ترمب «يقتحم» غرفة القرار النقدي... فهل ينجح في إعادة تشكيل «الفيدرالي»؟

الأنظار على «المتمردين» في لجنة الفائدة

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

ترمب «يقتحم» غرفة القرار النقدي... فهل ينجح في إعادة تشكيل «الفيدرالي»؟

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

بعد انتظار دام تسعة أشهر، تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث من المتوقع أن يصدر الاحتياطي الفيدرالي قراره التاريخي الأول في عهد الرئيس دونالد ترمب بخفض أسعار الفائدة. وهو قرارٌ يبدو شبه محسوم بخفض ربع نقطة مئوية، لكن ما يدور خلف الأبواب المغلقة من صراع نفوذ قد يحدد مستقبل استقلالية البنك المركزي.

يحمل اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، الذي يستمر ليومين، عنصراً من التشويق لم يسبق له مثيل. فقبل ساعات قليلة من القرار، كانت هناك حالة من عدم اليقين حول هوية المصوّتين وحجم التخفيض المحتمل. هذه الدراما السياسية تعكس التجاذب المتصاعد بين البيت الأبيض و«حراس» السياسة النقدية.

تشكيلة اللجنة: خريطة المعركة

تتألف اللجنة من 12 عضواً، سبعة منهم من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وأربعة رؤساء من بنوك الاحتياطي الفيدرالي الإقليمية الـ11 الأخرى الذين يتم اختيارهم على أساس تناوب سنوي. ويتمتع سبعة محافظين في الاحتياطي الفيدرالي بحق التصويت على أسعار الفائدة، إلى جانب خمسة من رؤساء البنوك الإقليمية الثمانية الذين يتناوبون على التصويت.

تحركات حاسمة

شهدت الساعات الأخيرة تحركات حاسمة:

1- ستيفن ميران تحت الأضواء: وافق مجلس الشيوخ على تعيين ستيفن ميران، أحد كبار مستشاري ترمب الاقتصاديين، لملء مقعدٍ شاغر. مع العلم بأن ولاية ميران لن تتجاوز بضعة أشهر، وهو ما دفعه إلى الإعلان أنه لن يستقيل من منصبه في البيت الأبيض، مكتفياً بأخذ إجازة دون أجر. هذا الإجراء، الذي وصفه البعض بأنه «سابقة خطيرة»، يأتي بعد تصريحات لميران أهان فيها الأعضاء الحاليين بقوله إنهم يعانون من «متلازمة جنون الرسوم الجمركية». وكان اقترح علناً منح البيت الأبيض سلطة تعيين وإقالة واسعة لمسؤولي البنك.

ستيفن ميران يدلي بشهادته خلال جلسة استماع في لجنة المصارف بمجلس الشيوخ لتأكيد تعيينه بمجلس الاحتياطي الفيدرالي (أ.ف.ب)

2- معركة ليزا كوك: في جبهة أخرى، حاولت إدارة ترمب عزل المحافِظة ليزا كوك، التي رشحها الرئيس جو بايدن، في محاولة لمنعها من التصويت، لكن محكمة الاستئناف أصدرت، مساء الاثنين، حكماً يسمح لها بالتصويت. وهذا يعني أن كوك ستشارك بشكل كامل في اجتماع السياسة النقدية في غياب تدخل فوري من المحكمة العليا.

محافِظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك تحضر اجتماعاً في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

مواجهة باول - ترمب

يصرّ ترمب على خفض كبير لأسعار الفائدة التي تتراوح حالياً بين 4.25 في المائة و4.50 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، واصفاً قرار التخفيض المحتمل بـ 25 نقطة أساس بأنه «ليس كافياً». وفي منشور على حسابه الخاص على «سوشيال تروث»، طالب ترمب، يوم الاثنين، بخفض لأسعار الفائدة أكبر من المتوقع، الذي هو 25 نقطة أساس، ووصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأنه «متأخر جداً». وقال إن تخفيضات أسعار الفائدة التي يدرسها مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي ليست كافية. وكان دعا في يوليو (تموز) الماضي إلى خفض أكبر بكثير، وقال إن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أعلى بثلاث نقاط مئوية على الأقل.

ورغم أن الأسواق المالية تتوقع بنسبة 96 في المائة خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس، فإن الساحة السياسية داخل اللجنة لا تخلو من الانقسامات. فمن هم الأعضاء الذين قد «يصغون» لمطالب ترمب؟

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي سابق (رويترز)

المصوّتون على السياسة النقدية

يترأس باول الاجتماعات السنوية الثمانية للبنك المركزي. ويتمتع الأعضاء الأحد عشر الآخرون المصوّتون في لجنة السوق المفتوحة برأي متساوٍ في كل قرار يتعلق بأسعار الفائدة الفيدرالية من خلال تصويت الأغلبية.

والسؤال هنا: مَن من اللجنة الذي «سينصاع» لمطالب ترمب؟ توضح تركيبة اللجنة هذه اعتبارات الأعضاء في تصويتهم:

  • باول: رشحه ترمب لمنصب رئيس المجلس، وأعاد الرئيس جو بايدن ترشيحه. تنتهي فترة رئاسته في 15 مايو (أيار) 2026.
  • فيليب جيفرسون، نائب الرئيس: رشحه بايدن. تنتهي فترة عمله بصفته نائباً للرئيس في سبتمبر (أيلول) 2027. ويعد من الدائرة المقربة لباول، ولكنه يفضل الظهور بشكل متحفظ.
  • ميشيل بومان، نائبة الرئيس للإشراف المصرفي في الاحتياطي الفيدرالي: رشحها ترمب. تنتهي فترة عملها بصفتها نائبة للرئيس للإشراف في يونيو (حزيران) 2029. تذبذب موقفها من معارضة خفض كبير لأسعار الفائدة في الخريف الماضي إلى الدفع للعودة إلى الخفض هذا الصيف. في اجتماع يوليو الماضي، صوّتت لصالح خفض سعر الفائدة.
  • مايكل بار، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي: رشحه بايدن، وهو عمل مشرفاً مالياً أعلى في الاحتياطي الفيدرالي قبل بومان، حيث تم ترشيحه من قبل بايدن لهذا المنصب. استقال من منصب نائب رئيس الإشراف في فبراير (شباط) ولكنه يحتفظ بدوره بوصفه محافظاً.
  • ليزا كوك، محافظة في الاحتياطي الفيدرالي: رشحها بايدن، وكانت اقتصادية في البيت الأبيض في عهد أوباما.
  • ستيفن ميران، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي (خلفاً لأدريانا كوغلر): رشحه ترمب لخدمة الأشهر القليلة المتبقية من ولاية المحافظ التي أصبحت شاغرة بعد استقالة كوغلر، ووافق مجلس الشيوخ على هذا الترشيح إلى يناير (كانون الثاني) المقبل. وعندما تنتهي هذه الفترة في يناير، يمكن لترمب أن يستخدم الشغور لإضافة من يختاره خلفاً لجيروم باول بصفته رئيساً للبنك.
  • كريستوفر والر، محافظ في الاحتياطي الفيدرالي: رشحه ترمب، وكان رئيساً لقسم الأبحاث في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، وأصبح مرشحاً بارزاً ليخلف باول بصفته رئيساً. وقد انضم إلى بومان في التصويت لصالح خفض سعر الفائدة في اجتماع يوليو.
  • جون ويليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، نائب رئيس اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة: يعد من كبار مساعدي باول. هو أيضاً رئيس سابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو ومخضرم في اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التي استمرت لعقود.
  • سوزان كولنز، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن: قبل توليها قيادة بنك بوسطن الفيدرالي في عام 2022، كانت أكاديمية اقتصادية وعميدة في جامعة «ميشيغان».
  • أوستان غولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو: مسؤول سابق في إدارة أوباما، ويصف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسطوري بول فولكر بأنه معلمه.
  • ألبرتو موسالم، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس: وهو مستثمر سابق في صناديق التحوط.
  • جيفري شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي: هو مصرفي من نبراسكا، وتولى إدارة بنك كانساس سيتي الفيدرالي في عام 2023، وكان دعا إلى دعم الاقتصاد الزراعي وإلى اهتمام متشدد بكبح التضخم.

وبالتالي، فإن حلفاء ترمب هما بومان ووالر، حيث صوّتا لصالح خفض سعر الفائدة في اجتماع يوليو الماضي. كما أن وجود المرشح الجديد ستيفن ميران يعزز هذا التيار المطالب بخفض أوسع. وفي ظل غياب أغلبية واضحة لفرض تغييرات جذرية، قد يكون تأثير ميران الأكبر هو من خلال تصريحاته العلنية، التي تهدف إلى إثارة النقاش حول السياسة النقدية، وفتح الباب أمام تغييرات أكبر في المستقبل.

متداول يراقب شاشة تداول الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

أما المعتدلون والمحافظون فهم: باول الذي يعي حساسية موقفه بصفته رئيساً عينته إدارتان مختلفتان، والذي يواجه تحدي تحقيق التوازن، كما أن أعضاء مثل فيليب جيفرسون وجون ويليامز، هم أقرب إلى نهج باول الحذر، بينما يمثل رؤساء الفروع الإقليمية مثل جيفري شميد نهجاً متشدداً يخشى التضخم.

وفي هذا الإطار، نقلت «رويترز» عن ديريك تانغ من مؤسسة «إل إتش ماير» للأبحاث الاقتصادية، قوله إنه «من المحتمل أن ينظر الناس إلى محافظي المجلس من منظور من قام بتعيينهم، بدلاً من أن يتوقعوا منهم اتخاذ قرارات محايدة بناء على البيانات الاقتصادية»، وهو ما وصفه بأنه «تحول كبير بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي لطالما نأى بنفسه عن السياسة».

وبغض النظر عن هذه التطورات، ينصب تركيز الاحتياطي الفيدرالي على جانب آخر - على اقتصاد يشهد سوق عمل أكثر هشاشة مما بدت عليه الحال عندما اجتمع صانعو السياسات آخر مرة في أواخر يوليو، بينما يستمر التضخم في الارتفاع فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى الرسوم الجمركية الصارمة التي فرضها ترمب على الواردات.

ماذا ينبغي على الاحتياطي الفيدرالي فعله؟ في المجمل، بينما يُثير ضعف سوق العمل القلق، فإنّ حالة عدم اليقين بشأن التضخم لا تُبرّر إجراء تخفيف كبير هذا الأسبوع، بحسب محللين الذين يرون أن خفضاً بمقدار 25 نقطة أساس يبدو خطوة معقولة.

وهكذا، لن يكون قرار الغد مجرد إعلان عن سعر فائدة جديد، بل سيكون أول اختبار حقيقي لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة رغبات رئيس البيت الأبيض. فهل سيتمكن باول وزملاؤه من الحفاظ على سيادة أهم مؤسسة نقدية في العالم، أم أننا نشهد بداية عهد جديد يكون فيه الاحتياطي الفيدرالي مجرد امتداد للسياسة؟


مقالات ذات صلة

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد تكاد تلامس المستحيل.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت - واشنطن)
الاقتصاد عامل يدهن الجدران الخارجية لمبنى يعرض وظائف لدى فريق «لوس أنجليس دودجرز» وسط مدينة لوس أنجليس (رويترز)

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

أظهرت بيانات صادرة عن شركة «إيه دي بي»، المختصة في إدارة الرواتب، الأربعاء، أن نمو التوظيف في القطاع الخاص الأميركي تجاوز التوقعات في مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة في متجر مجوهرات في مومباي (رويترز)

الذهب يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين مدعوماً بتصريحات ترمب وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء إلى أعلى مستوى لها في نحو أسبوعين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

خاص الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان أداء الذهب مخالفاً للقواعد الاقتصادية، فقد سجل أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر في 2008.

زينب علي (الرياض)

«المركزي» المصري: ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار دولار في مارس

صافي احتياطات النقد الأجنبي في مصر يقترب من 53 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صافي احتياطات النقد الأجنبي في مصر يقترب من 53 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

«المركزي» المصري: ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار دولار في مارس

صافي احتياطات النقد الأجنبي في مصر يقترب من 53 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)
صافي احتياطات النقد الأجنبي في مصر يقترب من 53 مليار دولار (تصوير: عبد الفتاح فرج)

​قال «البنك المركزي المصري»، ‌الأحد، ‌إن ​صافي ‌احتياطات ⁠البلاد ​من النقد ⁠الأجنبي ارتفع إلى 52.831 ⁠مليار ‌دولار ‌في ​مارس ‌(آذار) من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وشهدت الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المصرية تذبذباً كبيراً في التعاملات خلال شهر مارس الماضي، ما بين خروج ودخول، غير أن صافي التعاملات سجل تخارجات بالمليارات؛ جراء حرب إيران، فضلاً عن تراجع أسعار الذهب، وهو مكون أساسي في سلة الاحتياطي النقدي لمصر.

ومن المتوقع أن تنعكس هذه المعطيات على صافي الاحتياطات من النقد الأجنبي للبلاد بنهاية أبريل (نيسان) الحالي.


مرور ناقلة محملة بنفط عراقي عبر مضيق هرمز

ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

مرور ناقلة محملة بنفط عراقي عبر مضيق هرمز

ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تمر عبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات صادرة عن مجموعة بورصات لندن وشركة «كبلر» أن ناقلة نفط محملة بالخام العراقي شوهدت وهي تمر عبر مضيق هرمز، بالقرب من ساحل إيران، وذلك بعد يوم من إعلان طهران أن بغداد معفاة من أي قيود على عبور الممر البحري الحيوي.

وذكرت كبلر أن السفينة «أوشن ثاندر» جرى تحميلها بنحو مليون برميل من خام البصرة الثقيل، في الثاني من مارس (آذار)، ومن المتوقع أن تفرغ حمولتها في ماليزيا، منتصف أبريل (نيسان).

وأغلقت إيران مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، بعد اندلاع الحرب التي بدأت بشن الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على إيران، في أواخر فبراير (شباط)، واتسعت رقعتها فيما بعد.

لكنها أعلنت لاحقاً السماح بمرور السفن التي لا تربطها صلات بالولايات المتحدة أو إسرائيل. وعبرت المضيق، خلال الأيام القليلة الماضية، ثلاث ناقلات نفط تديرها عمان، وسفينة حاويات فرنسية، وناقلة غاز يابانية.


«شظايا هرمز» تضرب الطيران العالمي... والمطارات السعودية صمام أمان للملاحة الإقليمية

مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)
مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)
TT

«شظايا هرمز» تضرب الطيران العالمي... والمطارات السعودية صمام أمان للملاحة الإقليمية

مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)
مطار الملك خالد الدولي بالرياض (واس)

لم تعد الصراعات في المنطقة حبيسة الحدود الجغرافية لمناطق النزاع، بل امتدت شظاياها لتضرب واحدة من أكثر الصناعات حيوية وحساسية في العالم: قطاع الطيران. فاليوم، يجد المسافرون وشركات الطيران أنفسهم أمام واقع مرير ترسمه قفزات تاريخية لأسعار وقود الطائرات وارتفاع جنوني لتكاليف التأمين، كان لها تأثيرها على أسعار التذاكر، مهدِداً بأزمة اقتصادية خانقة تفسد الخطط السياحية العالمية وتغير أنماط السفر التي اعتادها العالم لعقود.

لا يمكن فصل الارتفاع الجنوني في تكاليف الطيران عن المشهد المتفجر في أسواق الطاقة العالمية؛ فالعلاقة الطردية بين أسعار النفط الخام ووقود الطائرات بلغت ذروتها مع مطلع أبريل (نيسان) 2026، فبمجرد أن اهتزت ثقة الأسواق إثر التهديدات العسكرية الأميركية، قفزت أسعار الخام إلى مستويات قياسية نتيجة التهديد المباشر لإمدادات مضيق هرمز، مما أدى فوراً إلى «انفجار» في أسعار وقود الطائرات. وبما أن وقود الطائرات هو أحد أثمن المشتقات المستخلصة من برميل النفط، فإن وصول أسعار الخام إلى مستويات غير مسبوقة جعل وقود الطيران يقترب من ضعف مستوياته التي كان عليها في عام 2025.

ضغوط مركّبة وتراجع سياحي

في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أوضح الخبير في قطاع الطيران وإدارة المطارات، المعتز الميرة، أن التوترات الحالية في صناعة تعمل بهوامش ربح ضيقة كقطاع الطيران، تنعكس سريعاً على الأسعار والطلب في القطاع السياحي. وذكر أن «أسباب ارتفاع أسعار التذاكر اليوم ليس نتيجة عامل واحد، بل نتيجة ضغط مركّب يتكون من استهلاك وقود أعلى، ومسارات أطول، وتأمين مرتفع، وكفاءة تشغيلية أقل».

من جهته، أكد «المجلس العالمي للسفر والسياحة» أن «الصراع المتصاعد في إيران يؤثر بالفعل على قطاع السفر والسياحة في جميع أنحاء الشرق الأوسط بما لا يقل عن 600 مليون دولار يومياً في إنفاق الزوار الدوليين، حيث تؤثر اضطرابات السفر الجوي وثقة المسافرين والاتصال الإقليمي على الطلب».

ووفقاً لبيانات المجلس الصادرة في مارس (آذار)، يلعب الشرق الأوسط دوراً حيوياً في السفر العالمي حيث تمثل المنطقة 5 في المائة من الوافدين الدوليين العالميين، و 14 في المائة من حركة المرور العابر الدولية العالمية، ويؤثر أي اضطراب على الطلب في جميع أنحاء العالم، مما يؤثر على المطارات والرحلات الجوية والفنادق وشركات تأجير السيارات وخطوط الرحلات البحرية.

طائرة تابعة لشركة "إير فرانس" تتزود بالوقود (رويترز)

فاتورة السفر العائلي

وحول تأثير الأسعار على السياحة الترفيهية، أشار الميرة إلى أنها شهدت زيادات تتراوح نسبتها بين 15 في المائة و70 في المائة في كثير من المسارات، وبعضها أعلى في الرحلات الطويلة. وضرب مثالاً يبسّط الفكرة قائلاً: «التذكرة التي كان ثمنها 500 دولار أصبحت تتراوح اليوم بين 800 دولار و1000 دولار، مما يعني زيادة تصل إلى 2000 دولار لعائلة مكونة من أربعة أشخاص»، وهو ما يدفع الكثيرين لتأجيل السفر أو اختيار وجهات أقرب، مما يغير أنماط الطلب في الأسواق الإقليمية.

استعرض الميرة الفوارق السعرية الناتجة عن الأزمة التي بدأت نهاية فبراير (شباط)؛ حيث ارتفعت أسعار وقود الطائرات من مستويات تقارب 85 - 90 دولاراً للبرميل لتتراوح حالياً بين 150 و200 دولار. وانعكس هذا التصاعد على تكلفة ساعة الطيران للطائرات طويلة المدى، التي قفزت من متوسط 10 آلاف دولار لتتجاوز في بعض الأحيان حاجز الـ18 ألف دولار. وأوضح أن رحلة تقل 180 راكباً قد تواجه زيادة إجمالية قدرها 15 ألف دولار، مما يحتم على شركات الطيران إضافة نحو 80 دولاراً على سعر كل تذكرة فقط لتحقيق «نقطة التعادل»، أي النقطة التي يتساوى عندها إجمالي الإيرادات مع إجمالي التكاليف.

وعالمياً، رفعت شركة «بتروبراس» البرازيلية أسعار وقود الطائرات بنحو 55 في المائة، مطلع أبريل، بينما كشفت الفلبين عن احتمالية إيقاف بعض الطائرات نتيجة نقص الوقود، وتعتزم شركات طيران تايوانية رفع رسوم الوقود الدولية بنسبة 157 في المائة.

أعباء إطالة المسارات والصيانة

أفاد الميرة أن إطالة مدة الرحلات لتجنب الأجواء غير المستقرة تترتب عليها أعباء مالية باهظة؛ حيث تكبد كل ساعة طيران إضافية الشركات ما بين 5 آلاف إلى 7500 دولار. وأدى تغيير المسارات بزيادة زمنية تتراوح بين ساعة إلى ساعتين إلى رفع استهلاك الوقود بنسب وصلت إلى 30 في المائة. كما أن زيادة ساعات التحليق تسرّع من استهلاك المحركات.

ولم يتوقف التأثير عند الوقود فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب الفنية، إذ تسرّع زيادة ساعات التحليق من وتيرة استهلاك المحركات والمكونات، مما يعجل بمواعيد الفحوصات الدورية ويرفع تكاليف الصيانة السنوية، مما يؤثر على كفاءة استخدام الأسطول.

وفي سياق متصل، نوه الخبير بأن شركات الطيران تعاني من الارتفاع الحاد في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، فبينما لا تتجاوز تكاليف التأمين في الظروف الاعتيادية حاجز الـ1 في المائة من إجمالي التكاليف التشغيلية، فإنها سجلت قفزات استثنائية في الأزمة الراهنة تراوحت بين 50 في المائة و500 في المائة، وفقاً لتقرير «لوكتون» الصادر في مارس (آذار) 2026.

وضرب الخبير مثالاً بالفوارق الشاسعة في القدرة على تحمل هذه الأعباء؛ ففي حين تمكنت شركات كبرى، مثل «طيران الإمارات»، من الحصول على تغطية إضافية لأسطولها بنحو 100 ألف دولار أسبوعياً، تواجه شركات أخرى تكاليف باهظة تصل إلى 150 ألف دولار لكل رحلة تهبط في المنطقة.

ويهدد هذا التراكم من تكاليف التأمين وأسعار الوقود بتحويل الرحلات الرابحة إلى خاسرة، مما قد يدفع الشركات ذات السيولة المحدودة أو الطيران منخفض التكلفة إلى تعليق بعض المسارات مؤقتاً للحفاظ على توازنها المالي.

طائرة تابعة لشركة "طيران الرياض" في مطار لو بورجيه (رويترز )

مطارات السعودية تدعم الملاحة

وسط هذه التعقيدات، سخّرت «الهيئة العامة للطيران المدني» السعودي إمكاناتها لتفعيل بروتوكولات الدعم الإقليمي؛ حيث نقلت شركات الطيران الخليجية عملياتها اللوجستية إلى مطارات السعودية لضمان سلامة وانسيابية عمليات الملاحة الجوية.

وأعلنت الهيئة أن المملكة استقبلت أكثر من 120 رحلة لناقلات طيران دول الجوار خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) إلى 16 مارس (آذار) شملت عدة ناقلات منها: «الخطوط الجوية القطرية»، و«لخطوط الجوية العراقية»، و«الخطوط الجوية الكويتية»، و«طيران الجزيرة الكويتي»، و«طيران الخليج البحريني».