«الفيدرالي» يرقص على حبل التوازن بين التضخم والركود

خفض شبه مؤكد للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ظل ضبابية البيانات بسبب الإغلاق الحكومي

مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» يستمع إلى الموظفين الحاضرين في اجتماع حول شفافية اختبارات الإجهاد (الاحتياطي الفيدرالي)
مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» يستمع إلى الموظفين الحاضرين في اجتماع حول شفافية اختبارات الإجهاد (الاحتياطي الفيدرالي)
TT

«الفيدرالي» يرقص على حبل التوازن بين التضخم والركود

مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» يستمع إلى الموظفين الحاضرين في اجتماع حول شفافية اختبارات الإجهاد (الاحتياطي الفيدرالي)
مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» يستمع إلى الموظفين الحاضرين في اجتماع حول شفافية اختبارات الإجهاد (الاحتياطي الفيدرالي)

يقف «الاحتياطي الفيدرالي» على أعتاب اجتماع «محوري» للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين، وسط توقعات شبه مؤكدة بخفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس، ليصبح النطاق المستهدف الجديد بين 3.75 في المائة و4 في المائة، وهو الأدنى منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

هذا الخفض المتوقع يأتي استكمالاً لقرار سبتمبر (أيلول) الماضي، حين خفّض «الاحتياطي الفيدرالي» الفائدة بواقع 25 نقطة أساس أيضاً، ويؤكد دخول «الاحتياطي الفيدرالي» في مرحلة «التيسير النقدي» بعد حملة تشديد استثنائية.

ورغم أن النتيجة تبدو شبه محسومة، فإن الأهمية الحقيقية تكمن في مدى قدرة البنك المركزي على «نسج الإبرة»، وأن يحاول تحقيق توازن شديد الدقة بين هدفين متضاربين؛ هما تخفيف التضخم المرتفع ودعم النمو نحو التوظيف الكامل دون دفع الاقتصاد إلى ركود. بمعنى آخر، ستكون أمام «الاحتياطي الفيدرالي» مهمة خفض أسعار الفائدة بمقدار يكفي لدعم سوق العمل وتجنب الركود، لكن دون أن يكون الخفض كبيراً لدرجة تُعيد إشعال التضخم مجدداً، وتحقيق الهبوط الناعم للاقتصاد.

مع العلم أن أعضاء اللجنة منقسمون بشأن مدى التخفيض، وما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية لدعم التوظيف أو مكافحة التضخم.

ويضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يسعى للسيطرة على البنك المركزي المستقل، من أجل خفض قوي لأسعار الفائدة، موجهاً سهامه على رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، مباشرة لحمله على تحقيق مراده.

باول يشارك في اجتماع لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» بواشنطن (إ.ب.أ)

التضخم وسوق العمل

تُعد الدلائل الاقتصادية الأخيرة هي الوقود وراء قرار «الاحتياطي الفيدرالي» بالتحول نحو التيسير، حيث تشير إلى نجاح السياسة التقييدية السابقة في «تبريد» الاقتصاد:

1- التضخم يثير القلق: على الرغم من تأخر صدور تقرير مؤشر أسعار المستهلكين بسبب الإغلاق الحكومي، فقد أكدت القراءات الأخيرة أن معدل التضخم السنوي سجل 3.0 في المائة في سبتمبر (أيلول). هذا الرقم، الذي جاء أقل من التوقعات وأبعد عن مستويات الذروة السابقة، يبقي «الاحتياطي الفيدرالي» على مسار خفض أسعار الفائدة. ومع ذلك، يظل التحدي هو الوصول إلى هدف 2 في المائة المنشود.

2- سوق العمل تتباطأ ونمو الناتج المحلي صلب: سجلت سوق العمل مؤشرات واضحة على التباطؤ، مما يمنح «الاحتياطي الفيدرالي» مبرراً قوياً للتحرك لدعم التوظيف؛ فقد ارتفع معدل البطالة إلى 4.3 في المائة، وشهدت وتيرة خلق الوظائف تراجعاً كبيراً، مسجلةً إضافة 22 ألف وظيفة جديدة فقط في سبتمبر. هذه المؤشرات على التهدئة تأتي في ظل استمرار النمو الاقتصادي الإجمالي القوي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي معدلاً صلباً بلغ 3.8 في المائة في الربع الثاني، مما يدعم سيناريو الهبوط الناعم الذي يسعى إليه البنك المركزي.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول في مؤتمره الصحافي في سبتمبر (الاحتياطي الفيدرالي)

الغموض يحيط ببيان اللجنة

نظراً لكون اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) واحداً من الاجتماعات «العادية» التي لا تتضمن إصدار التوقعات الاقتصادية المحدثة (Dot Plot)، يكتسب بيان السياسة النقدية الذي سيصدر يوم الأربعاء في نهاية اجتماع اليومين للجنة، أهمية مضاعفة. فالمستثمرون والمحللون سيبحثون عن أي إشارات دقيقة يمكن استخلاصها من البيان، وسيتابعون المؤتمر الصحافي المرتقب لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بعد قرار اللجنة، وما إذا كان يتضمن تلميحات حول الوتيرة المستقبلية للتيسير، أم أنه يعكس قلقاً من المخاطر الاقتصادية المتبقية.

حذر مشروط

وفي وقت تشكل فيه السياسات التجارية، تحديداً الرسوم الجمركية، خطراً تضخمياً خارجاً عن سيطرة «الاحتياطي الفيدرالي»، كشفت تصريحات مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» قبل دخولهم فترة «التعتيم» النقدي عن توازن حذر ومتباين يحدد مسارهم المستقبلي. فمن ناحية، أعرب المحافظ كريستوفر والر، وهو أحد المرشحين المتداولة أسماؤهم لخلافة باول، عن تفضيله وتيرة أبطأ في الخفض مما كان متوقعاً سابقاً، مؤكداً ضرورة تجنب إذكاء الضغوط التضخمية مجدداً، والحفاظ على التقدم المحرز في ترويض الأسعار، لا سيما إذا استمر النمو الاقتصادي قوياً.

كريستوفر والر مشاركاً في اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» بواشنطن (إ.ب.أ)

ومن ناحية أخرى، أشار رئيس احتياطي سانت لويس، ألبرتو مسالم، إلى أن دعمه لخفض إضافي مشروط بظهور مزيد من المخاطر التي تتهدد سوق العمل، واحتواء خطر التضخم فوق الهدف، وبقاء توقعاته راسخة، داعياً إلى نهج متوازن يسير بحذر.

وفي المقابل، انفرد المعين حديثاً ستيفن ميران، بالدعوة إلى خفض حاد للفائدة، معتبراً أن سياسات ترمب، تحديداً تشديد الهجرة، ستساعد بشكل غير مباشر في تخفيف التضخم عن طريق خفض الطلب على الإسكان.

ستيفن ميران المعين حديثاً يشارك في مؤتمر للنادي الاقتصادي بنيويورك (رويترز)

تداعيات الإغلاق الحكومي

ويزيد المشهد تعقيداً تأخير صدور بيانات حكومية رئيسية؛ مثل تقرير الوظائف الشهري المقبل، بسبب الإغلاق الحكومي الجزئي، مما يجبر صنّاع القرار على الاعتماد على مؤشرات قد تكون غير مكتملة، الأمر الذي حذر منه باول نفسه، مؤكداً أنه يجعل عملية قراءة الاقتصاد «أكثر صعوبة». هذا الغموض يركز الأنظار على كل كلمة في البيان لتحديد ما إذا كانت النبرة ستكون «متشددة» وحذرة من خفض إضافي سريع، أم «ميسرة»، وتتضمن إشارة إلى استمرار التخفيضات.

توقعات الأسواق

ومن المتوقع أن تكون للقرار تداعيات مباشرة على الأسواق؛ حيث يُنظر إلى خفض الفائدة دفعةً إيجابية لأسواق الأسهم، كما سيخفف تكاليف الاقتراض على الأسر والشركات، ويدعم أسعار أصول العملات المشفرة مثل «البتكوين» من خلال زيادة السيولة. ومع ذلك، سيتم «تسعير» جزء كبير من هذا التوقع مسبقاً في الأصول، مما يعني أن رد فعل السوق الفوري سيعتمد على مدى تلميح البيان إلى مستقبل السياسة النقدية بعد أكتوبر.

الطريق إلى ديسمبر (كانون الأول)

يُعد اجتماع أكتوبر نقطة عبور مؤكدة، لكنه يفتح الباب أمام السؤال الأكبر: ماذا بعد؟ ففي حين يتوقع نصف أعضاء «الفيدرالي» تقريباً خفضين إضافيين على الأقل حتى نهاية العام (في اجتماعي أكتوبر وديسمبر)، يظل أعضاء آخرون حذرين بشأن عودة التضخم. وعليه، فإن الكلمات التي ستُستخدم لوصف التوازن بين «استقرار الأسعار» و«الحد الأقصى للتوظيف» في بيان الأربعاء، ستكون بمثابة خريطة طريق للمستثمرين؛ وسيشكل قرار ديسمبر المقبل الاختبار الحقيقي لنوايا «الاحتياطي الفيدرالي» في رسم ملامح السياسة النقدية والاقتصاد الأميركي لعام 2026.


مقالات ذات صلة

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

الاقتصاد بيسنت وهي يتصافحان خلال محادثات تجارية بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس في مارس (رويترز)

بيسنت وهي يبحثان الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة قبل قمة ترمب - شي في واشنطن

يلتقي وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في نيويورك، الأحد، في محادثات تسبق بأيام القمة المرتقبة بين الرئيسين الأميركي والصيني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

واشنطن تعيد ترتيب أوراق الذكاء الاصطناعي... وترمب يعلن «قوة» جديدة

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه إنشاء «قوة للذكاء الاصطناعي» وتعيين مسؤول رفيع يتولى ملف التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في الحي المالي بمدينة لندن (إ.ب.أ)

صناديق الأسهم العالمية تسجل أكبر نزوح أسبوعي في 2026

تزايد حذر المستثمرين تجاه الأسهم العالمية مع ارتفاع أسعار النفط وتصاعد مخاوف التضخم وأسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك، لندن)
الاقتصاد أرضية الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبنغ آند ميتالوركس» في ساوث بند بإنديانا (رويترز)

تراجع مفاجئ للإنتاج الصناعي في أميركا بعد مكاسب استمرت 7 أشهر

انخفض الإنتاج الصناعي الأميركي على غير المتوقع خلال أغسطس، بعد سبعة أشهر متتالية من الارتفاع، إلا أن النشاط لا يزال مدعوماً بالتوسع في مجال الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تتجه إلى إنهاء أسبوع متقلب مع تباين أداء الأسهم

تتجه «وول ستريت» نحو ختام أسبوع اتسم بالتقلبات يوم الجمعة، مع تباين أداء مؤشرات الأسهم الأميركية عقب تسجيل خسائر في الأسواق الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
TT

«المركزي الأردني» يرفع الفائدة 25 نقطة أساس لتعزيز جاذبية الدينار

مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)
مبنى البنك المركزي الأردني (من موقع البنك)

رفع البنك المركزي الأردني أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية بمقدار 25 نقطة أساس، بدءاً من يوم الاثنين 21 سبتمبر (أيلول)، في خطوة قال إنها تستهدف الحفاظ على الاستقرار النقدي وتعزيز جاذبية الدينار الأردني.

وقال البنك المركزي، في بيان الأحد، إن القرار اتخذته لجنة عمليات السوق المفتوحة خلال اجتماعها السادس لعام 2026، في ضوء مراجعة التطورات الاقتصادية والنقدية والمالية محلياً وإقليمياً ودولياً، إلى جانب توجهات البنوك المركزية والضغوط التضخمية المتزايدة.

وأوضح أن رفع الفائدة يأتي أيضاً لمواءمة أسعار الفائدة المحلية مع الاتجاهات السائدة في الأسواق المالية الإقليمية والدولية، بما يعزز تنافسية الموجودات المقوَّمة بالدينار.

وارتفع معدل التضخم في الأردن إلى 2.20 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مقارنة مع 1.86 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي.

في المقابل، أظهرت المؤشرات الاقتصادية تحسناً في عدد من القطاعات؛ إذ نما الدخل السياحي 2.9 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، ليبلغ نحو 5.6 مليار دولار. وتسارع أداء القطاع خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، التي بلغ متوسط نمو الدخل السياحي خلالها نحو 17 في المائة.

كما ارتفعت حوالات العاملين الأردنيين في الخارج 14.1 في المائة، خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، لتصل إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما زادت الصادرات الوطنية 7.2 في المائة إلى 6.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وأكد البنك المركزي مواصلة متابعة التطورات الاقتصادية والنقدية، وتقييم انعكاساتها على الاقتصاد الوطني، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التطورات الخارجية.


«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
TT

«توريد» تفتح بوابة السيولة لسلاسل الإمداد السعودية

مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)
مبنى صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي (الصندوق)

يتجه صندوق الاستثمارات العامة إلى توسيع أدوات تمكين القطاع الخاص في السعودية، من الاستثمار المباشر إلى معالجة إحدى الحلقات الأكثر حساسية في دورة الأعمال، وهي توفير السيولة للموردين وتمويل رأس المال العامل، مع إطلاق شركة «توريد للحلول التمويلية» المتخصصة في تمويل سلاسل الإمداد.

وتقدم «توريد» خدماتها عبر منصة رقمية تربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، وتتيح منتجات من بينها السداد المبكر للمستحقات القائمة على فواتير معتمدة، بما يمنح الموردين إمكانية الحصول على السيولة قبل موعد تحصيل مستحقاتهم، بدلاً من انتظار دورة السداد كاملة.

وحصلت الشركة على تصريح من البنك المركزي السعودي «ساما» لبدء اختبار عملياتها ضمن البيئة التجريبية التشريعية، في خطوة تضع نموذج تمويل سلاسل الإمداد الرقمي أمام الاختبار الفعلي في السوق السعودية.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تواجه فجوة بين تنفيذ الطلبات أو توريد المنتجات وبين تحصيل مستحقاتها من الشركات الأكبر. ويسمح تمويل الفواتير المعتمدة بتحويل جزء من هذه المستحقات إلى سيولة متاحة للنشاط، مما يساعد الشركات على تمويل مشترياتها ورواتبها والتزاماتها والتوسع في أعمالها.

حلقة بين الشركات والبنوك

وقال مدير قطاع المؤسسات المالية في الإدارة العامة للاستثمارات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى صندوق الاستثمارات العامة، سلطان آل الشيخ، إن «توريد» ستسهم في تعزيز سلاسل الإمداد المحلية وزيادة مرونتها من خلال تحسين قدرة الشركات على الوصول إلى التمويل وإدارة السيولة النقدية، بما يتيح للقطاع الخاص المحلي العمل بكفاءة ومرونة أكبر.

ويتمثل أحد العناصر الرئيسية في نموذج «توريد» في إتاحة وصول البنوك المحلية المسجَّلة على المنصة إلى الموردين المسجلين، بما ينشئ قناة رقمية تجمع بين الفواتير والموردين والجهات التمويلية، بدلاً من اعتماد الشركات على ترتيبات تمويل منفصلة للحصول على السيولة اللازمة.

ويرى حسن آل هليل، الخبير اللوجستي، أن إطلاق منصة متخصصة في تمويل سلاسل الإمداد يمكن أن يسد فجوة مهمة في المنظومة، خصوصاً أن كفاءة سلاسل الإمداد لا تعتمد فقط على حركة السلع والخدمات، وإنما كذلك على قدرة أطرافها على الحفاظ على تدفقات نقدية مستقرة.

وأوضح آل هليل أن أهمية إطلاق «توريد» تتجاوز الجانب التمويلي، إذ أصبحت السيولة أحد العناصر الأساسية لاستمرارية سلاسل الإمداد وكفاءتها. فالمورد الذي يمتلك سيولة كافية يكون أكثر قدرة على شراء المواد الخام، والحفاظ على مستويات المخزون، وتأكيد الطلبات، وتنفيذ عمليات الإنتاج والشحن في مواعيدها.

وأضاف أن أهمية توفير السيولة في الوقت المناسب تتزايد بالنسبة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه فجوة زمنية بين تنفيذ طلبات العملاء وتحصيل مستحقاتها. ومن شأن تسريع حصولها على السيولة أن يساعدها على مواصلة التوريد من دون الاضطرار إلى تقليص المخزون أو تأجيل المشتريات أو تأخير تسليم الطلبات.

وأشار إلى أن تقليص هذه الفجوة النقدية يسهم، من المنظور اللوجستي، في الحد من احتمالات تعطل إحدى حلقات سلسلة الإمداد. كما يمكن للمنصة الرقمية أن تعزز سرعة وشفافية التعامل بين المشترين والموردين والجهات التمويلية، بما يتيح اتخاذ قرارات أسرع بشأن الطلبات والمخزون والتوريد.

ورأى أن القيمة الأهم لـ«توريد» تتمثل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد المحلية؛ فكلما تمكن المورد من الحصول على السيولة في الوقت المناسب، زادت قدرته على الاستجابة لتغيرات الطلب، والحفاظ على استمرارية التوريد، والتعامل مع اضطرابات الشحن أو ارتفاع تكاليف النقل، من دون أن تنتقل آثار هذه الضغوط سريعاً إلى العميل النهائي.

وخلص آل هليل إلى أن تمويل سلاسل الإمداد لا ينبغي النظر إليه كأداة مالية فحسب، بل كأحد الأدوات الداعمة لاستقرار تدفق السلع والخدمات داخل الاقتصاد، قائلاً: «من الناحية اللوجستية، السيولة ليست مسألة مالية فقط؛ إنها وقود سلسلة الإمداد».

ولا يقتصر أثر تمويل سلاسل الإمداد على توفير السيولة للشركات، إذ يمكن لتسريع دورة المدفوعات أن يرفع قدرة الموردين على الاستمرار في تلبية الطلبات، ويقلل الضغوط التي قد تنشأ عندما تتسع الفجوة الزمنية بين شراء المدخلات وتحقيق الإيرادات.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية مع اتساع سلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات والشركات الكبرى، إذ يمكن لمشكلة سيولة لدى مورد واحد أن تنتقل إلى حلقات أخرى من السلسلة. ومن هنا يأتي تمويل المستحقات والفواتير كأداة مالية يمكن أن تدعم استمرارية العمليات، إلى جانب دوره في تمويل النمو.

ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (موانئ)

3 بنوك وشركتان

وباشرت «توريد» أنشطتها وأبرمت اتفاقيات ملزمة مع عدد من البنوك والشركات في السعودية، من بينها بنك الخليج الدولي - السعودية، والبنك الأهلي السعودي، والبنك السعودي الفرنسي، إضافة إلى مجموعة «روشن» و«نسما وشركاهم».

وتوفر هذه الاتفاقيات قاعدة أولية لنموذج المنصة، إذ تجمع بين الشركات المشترية التي لديها مستحقات على الموردين، والموردين الباحثين عن السيولة، والبنوك القادرة على تقديم التمويل.

ويأتي إطلاق «توريد» ضمن استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026 - 2030، التي تضع الخدمات المالية ضمن الممكنات الاستراتيجية للمنظومات الاقتصادية الست التي أعلن عنها الصندوق.

كما ينسجم المشروع مع توجه الصندوق نحو زيادة مشاركة القطاع الخاص في مشروعاته وشركات محفظته، ورفع مساهمة الشركات المحلية في الاقتصاد، مع استخدام التقنيات الرقمية لتطوير الخدمات المالية ورقمنة التجارة.

من تمويل الشركات إلى تمويل السلسلة

ويمثل تمويل سلاسل الإمداد مساراً مختلفاً عن التمويل التقليدي للشركات، إذ يستند في جانب منه إلى معاملات تجارية قائمة وفواتير معتمدة، بدلاً من الاعتماد حصراً على الوضع المالي للمورد وقدرته الائتمانية المنفردة.

وتكمن أهمية هذا النموذج في أنه ينقل التركيز من تمويل شركة بعينها إلى تمويل التدفقات النقدية التي تتحرك عبر سلسلة كاملة من الشركات. وكلما أصبحت هذه التدفقات أكثر سرعة وانتظاماً، زادت قدرة الموردين على تلبية الطلب والاستثمار في توسيع أعمالهم.

وبالنسبة للسوق السعودية، يأتي إطلاق «توريد» في وقت تتوسُّع فيه سلاسل الإمداد المحلية مع نمو المشروعات والشركات والمحتوى المحلي، مما يجعل توفير أدوات تمويل مرنة للموردين جزءاً من البنية الداعمة لهذا التوسع.


مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)
TT

مبادرة «استرداد» تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة استعادة 10 رسوم حكومية

المركز المالي في الرياض (كافد)
المركز المالي في الرياض (كافد)

دعت وزارة الصناعة والثروة المعدنية المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاعَين الصناعي والتعديني إلى التحقُّق من أهليتها للاستفادة من مبادرة «استرداد»، التي تتيح للمنشآت المؤهلة استعادة 10 رسوم حكومية مرتبطة بتأسيس وممارسة الأعمال، بهدف تخفيف الأعباء المالية ودعم استدامة الأنشطة الاقتصادية ونموها.

وأوضحت «منشآت» أن المبادرة تشمل استرداد رسوم الرخص البلدية لممارسة النشاط، ونشر عقد تأسيس الشركة لمرة واحدة، وإصدار وتجديد السجل التجاري، و80 في المائة من رسوم المقابل المالي للعامل الأجنبي، واشتراك الغرفة التجارية وتجديده، وتحويل المؤسسة إلى شركة، وتسجيل علامة تجارية واحدة، واشتراك البريد السعودي، وتسجيل براءة اختراع، وإصدار وتجديد تراخيص الأنشطة الاقتصادية.

وتستهدف المبادرة، في نسختها الثانية، دعم المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، عبر استرداد الرسوم الحكومية المدفوعة، وفق شروط ومعايير محددة، بما يعزِّز كفاءة التشغيل واستمرارية الأنشطة، ويمكّن رواد الأعمال من التوسع ودخول أسواق جديدة.

كما تركّز على تخفيف الأعباء المالية عن المنشآت الناشئة، وتسهيل بدء أعمالها، وتعزيز فرص استمراريتها، ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.