبوة خيط الأسنان التي تحتوي على شفرة فولاذية صغيرة. كما أعلن البيت الأبيض أنَّه سيتم تخفيض الرسوم على بعض المعدات الصناعية ومعدات شبكات الطاقة المكثفة المعدن إلى 15 في المائة بدلاً من 50 في المائة حتى عام 2027 لدعم جهود البناء الصناعي ومراكز البيانات.

وقالت الأوامر إن تغيير رسوم المعادن سيكون ساري المفعول بعد منتصف ليلة الاثنين.

الانقلاب عن «يوم التحرير»

جاءت هذه التغييرات في الذكرى السنوية الأولى لإعلان ترمب في «يوم التحرير» حول «الرسوم المتبادلة» التي تراوحت بين 10 في المائة و50 في المائة على واردات من جميع الشركاء التجاريين، وحتى بعض الجزر غير المأهولة. وأطلقت تلك الرسوم، تحت قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية، سلسلةً من الردود الانتقامية من الصين، والمفاوضات التجارية مع دول أخرى، والتحديات القضائية من المستوردين.

وأعلنت المحكمة العليا الأميركية في فبراير أنَّ الرسوم القائمة على قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) غير قانونية؛ ما دفع المحكمة الأدنى إلى إصدار أمر لوكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية بوضع خطة لاسترداد نحو 166 مليار دولار من الرسوم التي جُمعت خلال العام.

ودافع الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، يوم الخميس، عن رسوم «IEEPA»، واصفاً إياها بأنها «زر إعادة ضبط» للنظام التجاري العالمي المعطوب. وأشار إلى أنَّ الرسوم دفعت الشركات إلى بناء مصانع جديدة في الولايات المتحدة، وأجبرت الشركاء التجاريين على تقديم تنازلات لصادرات أميركا.

وقال غرير في بيان: «الأفضل لم يأتِ بعد، إذ يشجِّع برنامج الرسوم الجمركية للرئيس ترمب الإنتاج المحلي، ويرفع أجور العمال، ويعزِّز سلاسل التوريد الحيوية لدينا».

لفافة فولاذية بمصنع للصلب في هاميلتون (رويترز)

ردود فعل الصناعة

قالت غرفة التجارة الأميركية إن سنة كاملة من الرسوم الجمركية الأعلى لترمب قد رفعت الأسعار، وأضافت ضغوطاً تكاليفية لكثير من الصناعات. وحذَّرت من أنَّ الإعلانات الأخيرة قد تؤدي إلى زيادة الأسعار أكثر.

وقال نيل برادلي، رئيس السياسات في الغرفة: «سيؤدي نظام رسوم جمركية جديد ومعقد على الأدوية إلى رفع تكاليف الرعاية الصحية على العائلات الأميركية». وأضاف: «كما ستزيد تغييرات رسوم المعادن الأسعار للمستهلكين، وتضع ضغطاً إضافياً على قطاعات التصنيع، والبناء، والطاقة، التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف المدخلات والتحديات المستمرة في سلاسل التوريد».

لكن رئيس جمعية مصنعي الصلب، فيليب بيل، أشاد بالإدارة لتحديث قائمة مشتقات المعادن وطريقة تقييمها لضمان أنَّ الرسوم «تظل محددة بدقة لدعم إعادة إحياء صناعة الصلب الأميركية دون الإضرار بالأهداف الاقتصادية الأوسع».


«بنك اليابان» يُبقي باب رفع الفائدة مفتوحاً رغم ضغوط الحرب الإيرانية

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

«بنك اليابان» يُبقي باب رفع الفائدة مفتوحاً رغم ضغوط الحرب الإيرانية

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال مسؤول كبير في البنك المركزي الياباني إن «بنك اليابان» سيواصل رفع أسعار الفائدة إذا تحققت توقعاته الاقتصادية؛ ما يُعزز توجهه نحو تشديد السياسة النقدية، حتى مع إظهار استطلاعات رأي جديدة أن الشركات تشعر بوطأة ارتفاع تكاليف الوقود المرتبطة بالحرب الإيرانية.

وقال كوجي ناكامورا، المدير التنفيذي للسياسة النقدية في «بنك اليابان»، أمام البرلمان، الجمعة، إن ارتفاع أسعار النفط قد يُشكل مخاطر على النمو الاقتصادي، ولكنه قد يُؤدي أيضاً إلى زيادة التضخم الأساسي من خلال رفع توقعات التضخم على المدى الطويل. وأضاف أن الضغط الناتج من ارتفاع أسعار النفط على التضخم الأساسي قد يكون أكبر من ذي قبل، حيث تُصبح الشركات أكثر حرصاً على رفع الأسعار والأجور.

وتابع ناكامورا: «إذا تحققت توقعاتنا الاقتصادية وتوقعات الأسعار، فمن المرجح أن نواصل رفع أسعار الفائدة»، مُضيفاً أن درجة وتوقيت الزيادات المستقبلية سيعتمدان على الظروف الاقتصادية والأسعار والمالية. وأردف قائلاً: «سنتخذ القرار المناسب في كل اجتماع للسياسة النقدية من خلال تحديث توقعاتنا الاقتصادية وتوقعات الأسعار وآرائنا حول المخاطر باستخدام البيانات المتاحة في ذلك الوقت».

وتُؤكد تصريحات ناكامورا استعداد «بنك اليابان» للمضي قدماً في زيادات معتدلة في أسعار الفائدة، حتى مع تزايد الضغوط الجديدة من خارج حدود اليابان. وتُسهِم تكاليف الوقود المرتفعة وارتفاع أسعار الواردات، نتيجة ضعف الين، في تفاقم التضخم محلياً؛ ما يُعقّد مهمة البنك المركزي في تحقيق التوازن الدقيق.

وجاء هذا البيان بالتزامن مع تصريحات أكثر تشدداً من بنك اليابان المركزي في الأسابيع الأخيرة، وهو خطاب دفع الأسواق إلى توقع احتمال بنسبة 70 في المائة لرفع سعر الفائدة مرة أخرى في وقت مبكر من هذا الشهر.

إلا أن الوضع لا يزال محفوفاً بالمخاطر. فاعتماد اليابان الكبير على وقود الشرق الأوسط يجعل اقتصادها عرضةً بشدة لصدمات الطاقة واضطرابات الإمداد الناجمة عن الحرب.

وقد بدأت هذه الضغوط بالفعل بالتأثير على قطاع الشركات. فقد تدهورت معنويات قطاع الأعمال بشكل حاد في مارس (آذار)، حيث أعربت قطاعات متنوعة، من النقل والتجزئة إلى الآلات وصناعة الرقائق، عن قلقها إزاء ارتفاع تكاليف الوقود، وفقاً لمسح أجراه مركز الأبحاث الخاص «تيكوكو داتابانك»، الجمعة.

وشهد هذا الاستطلاع، الذي أُجري عبر الإنترنت بين 17 و31 مارس، تراجعاً في المعنويات لأول مرة منذ سبتمبر (أيلول) 2023 في جميع القطاعات العشرة التي شملها، وذلك بعد أسابيع من الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). كما انخفض الين بأكثر من 2 في المائة مقابل الدولار منذ اندلاع الحرب.

ونُقل عن أحد مصنعي الأسمدة قوله في الاستطلاع: «أدى ارتفاع أسعار النفط الخام إلى زيادة تكاليف الإنتاج على نطاق واسع، في حين يتباطأ تدفق السلع».

ورسم استطلاع خاص منفصل نُشر الجمعة صورة قاتمة مماثلة؛ إذ أظهر تباطؤ نمو قطاع الخدمات إلى أدنى مستوى له في ثلاثة أشهر، وتراجع الثقة إلى أضعف مستوى لها منذ جائحة 2020.

وفي حين يحذر مسؤولو «بنك اليابان» من أن الحرب تُنذر بتأجيج التضخم، يقول بعض المحللين إن النقص الوشيك في النفتا وغيرها من المنتجات الكيميائية قد يُشكل تهديداً أكبر، يُهدد بزعزعة استقرار اقتصاد لا يزال هشاً. قد يُلقي البنك المركزي مزيداً من الضوء على كيفية تقييمه لهذه المخاطر المتنافسة في تقرير إقليمي ربع سنوي يُصدر يوم الاثنين.

وأنهى «بنك اليابان» برنامج تحفيز اقتصادي ضخماً استمر لعقد من الزمن في عام 2024، ورفع أسعار الفائدة مرات عدة، بما في ذلك في ديسمبر (كانون الأول)، عندما وصل سعر الفائدة قصير الأجل إلى أعلى مستوى له في 30 عاماً عند 0.75 في المائة.

وأوضح المحافظ كازو أويدا أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام المزيد من رفع أسعار الفائدة، ما دام أن الانتعاش الاقتصادي المعتدل يُبقي التضخم على المسار الصحيح لتحقيق هدف البنك البالغ 2 في المائة بشكل مستدام.


أسهم الصين تتراجع للأسبوع الثالث على التوالي وسط مخاوف حرب إيران

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

أسهم الصين تتراجع للأسبوع الثالث على التوالي وسط مخاوف حرب إيران

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

تراجعت أسهم الصين، يوم الجمعة، مسجلةً انخفاضاً للأسبوع الثالث على التوالي، حيث عززت حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط من حالة النفور من المخاطرة قبيل عطلة محلية. وكانت سوق هونغ كونغ مغلقة بمناسبة عيد الفصح. وأغلق مؤشر «سي إس آي 300» الصيني للأسهم القيادية على انخفاض بنسبة 0.9 في المائة، بينما تراجع مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 1 في المائة. وأنهى مؤشر «سي إس آي 300» الأسبوع على انخفاض بنسبة 1.4 في المائة، مواصلاً تراجعه للأسبوع الثالث على التوالي. وستكون السوق المحلية الصينية مغلقة يوم الاثنين بمناسبة عطلة «تشينغ مينغ» الصينية.

وقال محللون في بنك الصين الدولي إن الأسواق لم تستوضح بعد تفاصيل السيطرة على مضيق هرمز أو الجهود المبذولة لحل أزمة سلسلة إمدادات النفط، مما يُبقي المخاوف بشأن إمدادات النفط الخام مرتفعة.

وأضاف المحللون أن التقلبات الخارجية في أسهم الشركات المحلية تنتقل بشكل كبير عبر معنويات السوق، في حين أن انخفاض معدل التضخم في الصين وتوقعات ارتفاع الأسعار الاسمية هذا العام قد يدعمان الطلب المحلي. وأظهر مسح للقطاع الخاص نُشر يوم الجمعة أن نمو نشاط الخدمات في الصين تباطأ في مارس (آذار) بعد أن بلغ أعلى مستوى له في 33 شهراً في فبراير (شباط)، حيث أثر ضعف الطلب وتراجع الطلبات الخارجية سلباً على الزخم.

وانخفض سهم شركة «ووشي أب تيك» بنسبة 4 في المائة تقريباً، وخسر مؤشر «سي إس آي 300» للرعاية الصحية 1.9 في المائة، بعد أن أمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على واردات أدوية معينة ذات علامات تجارية، وأعاد النظر في الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم والنحاس يوم الخميس.

وكانت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي من بين النقاط المضيئة القليلة، حيث ارتفعت بنسبة 0.7 في المائة. أما أسهم أشباه الموصلات فكانت مستقرة تقريباً، وانخفض مؤشر «سي إس آي» للطاقة بنسبة 1.5 في المائة، بينما تراجع مؤشر «سي إس آي» للطاقة الجديدة بنسبة 2.4 في المائة على الرغم من ارتفاع أسعار النفط.

• اليوان يرتفع

من جانبه، ارتفع اليوان الصيني مقابل الدولار يوم الجمعة مع استقرار الدولار الأميركي وتوجه الأنظار نحو صدور بيانات الوظائف الأميركية في وقت لاحق. وكان الدولار قد ارتفع مدفوعاً بالطلب عليه كملاذ آمن في اليوم السابق عندما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أن الصراع الإيراني سيستمر. وافتتح اليوان الفوري عند 6.8930 مقابل الدولار يوم الجمعة، وكان آخر تداول له أعلى بـ37 نقطة أساس من إغلاق الجلسة السابقة. وقبل افتتاح السوق، حدد بنك الشعب الصيني سعر الصرف المتوسط عند 6.8929 يوان للدولار، أي أقل بـ45 نقطة من تقديرات «رويترز».

ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بنسبة 2 في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط الثابت يومياً. واستقر الدولار يوم الجمعة بعد ارتفاعه يوم الخميس، حيث أدى تهديد ترمب بقصف إيران إلى تفاقم المخاطر في حرب دخلت أسبوعها الخامس، مما قلل الآمال في حل سريع للصراع الذي يضغط على إمدادات النفط ويزيد التضخم.

وأشار محللون في شركة «زيجين تيانفينغ» للعقود الآجلة في مذكرة لهم إلى أن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط دعم الطلب على الدولار كملاذ آمن، وأن اليوان دخل مرحلة توطيد بعد ارتفاع حاد في الربع الأول من عام 2026 مدعوماً بفائضين في التجارة وتسوية العملات الأجنبية.

ورجّح محللون في بنك «إم يو إف جي» أن يظل اليوان قوياً خلال الربع الثاني، مدعوماً بمعدل الاكتفاء الذاتي المرتفع للصين في مجال الطاقة، واحتياطاتها الاستراتيجية الكبيرة، والطلب المزداد على مصادر الطاقة المتجددة. وفي الوقت نفسه، لا تزال السيولة وفيرة في أسواق المال المحلية. وانخفض متوسط سعر الفائدة المرجح لعمليات إعادة الشراء لأجل سبعة أيام في الصين، المتداولة في سوق ما بين البنوك، إلى 1.3119 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 8 أغسطس (آب) 2022.