صعود الذهب... ورقة الصين الرابحة في تحدي هيمنة الدولار الأميركي

سبائك الذهب في مصهر مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك الذهب في مصهر مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
TT

صعود الذهب... ورقة الصين الرابحة في تحدي هيمنة الدولار الأميركي

سبائك الذهب في مصهر مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)
سبائك الذهب في مصهر مصفاة «إيه بي سي» بسيدني (أ.ف.ب)

منح الارتفاع الهائل في سعر الذهب، متجاوزاً مستوى الـ4 آلاف دولار للأونصة، دفعة قوية لجهود الصين طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي. فبعد سنوات من بناء أحد أكبر احتياطات السبائك في العالم بهدوء، تستغل الصين، الآن، الصعود التاريخي للمعدن الأصفر لتحقيق هدف جيوسياسي أكبر: ترسيخ اليوان بصفته عملة احتياطية موثوقة مدعومة بأصول ملموسة.

ويرى محللون أن مزيجاً من حالة عدم اليقين التجاري في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وازدياد المخاطر المالية الأميركية، والطلب العالمي على أدوات التحوط من التضخم، قد أتاح للصين فرصةً للتقدم.

وأشار دينغ شوانغ، كبير الاقتصاديين لشؤون الصين الكبرى في «ستاندرد تشارترد»، إلى أن البيئة الحالية، التي تتسم بالتقلبات الجيوسياسية وظهور وسائل الدفع البديلة، مثالية لطموحات بكين، وفق ما نقلت عنه «ياهو فاينانس».

صائغ يزن مجوهرات ذهبية داخل صالة عرض بأحمد آباد (رويترز)

دروس من روسيا

دأبت بكين على توسيع نفوذها في أسواق السبائك العالمية بشكل منهجي، مُكوّنةً مخزوناً من السبائك يُرجّح أن يكون سادس أكبر مخزونٍ في العالم. وقد تعززت هذه الاستراتيجية بعد تجميد ما يقرب من 300 مليار دولار من احتياطات النقد الأجنبي الروسية في عام 2022، وهو ما كان بمثابة «جرس إنذار» للمخططين الماليين الصينيين حول مدى ضعف الأصول المقوَّمة بالدولار أمام العقوبات الجيوسياسية.

ولم تكن الصين غافلة عن التجربة الروسية؛ حيث تابعت، من كثب، كيف أصبح الذهب الذي راكمه البنك المركزي الروسي (وهو منتج رئيسي آخر للذهب) عاملاً رئيسياً في الاستقرار المالي لموسكو منذ عام 2022. وعلى الرغم من أن الذهب الروسي لم يُبع، لكنه سمح لموسكو بتجاوز تجميد احتياطاتها الأجنبية، وساعد على استقراره المالي.

سبائك ذهب وزنها أونصة واحدة جاهزة للختم أثناء الإنتاج بمصفاة «إيه بي سي» في سيدني (رويترز)

الصين تخطو بثبات نحو بناء مركز عالمي للذهب

تعمل الصين على تعزيز مكانتها في النظام المالي العالمي بأقل مقاومة، حيث تُواصل خفض حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية وزيادة احتياطاتها من الذهب بانتظام. فبنك الشعب الصيني رفع احتياطاته من الذهب، للشهر الحادي عشر على التوالي، ليصل إلى 74.06 مليون أونصة في سبتمبر (أيلول) الماضي، على الرغم من أن الذهب يمثل أقل من 9 في المائة من إجمالي احتياطات الصين، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ نحو 20 في المائة، مما يشير إلى وجود مجال واسع للنمو. وتستهدف بكين زيادة احتياطاتها بنسبة تتراوح بين 5 في المائة و10 في المائة بحلول عام 2027.

وعلى صعيد البنية التحتية، افتتحت بورصة شنغهاي للذهب أول خزينة خارجية لها في هونغ كونغ، والتي توسعت لتصبح أكبر بورصة للذهب المادي في العالم من حيث حجم التداول، حيث تعاملت مع نحو 27500 طن من الذهب في عام 2023. وعلى عكس البورصات الغربية التي تُتاجر بالعقود الورقية، تركز بورصة شنغهاي على التسليم المادي، حيث بلغ إجمالي عمليات السحب المادي نحو 2000 طن في 2023.

كما أنشأت الصين مستودعات آمنة وواسعة للذهب لتشجيع التخزين الدولي ضِمن حدودها، مما يدعم نظاماً بيئياً متنامياً من المنتجات المالية المدعومة بالذهب كبديل لمراكز تداول الذهب الغربية مثل لندن ونيويورك.

وهي تسعى إلى جذب البنوك المركزية الأخرى لتخزين ذهبها في الصين، وهو ما من شأنه أن يعزز نفوذ الصين في المفاوضات المالية والتجارية العالمية، تماماً مثل قوتها الاقتصادية ومكانتها العالمية، ويسهم في بناء نظام مالي أقل اعتماداً على الدولار الأميركي والنظام المالي الغربي.

ويشير المحللون إلى أن الخطوة التالية قد تتمثل في السماح لهذه المؤسسات بتداول وإقراض الذهب محلياً، على غرار ما تفعله في لندن. ومن شأن هذه الخطوات أن ترتقي بمكانة الصين لتكون وصياً على الاحتياطات العالمية، مع تعزيز مصداقية اليوان بوصفه أصلاً مستقراً.

وتُمثل احتياطات الذهب ما يقرب من 4.9 في المائة من إجمالي احتياطات الصين من النقد الأجنبي، وفقاً لإدارة الدولة للنقد الأجنبي (2024)، وهي نسبة صغيرة نسبياً، مقارنة بعدد من الدول الغربية، مما يشير إلى إمكانية حدوث زيادات أخرى.

ونقلت «بلومبرغ» عن كبير الاقتصاديين لشؤون الصين الكبرى وشمال آسيا في «ستاندرد تشارترد» دينغ شوانغ، قوله: «جميع العوامل مترابطة، فالدول تُنوّع احتياطاتها، والتقلبات الجيوسياسية مرتفعة، والمدفوعات والأنظمة البديلة آخذة في الازدياد». وأضاف: «الصين بالفعل أكبر مُنتج للذهب في العالم، وهي الآن تريد تعزيز دورها في النظام المالي، في ظلّ ظروف أقلّ مقاومة».

الذهب محور استراتيجية «بريكس»

أساور وقلائد ذهبية معروضة للبيع بمتجر ذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

لا يقتصر هدف استراتيجية الذهب الصينية على تنويع المحافظ المالية، بل يخدم أهدافاً استراتيجية أوسع ترتبط بالسيادة المالية الكاملة. ولهذا يلعب الذهب دوراً محورياً في تعاون الصين مع شُركاء «بريكس» والاقتصادات الناشئة الأخرى، حيث يوفر أساساً محايداً للتعاون الاقتصادي بعيداً عن النظم المالية الغربية:

  • آلية تسوية محايدة: يوفر الذهب آلية تسوية مقبولة لجميع أعضاء «بريكس». وتتماشى الاستراتيجية النقدية لروسيا مع الاستراتيجية الصينية، مما يخلق تآزراً قوياً داخل التحالف.
  • تقليل التعرض للعقوبات: تتيح أنظمة التسوية التجارية المدعومة بالذهب لأعضاء «بريكس» تقليل تعرضهم للعقوبات القائمة على الدولار، مما يعزز سيادتهم الاقتصادية.
  • نظام «CIPS» البديل لـ«سويفت»: يوفر نظام المدفوعات العابرة للحدود باليوان الصيني (CIPS) بنية تحتية للمدفوعات الدولية مستقلة عن النظام الغربي «سويفت»، مما يمنح الصين وشركاءها التجاريين استقلالية مالية متزايدة.

استراتيجية صامتة تعيد رسم الخريطة المالية

في الختام، يمثل تراكم الذهب الصيني أكثر من مجرد تحوّط؛ إنه تجسيد لرؤية استراتيجية واضحة ترمي إلى تأسيس نظام مالي عالمي أكثر استقلالاً ومنعة ضد التهديدات الغربية. وبحشد مواردها الداخلية وتحالفاتها الدولية مثل مجموعة «بريكس»، تدير الصين عملية تحول هادئة، لكنها عميقة في قواعد اللعبة المالية. إن الآثار الكاملة لهذه الاستراتيجية الصامتة باتت تمتد لتطول أسس التجارة العالمية، وتضع مستقبل الدولار الأميركي بوصفه عملة احتياطية مهيمنة أمام تحدٍّ غير مسبوق.


مقالات ذات صلة

هدوء مؤقت في الشرق الأوسط يقود الذهب إلى الاستقرار

الاقتصاد سبائك وعملات ذهب بريطانية تُعرض في متجر بلندن (رويترز)

هدوء مؤقت في الشرق الأوسط يقود الذهب إلى الاستقرار

استقرت أسعار الذهب إلى حد كبير، الثلاثاء، حيث أخذ المستثمرون قسطاً من الراحة بعد التقلبات الأخيرة، بينما ركزوا على التطورات المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)

روسيا تخفق في بيع حصة بشركة تعدين ذهب لعدم وجود عروض

أظهر موقع مزادات حكومي، الاثنين، أن روسيا أخفقت في بيع حصة بشركة إنتاج الذهب «أوزهورالزولوتو (Uzhuralzoloto)»، التي كانت استولت عليها؛ وذلك لعدم وجود عروض...

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد رجل أردني ينظر إلى أساور ذهبية معروضة في أحد متاجر سوق الذهب في عمّان (رويترز)

مشتريات «صيد الفرص» تقود استقرار الذهب فوق 4540 دولاراً

استقرت أسعار الذهب يوم الاثنين، مدعومة بعمليات الشراء عند انخفاض الأسعار، مما ساعد السوق على التعافي من خسائر سابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تسعى الحكومة الهندية للحد من واردات المعادن الثمينة لتخفيف الضغط على احتياطات النقد الأجنبي للبلاد الناجم عن ارتفاع أسعار النفط (إكس)

الهند تفرض قيوداً على بعض واردات الفضة بأثر فوري

فرضت نيودلهي قيوداً بأثر فوري على واردات بعض منتجات الفضة، إذ حوَّلتها من فئة «المنتجات الحرة» إلى فئة «المنتجات المقيدة».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة داخل متجر للمجوهرات في الأحياء القديمة بمدينة دلهي الهندية (رويترز)

الذهب يتراجع متجهاً لخسائر أسبوعية مع تصاعد مخاوف التضخم

تراجعت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهة نحو تكبد خسائر أسبوعية، في ظل تصاعد المخاوف من الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مخاوف الحرب تقفز بعوائد السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

مخاوف الحرب تقفز بعوائد السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

لامس عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً أعلى مستوياته منذ عام 2007 خلال تعاملات يوم الثلاثاء، في مؤشر واضح على تصاعد مخاوف المستثمرين من تداعيات تضخمية حادة ومستمرة تغذيها الحرب المستعرة في الشرق الأوسط.

وسجل العائد مستوى 5.17 في المائة بحلول الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، بعد أن قفز في وقت سابق من التداولات إلى 5.18 في المائة، مقارنة بمستوى 4.61 في المائة المسجل قبل بدء التحالف الأميركي الإسرائيلي موجة ضرباته الجوية على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

ويعني هذا الارتفاع الحاد أن واشنطن باتت ملزمة بدفع مبالغ أعلى لتمويل واستدعاء ديونها، مما يعكس تصاعد تقييمات المخاطر بخصوص استدامة الضغوط التضخمية في الاقتصاد الأميركي.

وتأتي هذه الاضطرابات في أسواق الدين بالتوازي مع قفزة قياسية في أسعار النفط، والتي ارتفعت بنحو 60 في المائة منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط، نتيجة إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز الحيوي أمام معظم حركة ناقلات النفط العالمية. في حين حذر خبراء ومطلعون في قطاع الطاقة من أن أسعار الخام مرشحة لمزيد من الصعود ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع بين واشنطن وطهران لإعادة تسيير الشحنات البحرية، وسط أجواء جيوسياسية مشحونة.

إذ حذر الجيش الإيراني يوم الثلاثاء من أنه سيقوم بـ«فتح جبهات جديدة» ضد الولايات المتحدة في حال استأنفت هجماتها، وذلك بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب أشار فيها إلى أنه أرجأ شن هجوم جديد لعل وعسى ينجح في إبرام صفقة.

ولم تقتصر شظايا الارتفاع في عوائد السندات على الأسواق الأميركية فحسب، بل تحولت إلى مصدر قلق متزايد في أوروبا؛ حيث يقترب عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات من مستوى 3.2 في المائة، وهو مستوى تاريخي لم تشهده القارة العجوز منذ عام 2011.


المركزي البرازيلي يوقف التوجيهات المستقبلية للفائدة وسط ضبابية الحرب

مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
TT

المركزي البرازيلي يوقف التوجيهات المستقبلية للفائدة وسط ضبابية الحرب

مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)
مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي البرازيلي في برازيليا (رويترز)

قال نيلتون ديفيد، مدير السياسة النقدية في البنك المركزي البرازيلي، يوم الثلاثاء، إن البنك لن يقدم أي توجيهات مستقبلية بشأن مسار السياسة النقدية في ظل حالة عدم اليقين المتزايدة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.

وكان البنك قد خفّض أسعار الفائدة مرتين متتاليتين بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 14.50 في المائة، فيما شدد ديفيد مراراً على أن مستويات الفائدة ستبقى في نطاق تقييدي إلى أن يقتنع صانعو السياسة باقتراب التضخم من الهدف الرسمي البالغ 3 في المائة، وفق «رويترز».

وقد تسارع التضخم في أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، ليصل إلى 4.39 في المائة على أساس سنوي في أبريل (نيسان).

وأوضح ديفيد، خلال فعالية نظمها بنك «سانتاندير»، أن قرار عدم تقديم توجيهات مستقبلية يعكس تقييم البنك لتأثير الصراع على أسعار الطاقة، في ظل غياب أفق واضح لانتهائه.

وقال: «سيستغرق الأمر وقتاً قبل أن تعود أسعار الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية، إن عادت أصلاً».

وأضاف: «لن يتدخل البنك المركزي في أي تحركات للأسعار ناجمة عن النزاع، لكنه لن يتسامح مع انتقالها إلى تضخم مستدام في المستقبل».

وأشار ديفيد إلى أن البنك يراقب بقلق تراجع تثبيت توقعات التضخم عن مستهدفه، لا سيما على المدى الطويل حتى عام 2028، وهو ما يُعد عادة أقل تأثراً بالصدمات الآنية.

كما أوضح أن الاقتصاد لم يعد ينمو بوتيرة تفوق قدراته الإنتاجية، مؤكداً أن صناع السياسة يفضلون الحفاظ على «الهدوء» مع التريث لتقييم البيانات الاقتصادية المختلفة، بما في ذلك أوضاع الائتمان وسوق العمل.

تدخلات البنك في سوق الصرف الأجنبي

وفيما يتعلق بتحركات البنك الأخيرة في سوق الصرف، عقب ارتفاع الريال البرازيلي بنحو 5 في المائة منذ بداية العام، قال ديفيد إن تلك الإجراءات تهدف إلى ضمان سلاسة عمل السوق.

وأشار إلى أن آخر تدخل مباشر كان في عام 2024، خلال فترة تراجع حاد للعملة نتيجة مخاوف مالية.

وأكد أن البنك المركزي سيتدخل فقط في حال حدوث اختلالات في سوق الصرف الأجنبي، مشدداً على أن الريال يعمل بنظام سعر صرف حر، وأن البنك لا يستهدف مستوى معيناً للعملة.


استقلالية «الفيدرالي» تحت المجهر... والأسواق تترقب توجهات الرئيس الجديد

كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
TT

استقلالية «الفيدرالي» تحت المجهر... والأسواق تترقب توجهات الرئيس الجديد

كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)
كيفن وارش يدلي بشهادته أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة تثبيته بواشنطن 21 أبريل 2026 (رويترز)

أثار اقتراح كيفن وارش، الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بأن استقلالية البنك المركزي قد لا تمتد بالكامل إلى دوره في إدارة أزمات السيولة خارج الولايات المتحدة، قلقاً لدى نظرائه من صانعي السياسات النقدية الذين يخشون أن يؤدي أي تقليص لدوره العالمي إلى تهديد استقرار الأسواق.

وبالنظر إلى أن الدولار هو العملة الأكثر استخداماً في العالم، يلعب «الفيدرالي» دوراً محورياً في تهدئة الأسواق، خلال فترات الاضطراب، وقد وسّع، على مدى السنوات الماضية، أدواته لمواجهة الأزمات؛ لضمان استمرار تدفق التمويل العالمي، وفق «رويترز».

إلا أن وارش، الذي اختاره الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتولّي المنصب، أثار تساؤلات عندما أشار إلى أن استقلالية البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة لا تمتد، بشكل كامل، إلى عملياته الأوسع، بما في ذلك دوره في النظام المالي الدولي، مؤكداً ضرورة تنسيقٍ أكبر مع الإدارة الأميركية و«الكونغرس».

وخلال جلسة تثبيته، قال وارش إن استقلالية «الفيدرالي» في السياسة النقدية لا تشمل بالضرورة كل وظائفه، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى التساؤل حول مدى قدرته على التحرك بسرعة وحسم، خلال الأزمات المقبلة.

الولايات المتحدة مستفيد رئيسي من النظام

تشير تصريحات مسؤولي السياسة النقدية، التي أدلى بها علناً وفي الكواليس أكثر من ستة مسؤولين، إلى أنهم يتابعون باهتمامٍ تصريحات «وارش»، وينتظرون توضيحاً بشأنها. ومع ذلك فإنهم لا يتوقعون أي تغيير كبير بالسياسات في الوقت الحالي، ولو لمجرد أن التسهيلات التمويلية (أدوات السيولة) التي يوفرها «الفيدرالي» تحمي الاقتصاد الأميركي، في نهاية المطاف، بالقدر نفسه الذي تحمي به اقتصاد الشركاء العالميين.

وحذَّر مسؤولون من أن تراجع مصداقية «الفيدرالي» قد يدفع دولاً إلى تقليل اعتمادها على الدولار، مما قد يُسرّع الاتجاه النزولي لحصة العملة الأميركية في الاحتياطات العالمية، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

في المقابل، لا تمتلك البنوك المركزية أدوات كافية على المدى القصير، إذا ما قيد «الفيدرالي» وصول الدولارات، لكن حتى مجرد الإيحاء بتقييد خطوط السيولة قد يؤدي إلى اضطرابات بالأسواق.

وقال أحد صانعي السياسات في البنك المركزي الأوروبي: «هذا سلاح ذو حدين، فالعالم يعتمد على الدولار، وإذا لم يكن متاحاً بسهولة، فالجميع سيدفع الثمن، بما في ذلك الولايات المتحدة».

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي بواشنطن (رويترز)

آلية السيولة العالمية

يوفر «الفيدرالي» حالياً الدولار عند الطلب للبنك المركزي الأوروبي ونظرائه في كندا واليابان وبريطانيا وسويسرا، مقابل ضمانات، عبر أدوات سيولة دائمة. كما يمكن لبنوك مركزية أخرى الوصول إلى الدولار عبر آليات أكثر تعقيداً.

ويستند هذا الدور إلى حقيقة أن البنوك التجارية خارج الولايات المتحدة تحتفظ بتريليونات الدولارات من سندات الخزانة الأميركية، وأن أي ضغوط في الأسواق قد تدفعها إلى البيع السريع للحصول على السيولة، ما قد ينقل الاضطراب إلى الأسواق الأميركية نفسها.

وتاريخياً، لم يكن إدخال السياسة في توفير الدولار أمراً جديداً، إذ قدمت إدارة ترمب خط ائتمان بقيمة 20 مليار دولار للأرجنتين قبل الانتخابات العام الماضي، كما طلبت دول في الخليج وآسيا مؤخراً تسهيلات سيولة لمواجهة صدمات الطاقة وتداعيات حرب إيران.

كما أثار الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ هذه القضية، خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، هذا الشهر.

تحذيرات من انعكاسات عالمية

وأشار الخبير الاقتصادي تاكاهيدي كيوتش، وهو عضو سابق ببنك اليابان، إلى أن سياسات «الفيدرالي» قد تترك آثاراً واسعة على الأسواق العالمية، قائلاً إن وارش قد يحاول الموازنة بين سياسة نقدية ميسّرة تتماشى مع رغبات ترمب، وسياسة ميزانية أكثر تشدداً.

وحذّر من أن أي اضطراب في الأسواق الأميركية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب إيران، قد يدفع عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل إلى الارتفاع، ما يضغط على الاقتصاد والأسواق باليابان.

اليورو غير جاهز للاستفادة

ويرى بعض المسؤولين أن الحفاظ على تدفق الدولار عالمياً يصبّ أيضاً في مصلحة الولايات المتحدة؛ لأنه يسهّل تمويل العجز الكبير في الموازنة.

لكن أي تراجع في مصداقية «الفيدرالي» قد يعزز تدريجياً مكانة اليورو كعملة بديلة، رغم أن البنية المؤسسية للعملة الأوروبية الموحدة لا تزال غير مهيّأة لتولّي دور عالمي مماثل، وفق مصادر.

واتفق جميع المسؤولين على أن خطط الطوارئ قد تساعد البنوك المركزية على التكيف مع أي تقييد محتمل لدور «الفيدرالي»، لكنهم شددوا على أنه في أوقات الأزمات يبقى البنك المركزي الأميركي «المُقرِض الأخير بالدولار».

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس ماكروإيكونوميكس»: «لا توجد بدائل حقيقية، فحجم سوق اليورو-دولار البالغ 30 تريليون دولار يجعل من المستحيل توفير بديل كافٍ».

قدامى المحاربين لا يُحدثون تغييرات جذرية

يرى عدد من المصادر أن وارش من غير المرجح أن يُحدث تغييراً جذرياً؛ نظراً لكونه مصرفياً مركزياً مخضرماً، ويمتلك فهماً عميقاً للمسؤوليات الأساسية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وقال كارستن برزيسكي، خبير الاقتصاد ببنك «آي إن جي»: «كانت تعليقاته موجَّهة إلى ترمب أكثر من كونها موجَّهة إلى نظرائه الأوروبيين».

وأضاف: «وارش مخضرم في (الفيدرالي)، ومخضرم في الأزمات المالية، وهو يدرك جيداً المخاطر المحتملة على الاستقرار المالي، إذا ما تم تقليص خطوط تبادل السيولة (swap lines)».

ويرى آخرون أن صانعي السياسات في «الفيدرالي» سيحافظون، بشكل جماعي، على شبكة الأمان، خاصة أن وارش يمتلك صوتاً واحداً فقط، كما أنه لم يجرِ التشكيك سابقاً في خطوط السيولة هذه.

وقال تيف ماكلم، محافظ بنك كندا: «عملت معه، خلال الأزمة المالية في عام 2008. أعتقد أن ثقافة وسلوك (الفيدرالي) سيستمران كما كانا في الماضي».