اليابان: الاقتصاد يتعافى... لكن تأثير الرسوم الأميركية ملحوظ

أصوات المعارضة تزداد داخل أروقة «البنك المركزي»

علم اليابان يرفرف أمام مقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
علم اليابان يرفرف أمام مقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان: الاقتصاد يتعافى... لكن تأثير الرسوم الأميركية ملحوظ

علم اليابان يرفرف أمام مقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)
علم اليابان يرفرف أمام مقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

أعلنت الحكومة اليابانية، يوم الاثنين، أن اقتصادها يتعافى بشكل معتدل، لكن تأثير السياسات التجارية الأميركية كان واضحاً بشكل خاص في قطاع السيارات.

وعلى الرغم من أن طوكيو حسّنت نظرتها بشأن الإنفاق الخاص والإنفاق الرأسمالي، فإنها حذَّرت من مخاطر سلبية محتملة على التوقعات الاقتصادية نتيجة السياسات التجارية لواشنطن.

وشهد الاقتصاد الياباني نمواً أسرع من المتوقع في الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، مسجلاً بذلك خامس نمو ربع سنوي له على التوالي. لكن الرسوم الجمركية الأميركية وعدم اليقين السياسي المحلي قد يُعقّدان عملية صنع السياسات قبل انتخابات قيادة الحزب الليبرالي الديمقراطي في أوائل أكتوبر (تشرين الأول) لاختيار خلف لرئيس الوزراء المنتهية ولايته شيغيرو إيشيبا.

وقال مكتب مجلس الوزراء في تقريره الشهري الصادر يوم الاثنين: «يتعافى الاقتصاد الياباني بشكل معتدل، على الرغم من أن تأثير السياسات التجارية الأميركية يُلاحظ بشكل رئيسي في قطاع السيارات».

وافقت الولايات المتحدة على فرض رسوم جمركية بنسبة 15 في المائة على الواردات اليابانية عندما توصلت واشنطن وطوكيو إلى اتفاق في يوليو (تموز)، وهي أقل من النسبة الأولية البالغة 27.5 في المائة التي هددت بها على السيارات، و25 في المائة على معظم السلع الأخرى. إلا أن التأثير يُنظر إليه على أنه كبير، لا سيما على صناعة السيارات، لأن الرسوم لا تزال أعلى بكثير من معدلها السابق البالغ 2.5 في المائة.

وفي أحدث تقرير اقتصادي، رفعت الحكومة تقييمها لإنفاق المستهلكين لأول مرة منذ أغسطس (آب) 2024.

ومع تحسن ثقة المستهلكين بعد اتفاقية الرسوم الجمركية الأميركية، أظهر الاستهلاك الخاص في اليابان، الذي يمثل أكثر من نصف الاقتصاد، «علامات انتعاش»، وفقاً للتقرير.

وأضاف التقرير أن اليابان تشهد «تعافياً معتدلاً» في الإنفاق الرأسمالي بفضل زيادة الاستثمار الرقمي ومعدات الآلات. كانت هذه أول ترقية منذ مارس (آذار) 2024. ويأتي هذا التقرير في أعقاب قرار بنك اليابان البدء في بيع حيازاته من الأصول الخطرة، ومعارضة عضوين من مجلس الإدارة لقرار البنك بالإبقاء على سعر الفائدة ثابتاً، مما يشير إلى تحول متشدد عن برنامجه التحفيزي النقدي الضخم.

انقسام في بنك اليابان

وفي أروقة بنك اليابان، أدى انقسام مجلس إدارته المتشدد، في اجتماع السياسة النقدية، هذا الشهر، إلى زيادة الضغوط على محافظه المتساهل كازو أويدا، للتحرك بسرعة أكبر بشأن رفع أسعار الفائدة، مما يزيد من احتمالية أن يأتي التشديد التالي في أكتوبر.

وأبقى البنك المركزي أسعار الفائدة ثابتة عند 0.5 في المائة في وقت سابق من هذا الشهر، كما كان متوقعاً، لكن دعوات معارضة من عضوين في مجلس الإدارة لرفع سعر الفائدة بربع نقطة مئوية فاجأت الأسواق، وفُسِّرت على أنها إشارة إلى أن بنك اليابان أقل قلقاً بشأن التحديات الاقتصادية مما كان يُعتقد في البداية.

وفي حين أنه من غير المؤكد ما إذا كانت هذه الخطوة مُصمَّمة كإشارة مقصودة للأسواق بقرب رفع سعر الفائدة، قالت ماري إيواشيتا، المُراقبة المُخضرمة لبنك اليابان، إنها تُمثل وجهة نظر مُتنامية داخل مجلس الإدارة بأن الظروف مُهيأة لرفع سعر الفائدة المُقبل.

وأضافت إيواشيتا: «ربما أراد المعارضون حث أويدا على التحرك بشكل أسرع وإنجاز رفع سعر الفائدة، نظراً لأنه أمرٌ سيحدث عاجلاً أم آجلاً».

ومنذ توليه رئاسة بنك اليابان في عام 2023، رفع أويدا سعر الفائدة لأول مرة منذ 17 عاماً، لكنه أصبح أكثر حذراً بشأن التوقعات خلال الأشهر الستة الماضية. ويتناقض نهج أويدا المتشائم مع تحول في آراء أعضاء مجلس إدارة بنك اليابان، المكون من تسعة أعضاء، خلال الأشهر الأخيرة، والذين يطالبون بمزيد من رفع أسعار الفائدة.

وفاجأ عضوا مجلس الإدارة، ناوكي تامورا وهاجيمي تاكاتا، الأسواق باقتراحهما رفع أسعار الفائدة في قرار بنك اليابان في سبتمبر (أيلول).

وأفادت مصادر مطلعة على تفكير البنك المركزي بأن التوقيت الدقيق لرفع الفائدة التالي يعتمد على مدى إقناع البيانات القادمة لصانعي السياسات في بنك اليابان بأن الولايات المتحدة ستتجنب الركود، وأن الرسوم الأميركية لن تعرقل الانتعاش الاقتصادي الهش لليابان.

في الوقت نفسه، ظل ازدياد ضغوط الأسعار يُقلق المجلس منذ يوليو (تموز). ففي حين توقع بعض الأعضاء تبدد تضخم أسعار المواد الغذائية، حذر آخرون من أن الارتفاع المستمر في أسعار الضروريات اليومية قد يُطلق العنان لتضخم واسع النطاق ومستمر، وفقاً لما أظهره محضر اجتماع 30-31 يوليو.

وفي الغالب، يبدو أن صانعي السياسات ينظرون إلى الضعف الاقتصادي الأخير بعين الاعتبار. ومن بين الآراء الستة حول آفاق السياسة النقدية، دعت جميعها، باستثناء رأي واحد، إلى رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب، مع توقع رأي واحد فقط إمكانية فعل ذلك بحلول نهاية العام، وفقاً لمحضر اجتماع يوليو.

ومنذ ذلك الحين، أظهرت البيانات أضراراً اقتصادية محدودة ناجمة عن الرسوم الجمركية الأميركية، حيث رأى بعض صانعي السياسات انخفاض الصادرات في أغسطس ردَّ فعل على الطلب المكبوت في الأشهر السابقة.

وفي حين أثارت بيانات الوظائف الضعيفة مخاوف من ركود اقتصادي في الولايات المتحدة، فقد خفّت هذه المخاوف مع إظهار الاقتصاد مرونةً وتوقعاتٍ بأن تخفيضات أسعار الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي» ستدعم النمو.

وقال أحد المصادر إن المعارضين قد يجدون مزيداً من الحلفاء في المجلس المكون من تسعة أعضاء إذا خففت البيانات القادمة من المخاوف بشأن تباطؤ اقتصادي حاد في الولايات المتحدة، وأظهرت قدرة المصنّعين اليابانيين على تحمل تبعات الرسوم الأميركية.

وقال المصدر، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخوَّل له التحدث علناً: «من الضروري وجود معارضَين اثنين، وليس معارضاً واحداً. قد يؤثر هذا على الأعضاء الآخرين بشكل أكبر لصالح رفع أسعار الفائدة في المدى القريب». في حين التزم صانعو السياسات في بنك اليابان الصمت بشأن وتيرة وتوقيت رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، إلا أن هناك إجماعاً واسعاً على أنه سيُعقد في أحد الاجتماعات الثلاثة بحلول يناير (كانون الثاني) من العام المقبل، وفقاً للمصادر.

وقدّرت الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة في أكتوبر بنسبة 50 في المائة تقريباً. وأظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن غالبية الاقتصاديين يتوقعون رفعاً آخر بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام، على الرغم من أن الاقتناع بالتوقيت كان أقل، حيث تركزت الرهانات على شهري أكتوبر ويناير.


مقالات ذات صلة

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

حققت الصادرات غير النفطية في السعودية نمواً قياسياً خلال عام 2025، حيث ارتفعت بنسبة 15 في المائة إلى 624 مليار ريال (166 مليار دولار) في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

اليابان وأميركا تتفقان على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف

قالت وزيرة المالية اليابانية، عقب اجتماعها مع وزير الخزانة الأميركي، إن اليابان والولايات المتحدة اتفقتا على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)

لماذا هوى الدولار دون حاجز الـ3 شيقلات إسرائيلية لأول مرة منذ عقود؟

كسر الشيقل الإسرائيلي نزولاً حاجز الـ3 شيقلات مقابل الدولار الأميركي لأول مرة منذ أكثر من 30 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

TT

الذهب يستقر مدعوماً بآمال السلام ويتجه لمكاسب أسبوعية رابعة

استقر الذهب خلال تعاملات يوم الجمعة، متجهاً لتسجيل مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي، في ظل تنامي الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ما ساهم في تهدئة المخاوف المرتبطة بارتفاع التضخم واستمرار تشديد السياسة النقدية.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.2 في المائة ليبلغ 4797.49 دولار للأونصة بحلول الساعة 04:35 بتوقيت غرينتش، محققاً مكاسب أسبوعية بنحو 1.1 في المائة. كما صعدت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم يونيو (حزيران) بنسبة 0.2 في المائة إلى 4818.80 دولار، وفق «رويترز».

ودخل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الممتد لعشرة أيام، حيّز التنفيذ يوم الخميس، فيما أشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إمكانية عقد اجتماع بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وقال تيم ووترر، كبير محللي الأسواق في شركة «كيه سي إم ترايد»، إن المستثمرين يراقبون عن كثب أي تقدم ملموس في المحادثات الأميركية - الإيرانية، موضحاً أن أي اختراق أو تمديد لوقف إطلاق النار الهش من شأنه تهدئة أسواق النفط وكبح مخاوف التضخم، وهو ما قد يفتح المجال أمام مزيد من الارتفاع في أسعار الذهب.

في المقابل، يتجه الدولار الأميركي لتسجيل تراجع للأسبوع الثاني على التوالي، ما يجعل السلع المقومة به أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى. كما أسهم انخفاض أسعار النفط في تخفيف الضغوط التضخمية، وسط تفاؤل متزايد باقتراب نهاية الحرب الإيرانية.

وكانت المخاوف من ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها في التضخم، وما يستتبعه من إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، قد دفعت أسعار الذهب للتراجع بأكثر من 8 في المائة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير (شباط).

ورغم أن الذهب يُعد ملاذاً آمناً في مواجهة التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلص جاذبيته نظراً لكونه أصلاً لا يدر عائداً.

من جانبها، توقعت شركة «بي إم آي» التابعة لـ«فيتش سوليوشينز» استمرار بعض الضغوط الهبوطية على الذهب خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأسعار مدعومة فوق مستوى 3500 دولار للأونصة بفعل المخاطر الجيوسياسية المستمرة وخصائصه كملاذ آمن.

ويُسعّر المتداولون حالياً احتمالاً بنحو 27 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفضين خلال العام قبل اندلاع الحرب.

في سياق متصل، أوقفت البنوك الهندية طلبات استيراد الذهب والفضة من الموردين الأجانب، نتيجة تعليق شحنات كبيرة في الجمارك بسبب غياب توجيهات حكومية رسمية تسمح باستيراد السبائك.

أما المعادن النفيسة الأخرى، فقد ارتفعت الفضة بنسبة 0.9 في المائة إلى 79.12 دولار للأونصة، متجهة نحو تحقيق مكاسب للأسبوع الرابع على التوالي. كما صعد البلاتين بنسبة 0.3 في المائة إلى 2092.07 دولار، والبلاديوم بنسبة 0.5 في المائة إلى 1558.47 دولار، مع توقعات بتسجيلهما مكاسب أسبوعية ثالثة على التوالي.


صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.