من الطاقة إلى التقنية... صفقات ترسم ملامح مستقبل العلاقة السعودية - الأميركية

تزامناً مع زيارة ولي العهد لواشنطن... استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والتعدين

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض (رويترز)
TT

من الطاقة إلى التقنية... صفقات ترسم ملامح مستقبل العلاقة السعودية - الأميركية

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض (رويترز)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء والرئيس الأميركي دونالد ترمب في الرياض (رويترز)

تأتي زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى واشنطن، في وقت يشهد فيه التعاون الاقتصادي بين السعودية والولايات المتحدة، ذروة غير مسبوقة.

لم تعد العلاقة مقتصرة على الشراكة التاريخية في قطاع الطاقة؛ بل توسعت لتشمل قطاعات المستقبل الحيوية؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والتعدين، والطاقة المتجددة، والترفيه، بما يتماشى مع أهداف «رؤية 2030» للتحول الاقتصادي.

ويعكس هذا النشاط التجاري المكثف الثقة المتبادلة والرغبة المشتركة في بناء اقتصاد عالمي أكثر استدامة وتنوعاً.

وخلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولايته الجديدة في 20 يناير (كانون الثاني) من هذا العام، شهد القطاع الخاص بين البلدين سلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات الاستراتيجية التي لم تقتصر على الصفقات المالية الضخمة؛ بل امتدت لتشمل نقل المعرفة، وتوطين التقنية، وتنمية الكفاءات المحلية.

هذا الاستعراض التفصيلي يستهدف تسليط الضوء على أبرز هذه الصفقات والإعلانات التجارية المهمة، مصنفة حسب القطاع، وفق رصد «الشرق الأوسط»، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للشراكة السعودية - الأميركية في تحقيق التنمية المستدامة والمساهمة في رسم مستقبل الاقتصاد العالمي.

المالية والاستثمار

شهد قطاع المالية والاستثمار زخماً كبيراً، حيث تسابقت كبرى المؤسسات الأميركية لتعزيز وجودها في الرياض، بهدف الاستفادة من النمو المتسارع في المملكة، والعمل من كثب مع صندوق الاستثمارات العامة.

  • مقرات إقليمية

اختارت شركات مالية أميركية عملاقة، الرياض لتكون مقراً إقليمياً لها. في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أعلنت مجموعة «سيتي غروب» رسمياً افتتاح مقرها الإقليمي في الرياض. كما أعلنت شركة «ستيت ستريت كوربوريشن» عن إطلاق مقرها الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العاصمة. وفي أبريل (نيسان) 2025، حصل بنك «نيويورك ميلون» على ترخيص لإنشاء مقره الإقليمي، كما أعلنت شركة الاستشارات الإدارية «كو أند باين» عن افتتاح مقرها الإقليمي الجديد.

مبنى «ستيت ستريت» في الولايات المتحدة (رويترز)

  • توسيع الأعمال

أعلن بنك «غولدمان ساكس» في أكتوبر 2025، عن توسيع قسم إدارة الثروات في السعودية، مما يعزز عملياته المستمرة منذ أكثر من عقد.

  • صناديق وشراكات ضخمة

في أكتوبر، أعلنت مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» عن شراكة استراتيجية مع شركة «غوغنهايم» للاستثمارات؛ وهي شركة عالمية لإدارة الأصول. وفي مارس (آذار)، استكشفت شركة الأسهم الخاصة الأميركية Warburg Pincus فرص الاستثمار في المملكة من خلال اتفاقية مع شركة «حصانة» للاستثمار. أما في مايو (أيار)، فانضمت شركة الاستثمار الأميركية Burlington Capital شريكاً استراتيجياً إلى صندوق تنمية البنية التحتية «البشرى». وفي فبراير (شباط)، وقع البنك السعودي للاستيراد والتصدير ثلاث اتفاقيات إعادة تأمين مع جهات عالمية، بما في ذلك «أميركان إنترناشونال غروب» لتعزيز حلول تمويل التجارة.

جانب من مراسم توقيع 3 اتفاقيات إعادة تأمين (بنك التصدير والاستيراد السعودي)

  • الاستثمار في الترفيه والتقنية

ركزت استثمارات صندوق الاستثمارات العامة على قطاع الترفيه التفاعلي والتقنيات المستقبلية، مما يؤكد خطة التنويع الاقتصادي. ففي سبتمبر (أيلول)، شهد القطاع صفقة ضخمة تمثلت في الإعلان عن الاستحواذ على شركة Electronic Arts (EA) بقيمة نحو 55 مليار دولار بقيادة تحالف يضم صندوق الاستثمارات العامة. وفي مارس 2025، وقعت شركة «سكوبيلي» المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة صفقة بقيمة 3.5 مليار دولار للاستحواذ على قسم ألعاب الفيديو لشركة «Niantic Labs»، مطورة لعبة «بوكيمون».

وفي يناير 2025، أعلنت «دبليو دبليو إي» بالشراكة مع الهيئة العامة للترفيه، أن حدث Royal Rumble سيقام بالرياض في يناير 2026، لأول مرة خارج أميركا الشمالية. كما وقعت شركة SURJ Sports Investment السعودية شراكة مع Enfield Investment Partners الأميركية، لتعزيز الاستثمار في القطاع الرياضي العالمي.

النفط والغاز والمعادن

استمر قطاع الطاقة والموارد الطبيعية في كونه ركيزة للشراكة، مع التركيز المزداد على مشاريع الغاز وتحويل النفط إلى كيميائيات.

  • صفقات «أرامكو» الضخمة

في مايو، أعلنت «أرامكو» عن توقيع 34 مذكرة تفاهم واتفاقية مع شركات أميركية كبرى بقيمة إجمالية محتملة تصل إلى نحو 90 مليار دولار. كما وقعت مذكرة تفاهم مع «نكست ديكايد» و«سمبرا» لـ6.2 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال.

وفي أغسطس (آب)، وقعت «أرامكو» اتفاقية تأجير وإعادة تأجير بقيمة 11 مليار دولار مع تحالف بقيادة «بلاك روك» لأصول البنية التحتية المتوسطة لتطوير حقل الجافورة للغاز.

جانب من توقيع الاتفاقية «هانيويل» و«أرامكو» (هانيويل)

وفي سبتمبر، وقعت «أرامكو» و«هانيويل» اتفاقية لتطوير تقنية تحويل النفط الخام المباشر إلى مواد كيميائية. وفي يناير، فازت KBR بعقد لدعم برنامج التوسع الرئيسي لـ«أرامكو» لزيادة سعة معالجة الغاز، كما فازت «بايكر» بطلب لتقنية الغاز للمرحلة الثالثة من توسعة حقل الجافورة. وفي أكتوبر، فازت «بايكر» بعقد لتوسيع عملياتها المتكاملة للحفر بأنابيب اللف في حقول الغاز الطبيعي.

  • التعدين

في أكتوبر، فازت شركة «بيكتل» بعقد رئيسي للهندسة والمشتريات وإدارة الإنشاءات من قبل شركة «معادن» لتطوير منجم أرجوم للذهب. وفي مايو، وقعت «معادن» مذكرة تفاهم مع شركة MP Materials Corp الأميركية لإنشاء سلسلة إمداد متكاملة للمعادن الأرضية النادرة.

الاتصالات وتقنية المعلومات

يُعد قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، خصوصاً الذكاء الاصطناعي؛ المحور الأبرز للصفقات، مدعوماً بمبادرات ضخمة لدعم البنية التحتية.

  • استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي

في فبراير، حصلت شركة «غروك» الناشئة لرقائق الذكاء الاصطناعي على التزام بقيمة 1.5 مليار دولار من السعودية. كما أعلنت «سيلز فورس» عن خطط لاستثمار 500 مليون دولار لتعزيز تطوير الذكاء الاصطناعي وتدريب 30 ألف مواطن سعودي.

وفي أكتوبر، أعلنت شركتا «هيوماين» و«كوالكوم تكنولوجيز» شراكة لنشر بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي تستهدف 200 ميغاواط من قوة الحوسبة، وهي شراكة سابقة لمذكرة التفاهم في مايو 2025 بين «كوالكوم» و«هيوماين».

وفي أغسطس، بدأت «هيوماين» تشغيل نماذج «أوبن إيه آي» في المملكة باستخدام «غروك».

طارق أمين الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين» (شمال) وكريستيانو آمون الرئيس التنفيذي لشركة «كوالكوم تكنولوجيز» بعد توقيع الاتفاقية (هيوماين)

وفي فبراير، تعاونت Accenture مع «غوغل كلاود» لتسريع تبني الحلول السحابية والذكاء الاصطناعي التوليدي، كما أعلنت «سيرفس ناو» عن إطلاق مراكز بيانات في السعودية عام 2026.

وفي فبراير أيضا، تعاونت شركة «بارادروميكس»، وهي منافس لشركة «نورالينك» التابعة لإيلون ماسك، مع «نيوم» لتطوير علاجات واجهة الدماغ والحاسوب.

  • التوسع الرقمي

أعلنت «أمازن ويب سيرفسز» في يناير 2025 عن إطلاق موقع طرفي جديد لـ «Amazon CloudFront» في جدة. كما أعلنت SS&C Technologies Holdings, Inc في أبريل افتتاح مكتب جديد في الرياض، لتعزيز أعمالها في المنطقة.

البناء والعقارات والنقل

كان للشركات الأميركية دور محوري في إدارة وتطوير البنية التحتية والخدمات اللوجيستية لمشاريع المملكة الكبرى:

  • إدارة المشاريع

في أكتوبر، فازت شركة «بارسونز كوربوريشن» بعقد بقيمة 56 مليون دولار لدعم تطوير البنية التحتية في المرحلة الثانية من مشروع «الدرعية». وفي أغسطس، تم اختيار «آيكوم» لتقديم خدمات إدارة المشاريع والهندسة للمرحلة الثانية من مشروع «الرياض أفينيو». وفي يوليو (تموز) 2025، تم اختيار «بيكتل» مستشاراً لإدارة مشروع معرض «الرياض إكسبو 2030» في مايو. ووقعت «بيكتل» اتفاقية لثلاث محطات جديدة في مطار الملك سلمان الدولي بالرياض. وفي مارس، تم تعيين شركة Turner Construction الأميركية مدير مشروع لـ«برج جدة»، أطول برج في العالم عند اكتماله.

مشروع مطار الملك سلمان الدولي في الرياض (صندوق الاستثمارات العامة)

  • اللوجيستيات

في أغسطس، أعلنت «آيكوم» عن شراكة استراتيجية مع الشركة المتكاملة للمناطق اللوجيستية الخاصة لدعم نمو الخدمات اللوجيستية المتكاملة في المملكة.

  • الطيران والسيارات

ركزت الصفقات في هذا القطاع على تبني التقنيات المتقدمة والطيران المستقبلي، مما يعزز مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجيستياً عالمياً.

  • الطيران المتقدم

في سبتمبر 2025، وقعت السعودية و«بوينغ» مذكرة تفاهم لاستكشاف الشراكات في قطاع التنقل الجوي المتقدم. وفي يونيو (حزيران)، وقعت «عبد اللطيف جميل» وJoby Aviation مذكرة تفاهم لاستكشاف فرص توزيع الطائرات الكهربائية في السعودية. وفي مارس 2025، أعلنت شركة Doroni Aerospace الأميركية عن شراكة مع Kingdom Aero Industries لتصنيع «السيارة الطائرة» طراز H1-X. أما في يناير، فحصلت شركة Matternet على موافقة الهيئة العامة للطيران المدني لتشغيل طائرتها M2 من دون طيار، لتكون أول مشغل يحصل على هذه الموافقة.

  • الخطوط الجوية

في أكتوبر، أعلنت «دلتا» عن تدشين خط مباشر بين أتلانتا والرياض بدءاً من أكتوبر 2026. كما وقعت «طيران الرياض» في فبراير اتفاقية مع «آي بي إم» لإنشاء مؤسسة للذكاء الاصطناعي لتجارب ضيوف مُحسّنة.

إحدى طائرات «دلتا» الأميركية (الشرق الأوسط)

  • السيارات

أطلقت «تسلا» عملياتها بالسعودية في أبريل، وهو إطلاق أُعلن عنه في مارس. كما بدأت شركتا «وي رايد» و«أوبر تكنولوجيز» في تقديم رحلات سيارات أجرة آلية ذاتية القيادة بالرياض في أكتوبر.

  • المياه والطاقة المتجددة

تظهر الصفقات التزاماً قوياً بتنويع مصادر الطاقة وتبني حلول الطاقة النظيفة والمستدامة.

  • الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة

في أكتوبر، وقعت «أبونيان القابضة» و«نكستراكر» اتفاقية لتشكيل «نكستراكر العربية»، وهو مشروع مشترك لتسريع تبني الطاقة الشمسية. وفي أغسطس، فازت شركة «هيثيوم» بعقد من الشركة السعودية للكهرباء، لنشر مشروعين لتخزين الطاقة بالبطاريات بقدرة إجمالية 4 غيغاواط/ساعة. وفي فبراير، وقعت «هيليون هولدنغز» خطاب نوايا مع مجموعة «الخريف» لتوريد مولدات «كارنو» لدعم أهداف رؤية 2030 للاستدامة.

  • الهيدروجين

في أبريل، أعلنت شركة «رون» المبتكرة العالمية في مجال التنقل بالهيدروجين، عن إطلاق اتفاقية وصول تجاري استراتيجي إلى الأسواق في السعودية.

ختاماً؛ إن الزخم غير المسبوق في صفقات الأعمال بين الشركات السعودية والأميركية على مدار عام 2025، دليل على التحول العميق في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. كما تؤكد هذه الصفقات التزام المملكة الثابت بتنويع اقتصادها واستثمارها الهائل في البنية التحتية المعرفية والتقنية الحديثة، وتعكس إدراك الشركات الأميركية العملاقة للفرص الفريدة التي تتيحها السوق السعودية باعتبارها بوابة للنمو الإقليمي والعالمي.


مقالات ذات صلة

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

الاقتصاد رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

تراجعت مبيعات التجزئة الأميركية بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، بعد مكاسب قوية سجلتها مؤخراً بدعم من استردادات ضريبية كبيرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لقطة جوية لنهر ليمات في مدينة زيوريخ (رويترز)

الاقتصاد السويسري يتجاوز التوقعات وينمو 1.5 % في الربع الثاني

سجل الاقتصاد السويسري نمواً قوياً في الربع الثاني من العام، مدفوعاً بأداء قطاعي الصناعات الكيماوية والصيدلانية.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ )
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتجه لخسارة أسبوعية طفيفة وتترقب بيانات اقتصادية حاسمة

اتسم أداء الأسهم الأوروبية بالاستقرار، يوم الجمعة، لكنها ظلت متجهةً نحو تسجيل خسارة أسبوعية طفيفة، في ظل متابعة المستثمرين لتعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر لأفق مدينة لندن (رويترز)

نمو مفاجئ للاقتصاد البريطاني بنسبة 0.3 % في يونيو

أظهرت بيانات رسمية صدرت يوم الخميس نمو الاقتصاد البريطاني على نحو غير متوقّع في يونيو (حزيران)؛ إذ استفادت الشركات من تراجع ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية.

«الشرق الأوسط» (سيول)

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
TT

مبيعات التجزئة الأميركية تتراجع بشكل مفاجئ في يوليو

رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)
رجل يتسوق لشراء اللحوم في سوق «إيسترن ماركت» وسط العاصمة الأميركية (رويترز)

تراجعت مبيعات التجزئة الأميركية بشكل غير متوقع في يوليو (تموز)، بعد مكاسب قوية سجلتها مؤخراً بدعم من استردادات ضريبية كبيرة، إلا أن الإنفاق الاستهلاكي من المرجح أن يظل مدعوماً بارتفاع ثروة الأسر بفضل مكاسب سوق الأسهم، رغم تزايد حساسيتها تجاه ارتفاع الأسعار.

وأفاد مكتب الإحصاء التابع لوزارة التجارة يوم الجمعة بأن مبيعات التجزئة انخفضت بنسبة 0.6 في المائة الشهر الماضي، بعد ارتفاعها 0.2 في المائة في يونيو (حزيران)، دون تعديل. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع مبيعات التجزئة، التي تشمل في معظمها السلع ولا تُعدّل وفقاً للتضخم، بنسبة 0.1 في المائة. وتراوحت التقديرات بين انخفاض 0.5 في المائة وارتفاع 0.7 في المائة، وفق «رويترز».

وساهمت استردادات الضرائب السخية هذا العام في تخفيف أثر ارتفاع أسعار البنزين الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، ما دعم انتعاشاً قوياً في الإنفاق الاستهلاكي خلال الربع الثاني. وأشار اقتصاديون إلى أن تأثير هذه الاستردادات ربما بدأ في التلاشي.

وجاء تراجع مبيعات التجزئة الشهر الماضي متأثراً أيضاً بتقديم «أمازون» موعد فعالية «برايم داي» من يوليو إلى يونيو، فيما أطلق تجار تجزئة آخرون عروضاً ترويجية منافسة. كما انخفضت أسعار البنزين الشهر الماضي، ما أثر سلباً على إيرادات محطات الوقود، بينما أفادت شركات تصنيع السيارات بتراجع مبيعاتها.

ومع انتعاش سوق الأسهم الذي عزز ثروة الأسر، يرى اقتصاديون أن ضعف مبيعات التجزئة قد يكون مؤقتاً. وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 14 في المائة منذ بداية العام.

وقال اقتصاديون في «بي إن سي فاينانشال»: «إن تحليل بيانات البنوك أظهر أن الأسر بدت في يوليو أكثر حساسية لارتفاع أسعار البنزين مقارنة بالفترة السابقة من العام، ما خلق، بحسب تقديراتهم، بيئة أقل دعماً للإنفاق خلال النصف الثاني من العام.

لكنهم أضافوا أنه «من الصعب تصور سيناريو يعود فيه الإنفاق إلى وضعه الطبيعي تماماً»، في ظل ارتفاع ثروة الأسر.

وكتب الاقتصاديون في مذكرة: «نرى أدلة متزايدة على أن الأسر ذات الدخل المرتفع وكبار السن يستغلون مكاسب ثرواتهم لدعم الإنفاق».

وانخفضت مبيعات التجزئة، باستثناء السيارات والبنزين ومواد البناء وخدمات الطعام، بنسبة 0.4 في المائة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يونيو بالخفض لتظهر ارتفاعاً بنسبة 0.4 في المائة. وكان الاقتصاديون قد توقعوا ارتفاع هذه المبيعات الأساسية، التي تُعد مؤشراً مهماً للإنفاق الاستهلاكي ضمن الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة 0.3 في المائة، بعد ارتفاعها 0.5 في المائة في يونيو.

وسجل الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي حجم الاقتصاد، نمواً سنوياً قدره 3.2 في المائة في الربع الثاني، بينما نما الاقتصاد الأميركي بنسبة 1.5 في المائة خلال الفترة نفسها.


انكماش قياسي للقروض الصينية يكشف ضعف الطلب

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
TT

انكماش قياسي للقروض الصينية يكشف ضعف الطلب

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)

أظهرت أحدث بيانات الائتمان في الصين مفارقة متزايدة أمام صناع السياسة الاقتصادية: السيولة متاحة وتكلفة الاقتراض تتراجع، لكن الأسر والشركات لا تبدو راغبة في الاقتراض؛ فقد سجلت القروض الجديدة باليوان انكماشاً قياسياً خلال يوليو (تموز)، بالتزامن مع ارتفاع طفيف في نسبة القروض المتعثرة، في مؤشرات تعكس استمرار ضعف الطلب المحلي رغم السياسة النقدية التيسيرية.

وبحسب بيانات بنك الشعب الصيني، انكمشت القروض الجديدة باليوان بنحو 340 مليار يوان (50.4 مليار دولار) في يوليو، وهو أكبر انخفاض شهري مسجل، وثاني انكماش خلال العام بعد أبريل (نيسان). وجاء الرقم أسوأ بكثير من توقعات المحللين التي أشارت إلى قروض جديدة بقيمة 45 مليار يوان، وبعد قفزة بلغت 1.61 تريليون يوان في يونيو (حزيران).

ورغم أن البنوك الصينية عادة ما تكثف الإقراض قبل نهاية الربع الثاني ثم تخفضه في يوليو، فإن حجم الانكماش هذه المرة يثير أسئلة أوسع بشأن قوة الطلب على الائتمان في ثاني أكبر اقتصاد عالمي.

وبلغ إجمالي القروض الجديدة خلال الأشهر السبعة الأولى 10.38 تريليون يوان، بانخفاض يقارب 19 في المائة عن 12.87 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام الماضي. كما تباطأ نمو رصيد القروض باليوان إلى 5.1 في المائة على أساس سنوي، من 5.2 في المائة في يونيو، مسجلاً أدنى مستوى على الإطلاق.

وتبدو الأسر الحلقة الأكثر ضعفاً؛ فقد انكمشت قروضها، بما فيها الرهون العقارية، بمقدار 460.3 مليار يوان في يوليو، بعدما زادت 264.6 مليار يوان في الشهر السابق. كما تراجعت قروض الشركات بنحو 130 مليار يوان، مقارنة بزيادة ضخمة بلغت 1.5 تريليون يوان في يونيو.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة البنوك على توفير التمويل، بل بضعف استعداد القطاع الخاص لتحمل ديون جديدة؛ فالضغوط المستمرة في سوق العقارات والحذر بشأن الدخل والوظائف تدفع الأسر إلى خفض المديونية، بينما يؤدي ضعف الطلب إلى تقليص حوافز الشركات للتوسع والاستثمار.

وقالت «كابيتال إيكونوميكس» إن ضعف الطلب على القروض يأتي رغم استمرار انخفاض أسعار الإقراض الاسمية، مشيرة إلى أن عودة التضخم تعني أن تكلفة الاقتراض الحقيقية انخفضت بصورة حادة هذا العام. وترى المؤسسة أن بنك الشعب الصيني لا يبدو شديد القلق إزاء البيانات الأخيرة، مع توقعها خفض أسعار الفائدة بنحو 30 نقطة أساس خلال العام المقبل.

• ضغوط محدودة على جودة الأصول

يأتي ضعف الائتمان فيما أظهرت بيانات الهيئة الوطنية للتنظيم المالي ارتفاع نسبة القروض المتعثرة لدى البنوك التجارية إلى 1.52 في المائة بنهاية الربع الثاني، بزيادة 0.01 نقطة مئوية على الربع السابق. ولا يشير الارتفاع المحدود حتى الآن إلى أزمة في جودة الأصول، خصوصاً أن القطاع المصرفي يحتفظ بهوامش رأسمالية كبيرة نسبياً. فقد بلغت نسبة كفاية رأس المال 15.26 في المائة بنهاية يونيو، بينما حققت البنوك التجارية أرباحاً صافية بلغت 1.2 تريليون يوان خلال النصف الأول من 2026.

لكن استمرار ضعف الاقتراض يفرض تحدياً مختلفاً على البنوك؛ فخفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد يمكن أن يضغط على هوامش أرباحها، بينما يؤدي ضعف الطلب على القروض إلى تقليص قدرتها على تحويل السيولة المتاحة إلى نشاط اقتصادي فعلي.

• بكين تراهن على أدوات أوسع

أعلن بنك الشعب الصيني هذا الأسبوع أنه سيواصل سياسة نقدية «تيسيرية على نحو مناسب»، وسيطرح إجراءات عملية وفاعلة جديدة في الوقت الملائم، مع تعزيز التنسيق بين السياستين النقدية والمالية. إلا أن البنك لم يقدم إشارات صريحة إلى خفض قريب لأسعار الفائدة أو نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك، وهو ما يتسق مع توجه السلطات نحو الاعتماد بدرجة أكبر على الإنفاق المالي وتمويل السندات بدلاً من محاولة دفع البنوك وحدها إلى زيادة الإقراض.

وتظهر البيانات بالفعل تحولاً هيكلياً في طريقة تمويل الاقتصاد الصيني؛ ففي 2025، لم تمثل القروض سوى 45 في المائة من الزيادة في إجمالي التمويل الاجتماعي، مقابل 47 في المائة للسندات وتمويل الأسهم مجتمعين، متجاوزين القروض للمرة الأولى.

ولهذا، دعت صحيفة «فاينانشال نيوز» المدعومة من البنك المركزي، إلى عدم تقييم الأوضاع المالية من خلال القروض المصرفية وحدها، والنظر إلى السندات وقنوات التمويل الأخرى. ومع ذلك، أظهرت المؤشرات النقدية تباطؤاً أيضاً؛ إذ نما المعروض النقدي الواسع M2 بنسبة 7.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو، وهو أضعف معدل في 16 شهراً، مقارنة بـ8 في المائة في يونيو وأقل من توقعات السوق البالغة 7.9 في المائة. وفي المقابل، نما رصيد إجمالي التمويل الاجتماعي بنسبة 7.4 في المائة، دون تغيير عن الشهر السابق.

وتضع هذه الأرقام بكين أمام معضلة أكثر تعقيداً من مجرد خفض أسعار الفائدة: كيف يمكن تحويل وفرة السيولة إلى طلب فعلي على الاستثمار والاستهلاك؟ فمع انكماش قروض الأسر والشركات، يصبح نجاح السياسة الاقتصادية مرتبطاً بقدرتها على استعادة الثقة وتحسين توقعات النمو، وليس فقط بجعل الاقتراض أرخص.

وبذلك، فإن الانكماش القياسي للقروض في يوليو يمثل رسالة واضحة لصناع السياسة: البنوك الصينية لا تعاني نقص الأموال، لكن الاقتصاد يحتاج إلى أسباب أقوى تدفع الأسر والشركات إلى استخدامها.


العقود الآجلة الأميركية تستقر قرب مستويات قياسية وسط ارتفاع النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية تستقر قرب مستويات قياسية وسط ارتفاع النفط

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

اتسمت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية بالاستقرار إلى حد كبير يوم الجمعة، بعد يوم من إغلاق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى قياسي، في ظل ارتفاع أسعار النفط الخام عقب التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، ما أبقى المستثمرين في حالة من الحذر.

وساهم تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة وقوة أرباح الشركات في وضع مؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» على مسار تحقيق مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، في أطول سلسلة مكاسب لهما منذ أوائل أبريل (نيسان)، وفق «رويترز».

وتراجعت توقعات رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) هذا الأسبوع، بعدما ساهم تباطؤ التضخم الاستهلاكي في تهدئة المخاوف بشأن ضغوط الأسعار.

لكن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط حدّ من تحسن المعنويات، ودفع أسعار العقود الآجلة لخام برنت إلى الارتفاع يوم الجمعة.

وقالت الولايات المتحدة إنها قد تبقي على الحصار البحري المفروض على إيران إلى أجل غير مسمى، وتكثف الضغوط الاقتصادية على طهران، في ظل تعثر محادثات وقف إطلاق النار.

وبحلول الساعة 6:07 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 64 نقطة، أو 0.12 في المائة، بينما ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 5.75 نقطة، أو 0.07 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 54.25 نقطة، أو 0.18 في المائة.

وتراجع سهم «أبلايد ماتيريالز» بنسبة 5.4 في المائة، رغم توقع الشركة المصنعة لمعدات الرقائق الإلكترونية تحقيق إيرادات في الربع الرابع تتجاوز تقديرات «وول ستريت». وكان السهم قد ارتفع إلى أكثر من مثلي قيمته منذ بداية العام.

في المقابل، قفز سهم «ريديت» بنسبة 12.4 في المائة بعد اختيار الشركة للانضمام إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» اعتباراً من 18 أغسطس (آب).

وارتفعت أسهم الفئة «أ» لشركة «فوكس كورب» بنسبة 2.1 في المائة، بعدما رفعت «جيه بي مورغان» تصنيف الشركة الإعلامية من «محايد» إلى «زيادة الوزن».

كما ارتفعت أسهم بعض الشركات المصنعة للطائرات المسيرة، بعدما قال الرئيس دونالد ترمب في وقت متأخر من الخميس إنه سيفرض رسوماً جمركية على واردات الطائرات المسيرة ومكوناتها.

وقفز سهم «ريد كات» بنسبة 7.1 في المائة، بينما ارتفع سهم «أن يوجوال ماشينز» بنسبة 13 في المائة، وصعد سهم «إيروفايرونمنت» بنسبة 3 في المائة.

وسجلت أسهم الشركات العملاقة وأسهم النمو مكاسب طفيفة، إذ ارتفع سهما «إنفيديا» و«ألفابت» بنحو 0.3 في المائة لكل منهما.

وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أوستن غولسبي، في وقت متأخر من الخميس، إن أحدث بيانات التضخم في الولايات المتحدة «أفضل قليلاً»، معرباً عن أمله في استمرار تحسن التضخم مع انحسار تأثير الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب مع إيران.

كما تترقب الأسواق تصريحات رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي المؤقتة في أتلانتا، شيريل فينابل، في وقت لاحق من اليوم.