«التعاون الاقتصادي» تحذِّر: صدمة رسوم ترمب لم تضرب الاقتصاد العالمي بعد

رفعت توقعاتها للنمو الأميركي هذا العام وقدَّرت 3 تخفيضات إضافية من قبل «الفيدرالي»

شعار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (د.ب.أ)
شعار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (د.ب.أ)
TT

«التعاون الاقتصادي» تحذِّر: صدمة رسوم ترمب لم تضرب الاقتصاد العالمي بعد

شعار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (د.ب.أ)
شعار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (د.ب.أ)

حذَّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من أن الاقتصاد العالمي لا يزال على موعد مع ضربة قوية من الإجراءات التجارية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترمب، وذلك على الرغم من إظهاره مرونة أكبر من المتوقع في الأشهر الأخيرة. وأوضحت أن التأثير الكامل للرسوم الجمركية الأميركية التي ارتفعت إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1933، لم يظهر بعد في الأسواق، وأن عوامل مثل الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والدعم المالي في الصين، كانت بمنزلة وسائد مؤقتة ساهمت في تعزيز النمو.

ورفعت المنظمة توقعاتها للنمو العالمي لعام 2025، ولكنها في الوقت نفسه نبَّهت إلى أن التحديات الجيوسياسية والاقتصادية قد تُثقل كاهل النمو في عام 2026. وتُشير التوقعات إلى أن البنوك المركزية الرئيسية ستُبقي على سياسات نقدية متساهلة، باستثناء اليابان، في محاولة للحفاظ على هذا الزخم الهش وسط ازدياد المخاوف بشأن عودة الضغوط التضخمية، وتأثيرات الصدمات التجارية على الاستقرار المالي.

ففي أحدث تقرير للتوقعات الاقتصادية، ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن التأثير الكامل لزيادات الرسوم الجمركية الأميركية لا يزال يتكشف؛ حيث امتصت الشركات حتى الآن جزءاً كبيراً من الصدمة، من خلال هوامش ربح أضيق واحتياطات تخزين.

وقامت شركات كثيرة بتخزين البضائع قبل زيادات إدارة ترمب في الرسوم الجمركية، والتي رفعت المعدل الأميركي الفعلي على واردات البضائع إلى ما يُقدر بنحو 19.5 في المائة بنهاية أغسطس (آب)، وهو أعلى مستوى منذ عام 1933، في ذروة الكساد الكبير.

توقعات النمو

ورفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للنمو لعام 2025. وتتوقع الآن نمواً عالمياً بنسبة 3.2 في المائة، مقارنة بنمو قدره 9 في المائة الذي توقعته في يونيو (حزيران)؛ بينما بقيت توقعات عام 2026 ثابتة عند 2.9 في المائة. ويمثل هذا تباطؤاً عن النمو المسجل في عام 2024 البالغ 3.3 في المائة.

كما رُفعت توقعات النمو للولايات المتحدة إلى 1.8 في المائة لعام 2025، مقارنة بتقديرات يونيو البالغة 1.6 في المائة. ومع ذلك، لا يزال هذا يُمثل انخفاضاً كبيراً عن معدل النمو لعام 2024 البالغ 2.8 في المائة. وتتوقع المنظمة نمواً بنسبة 1.5 في المائة للولايات المتحدة في عام 2026.

وأفادت المنظمة في التقرير: «كان النمو العالمي أكثر مرونة مما كان متوقعاً في النصف الأول من عام 2025، وخصوصاً في كثير من اقتصادات الأسواق الناشئة».

ومن المتوقع أن يساعد ازدهار الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والدعم المالي، وخفض أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» في تعويض تأثير الرسوم الجمركية المرتفعة، وانخفاض صافي الهجرة، وخفض الوظائف الفيدرالية، وفق التقرير.

وفي الصين، شهد النمو تباطؤاً أيضاً في النصف الثاني من العام، مع انحسار الإقبال على شحن الصادرات قبل الرسوم الجمركية الأميركية، وتراجع الدعم المالي.

ومع ذلك، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4.9 في المائة هذا العام، ارتفاعاً من 4.7 في المائة في يونيو، قبل أن يتباطأ إلى 4.4 في المائة عام 2026، بعد تعديله بالزيادة من 4.3 في المائة.

وفي منطقة اليورو، بدت التوترات التجارية والجيوسياسية وكأنها تعوِّض الدعم الناتج عن انخفاض أسعار الفائدة، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد الكتلة بنسبة 1.2 في المائة هذا العام، بعد رفع توقعاته السابقة من 1.0 في المائة، و1.0 في المائة في عام 2026، بانخفاض من 1.2 في المائة؛ حيث يُعزز الإنفاق العام المتزايد في ألمانيا النمو، بينما يُثقل التقشف كاهل فرنسا وإيطاليا.

ومن المتوقع أن يستفيد الاقتصاد الياباني هذا العام من أرباح الشركات القوية وانتعاش الاستثمار، مما يرفع النمو إلى 1.1 في المائة من 0.7 في المائة، قبل أن يتلاشى الزخم ويتباطأ التوسع إلى 0.5 في المائة في عام 2026، بعد رفع توقعاته السابقة من 0.4 في المائة.

ورفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للنمو في بريطانيا إلى 1.4 في المائة هذا العام من 1.3 في المائة، وأبقت على توقعاتها لعام 2026 دون تغيير عند 1.0 في المائة.

وتتوقع المنظمة الآن أن يبلغ معدل التضخم العام 3.4 في المائة في دول مجموعة العشرين عام 2025، وهو أقل بقليل من توقعات يونيو البالغة 3.6 في المائة.

ورُفعت توقعات التضخم للولايات المتحدة بشكل حاد؛ حيث تتوقع المنظمة الآن ارتفاع الأسعار بنسبة 2.7 في المائة عام 2025، بانخفاض عن توقعاتها السابقة البالغة 3.2 في المائة. كما أنه المتوقع أن تتعرض المملكة المتحدة لأعلى معدل تضخم في مجموعة الدول السبع هذا العام، مع امتصاص البلاد تأثير ارتفاع ضرائب الرواتب، وزيادة الحد الأدنى للأجور، وارتفاع الأسعار المنظمة.

موظف في أحد المتاجر الكبرى في لندن يقوم بتحميل الرفوف (إ.ب.أ)

سياسة نقدية متساهلة

مع تباطؤ النمو، توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تخفض معظم البنوك المركزية الرئيسية تكاليف الاقتراض، أو تُبقي على سياساتها النقدية المتساهلة خلال العام المقبل، ما دامت ضغوط التضخم مستمرة في التراجع.

وتوقعت أن يُجري «الاحتياطي الفيدرالي» تخفيضات إضافية على أسعار الفائدة مع ضعف سوق العمل، ما لم تُؤدِّ الرسوم الجمركية المرتفعة إلى تضخم أوسع نطاقاً. وأشارت إلى أن «الاحتياطي الفيدرالي» لديه مجال لخفض سعر الفائدة الرئيسي 3 مرات أخرى.

ومن المتوقع أن تشهد أستراليا وبريطانيا وكندا تخفيضات تدريجية في أسعار الفائدة، بينما يُتوقع أن يُحافظ البنك المركزي الأوروبي على استقراره، مع اقتراب التضخم من هدفه البالغ 2 في المائة.

مع ذلك، من المتوقع أن ترفع اليابان أسعار الفائدة، مع استمرار انسحابها البطيء من السياسة النقدية شديدة التيسير.

شاحنات تنتظر مراقبة الجمارك الحدودية لعبور الحدود إلى الولايات المتحدة عند معبر مع المكسيك (رويترز)

المستقبل

بالنظر إلى المستقبل، أشار تقرير المنظمة إلى زيادة الرسوم الجمركية، وعودة الضغوط التضخمية، كخطرين رئيسيين، إلى جانب ازدياد المخاوف بشأن الوضع المالي، وإمكانية إعادة تسعير الأسواق المالية.

كما أشار إلى أن «ارتفاع وتقلب تقييمات الأصول المشفرة يزيدان أيضاً من مخاطر الاستقرار المالي، نظراً للترابط المتزايد مع النظام المالي التقليدي. ومن الناحية الإيجابية، فإن تخفيض القيود التجارية أو تسريع تطوير واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يعزز آفاق النمو».


مقالات ذات صلة

نمو التصنيع في منطقة اليورو يصل لأعلى مستوى منذ 4 سنوات

الاقتصاد خطوط الإنتاج في شركة صناعة السيارات الألمانية «مرسيدس-بنز» في مصنعها بمدينة رستات (رويترز)

نمو التصنيع في منطقة اليورو يصل لأعلى مستوى منذ 4 سنوات

انتعش نمو قطاع التصنيع في منطقة اليورو إلى أقوى مستوياته منذ نحو أربع سنوات في مارس (آذار)؛ إذ أدت اضطرابات سلاسل التوريد إلى تضخيم أرقام النمو.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مقر البنك المركزي الماليزي في كوالالمبور (رويترز)

ماليزيا تتوقع نمواً أسرع في 2026 رغم تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الوقود

أعلن البنك المركزي الماليزي يوم الثلاثاء، أن اقتصاد البلاد يسير على مسار متين لتحقيق نمو أسرع في عام 2026 مما كان متوقعاً سابقاً.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور )
الاقتصاد حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)

اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

أظهرت بيانات رسمية، الثلاثاء، أن الاقتصاد البريطاني أنهى عام 2025 بأداء ضعيف، إذ سجّل نمواً هامشياً، ما يزيد من تعقيد مهمة الحكومة في تحفيز النشاط الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

خاص الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

تحدث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة عبد الله الدردري لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح «الصدمة الاقتصادية المتسارعة»، وانعكاساتها على أسواق الطاقة، والنمو، والفقر.

بيسان الشيخ (لندن)
الاقتصاد سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

حذَّر تقييم أممي من أن صراع الشرق الأوسط قد يكبد المنطقة العربية خسائر تصل لـ194 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.