زيارة ترمب إلى لندن تفتح الباب لتعاون تكنولوجي غير مسبوق

«أوبن إيه آي» و«إنفيديا» تخططان لاستثمار المليارات بمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في بريطانيا

ضباط من وحدة البحث المتخصصة يُجرون عمليات تفتيش أمنية خارج قلعة وندسور استعداداً لزيارة ترمب (أ.ف.ب)
ضباط من وحدة البحث المتخصصة يُجرون عمليات تفتيش أمنية خارج قلعة وندسور استعداداً لزيارة ترمب (أ.ف.ب)
TT

زيارة ترمب إلى لندن تفتح الباب لتعاون تكنولوجي غير مسبوق

ضباط من وحدة البحث المتخصصة يُجرون عمليات تفتيش أمنية خارج قلعة وندسور استعداداً لزيارة ترمب (أ.ف.ب)
ضباط من وحدة البحث المتخصصة يُجرون عمليات تفتيش أمنية خارج قلعة وندسور استعداداً لزيارة ترمب (أ.ف.ب)

تستعد العاصمة البريطانية لندن لاستقبال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، في زيارة دولة ثانية تاريخية، وسط ترقب كبير لإبرام اتفاقيات اقتصادية وتكنولوجية ضخمة. تتصدر المشهد شركتا التكنولوجيا العملاقتان «إنفيديا» و«أوبن إيه آي»، اللتان تضمان أبرز الأسماء في الوفد التجاري المرافق لترمب، مما يرسل رسالة واضحة بأن التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، هي محور هذه الزيارة الاستثنائية.

في خطوة هامة، أعلنت السفارة البريطانية في واشنطن عن استعداد البلدين لتوقيع اتفاقية تكنولوجية غير مسبوقة. تهدف هذه الاتفاقية إلى تعزيز التعاون بين قطاعي التكنولوجيا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، اللذين تتجاوز قيمتهما الإجمالية تريليون دولار. ووفقاً للسفارة، ستركز الشراكة على مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، الاتصالات، الحوسبة الكمومية. ومن شأن هذا التعاون أن يفتح آفاقاً جديدة للشركات والمستهلكين في كلا البلدين.

ترمب يلتقي ستارمر في ملعب ترمب تيرنبيري للغولف في تيرنبيري باسكوتلندا في يوليو الماضي (رويترز)

خلال الزيارة، من المتوقع أن يعلن الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، سام ألتمان، ورئيس شركة «إنفيديا»، جينسن هوانغ، عن صفقة استثمارية كبيرة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». تهدف هذه الصفقة إلى تمويل مشاريع ضخمة لتطوير مراكز بيانات جديدة، قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات. هذه الخطوة تأتي في إطار موجة عالمية من الاستثمارات التي تهدف إلى بناء بنية تحتية رقمية «سيادية» لحلفاء الولايات المتحدة.

وبحسب مصادر مطلعة، سيشمل هذا التعاون توزيع المهام: حيث ستوفر الحكومة البريطانية الطاقة اللازمة للمشروع، وستقدم «أوبن إيه آي» إمكانية الوصول إلى أدواتها وتقنياتها في الذكاء الاصطناعي، فيما ستزود «إنفيديا» المشروع بالرقائق الضرورية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.

وأضافت المصادر أن التفاصيل الكاملة لمشروع الاستثمار لم يتم الانتهاء منها بعد.

يأتي هذا الإعلان بعد لقاء هوانغ برئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في يونيو (حزيران) الماضي، حيث حذّر هوانغ من افتقار بريطانيا للبنية التحتية الرقمية، مما دفع ستارمر إلى التعهد بإنفاق مليار جنيه إسترليني إضافي لتعزيز قدرات البلاد في مجال الحوسبة.

رئيس «إنفيديا» أثناء لقاء جمعه مع رئيس الوزراء البريطاني (أ.ف.ب)

وقالت وزيرة التكنولوجيا البريطانية، ليز كيندال، التي عُيّنت في منصبها في 5 سبتمبر (أيلول)، في بيان: «ستُحدث التقنيات المتطورة، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، تحولات جذرية في حياتنا».

وأفادت قناة «سكاي نيوز» يوم السبت بأن شركة «بلاك روك» تخطط لاستثمار 700 مليون دولار في مراكز البيانات البريطانية، ضمن سلسلة صفقات سيُعلن عنها خلال زيارة ترمب.

ومنذ بداية العام، نشر البلدان خطط عمل في مجال الذكاء الاصطناعي. وتفتتح شركات أميركية، مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، مكاتب دولية لها بشكل متزايد في لندن، بينما تواصل شركات بريطانية مثل «ديب مايند» الاستثمار في مشاريع التعاون عبر الأطلسي.

استثمارات أميركية ضخمة في الخدمات المالية

لا تقتصر المكاسب البريطانية على قطاع التكنولوجيا فقط. فقبل وصول ترمب، أعلنت الحكومة البريطانية عن استثمارات أميركية خاصة تزيد قيمتها على 1.25 مليار جنيه إسترليني (1.69 مليار دولار) في قطاع الخدمات المالية في بريطانيا. وتوقعت الحكومة أن تسهم هذه الاستثمارات في خلق 1800 وظيفة جديدة، إلى جانب تعزيز الخدمات المقدمة لملايين العملاء في مختلف أنحاء البلاد.

الاتفاق الجديد يؤمن تجارة بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، بما في ذلك التزام متوقع من شركة «بلاك روك» - أكبر مدير للأصول في العالم - بقيمة 7 مليارات جنيه.

ومن المنتظر أن تضخ الاتفاقية أكثر من 8 مليارات جنيه من الاستثمارات والالتزامات الرأسمالية في المملكة المتحدة، في حين يتدفق أكثر من 12 مليار جنيه في الاتجاه المعاكس، مما يخلق فرص عمل على جانبي الأطلسي.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

شركات أميركية كبرى تدخل السوق البريطانية

ومن بين هذه الاستثمارات:

  • «بنك أوف أميركا»: سيؤسس أول عملية له في آيرلندا الشمالية، ويوفر ما يصل إلى 1000 وظيفة جديدة في بلفاست.
  • مجموعة «سيتي غروب»: تعتزم استثمار 1.1 مليار جنيه إسترليني في عملياتها بالمملكة المتحدة.
  • «باي بال» و«ستاندرد آند بورز غلوبال»: الأخيرة ستوفر 200 وظيفة دائمة في مانشستر من خلال استثمار بقيمة 4 ملايين جنيه.

ووصف وزير الأعمال والتجارة البريطاني، بيتر كايل، هذه الاستثمارات، بأنها تعكس قوة العلاقة «الخاصة» بين البلدين، وتؤكد مكانة المملكة المتحدة كمركز مالي عالمي. وقال إن هذه الاستثمارات تعكس قوة «الممر الذهبي» المستمر بين المملكة المتحدة وأحد أقرب شركائها التجاريين.

من جهتها، قالت وزيرة المالية، رايتشل ريفز، إن التزام المؤسسات المالية الأميركية الكبرى «يُظهر الإمكانات الهائلة للاقتصاد البريطاني»، ويعكس «العلاقة القوية بين البلدين».

مطالبات برلمانية بتنازلات جمركية

في المقابل، يطالب أعضاء في البرلمان البريطاني حكومة بلادهم بضرورة استغلال هذه الزيارة للضغط على الولايات المتحدة للحصول على إعفاءات جمركية إضافية. ورغم التوصل إلى اتفاق سابق خفض الرسوم على صادرات السيارات والطيران، فإن الرسوم على الصلب البريطاني لا تزال عند 25 في المائة، مما يهدد الوظائف ويؤخر الاستثمارات.

وأشار رئيس لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم، ليام بيرن، إلى أن الزيارة «ليست مجرد احتفال»، بل فرصة حاسمة لتحسين شروط الاتفاق الاقتصادي بين البلدين.

كما دعت اللجنة البرلمانية إلى الانتهاء من الاتفاقيات المتعلقة بالألمنيوم والقطاع الدوائي، بما يتماشى مع التحول البريطاني نحو الإنتاج منخفض الكربون. كما شددت على أهمية استخدام الشراكة مع الولايات المتحدة لتعزيز موقف المملكة المتحدة في مواجهة الصين، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الدفاعية، إلى جانب تحسين الوصول إلى المعادن الحيوية.

وأكد متحدث باسم الحكومة أن العلاقة «الخاصة» بين البلدين لا تزال قوية، مشيراً إلى أن المملكة المتحدة «لا تزال الدولة الوحيدة التي تجنبت رسوماً بنسبة 50 في المائة على الصلب والألمنيوم».


مقالات ذات صلة

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز… والقوات البرية ليست مستبعدة

الولايات المتحدة​ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يستمع إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال مؤتمر صحافي مشترك في البنتاغون (أ.ف.ب)

هيغسيث: خياراتنا مفتوحة في هرمز… والقوات البرية ليست مستبعدة

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الثلاثاء إن الأيام المقبلة من الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستكون «حاسمة».

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن)
الاقتصاد شعار شركة «لوك أويل» معروض بمحطة وقود في بوخارست (رويترز)

أميركا تمدد مهلة للمشترين المحتملين لأصول «لوك أويل» الروسية حتى أول مايو

مددت أميركا للمرة الرابعة مهلة للشركات الراغبة في التفاوض مع «لوك أويل» الروسية على شراء أصولها الخارجية، وذلك بعد أن فرضت واشنطن عقوبات عليها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رجل دين يتفقد آثار الغارات الجوية الإسرائيلية - الأميركية التي استهدفت طهران - الاثنين 30 مارس 2026 (نيويورك تايمز) p-circle

تصدّع القيادة الإيرانية يعرقل تنسيق القرار

أدت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران إلى تصدع داخل الحكومة الإيرانية، مما عقد قدرتها على اتخاذ القرارات وتنسيق هجمات انتقامية أكبر.

رونين بيرغمان (واشنطن) آدم غولدمان (واشنطن) جوليان بارنز (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحاكم فلوريدا رون رون ديسانتيس خلال اجتماع سابق في البيت الأبيض (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقّع مشروع قانون لإعادة تسمية مطار باسم ترمب

وقّع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس مشروع قانون، الاثنين، لإعادة تسمية مطار بالم بيتش الدولي «مطار الرئيس دونالد جاي ترمب الدولي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص صورة نشرها التلفزيون الإيراني تُظهر اللحظات الأولى لإصابة صاروخ في مدينة ملارد جنوب محافظة فارس في أول يوم للحرب

خاص تحذيرات أميركية من افتقار ترمب إلى خطة النصر رغم «هزيمة» إيران

حذر خبراء أميركيون في مجالات الدفاع والاستخبارات من افتقار إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى خطة واضحة المعالم لتحقيق النصر، رغم «الهزيمة النكراء» للقوات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)

انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

انتعاش حذر في «وول ستريت» مع تباطؤ وتيرة ارتفاع النفط

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

انتعشت الأسواق الأميركية، الثلاثاء، مع تباطؤ وتيرة ارتفاع أسعار النفط، وسط تداعيات الحرب المستمرة مع إيران.

وقفز مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 1.2 في المائة، بعد أن فقد أكثر من 9 في المائة من أعلى مستوياته القياسية التي سجلها مطلع العام. وارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 400 نقطة، أي بنسبة 0.9 في المائة بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما سجل مؤشر «ناسداك» المركب ارتفاعاً بنسبة 1.6 في المائة.

وجاء هذا الانتعاش بعد استقرار أسعار النفط الذي خفف بعض الضغوط على «وول ستريت». فقد انخفض سعر برميل خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة طفيفة تقل عن 0.1 في المائة ليصل إلى 107.37 دولاراً، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 0.7 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

ولطالما كانت أسعار النفط المحرك الرئيسي لتقلبات سوق الأسهم الأميركية منذ اندلاع الحرب، حيث ارتفع خام برنت من حوالي 70 دولاراً للبرميل إلى مستويات وصلت إلى 119 دولاراً أحياناً. ويخشى المستثمرون من استمرار الحرب لفترة طويلة، ما قد يقيد تدفقات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، ويؤدي إلى موجة تضخم جديدة.

وأفاد محللون بأن التفاؤل ساد الأسواق ليلة أمس بعد تقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، مفاده أن الرئيس دونالد ترمب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، حتى في ظل استمرار إغلاق جزئي لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي يربط الخليج العربي بالمحيط، وتمر عبره خُمس صادرات النفط العالمية يومياً.

ورغم تصريحات ترمب على شبكته الاجتماعية، التي دعا فيها المملكة المتحدة ودولاً أخرى إلى «التوجه إلى المضيق والاستيلاء عليه»، فقد أثرت تصريحاته الأخيرة بشأن المحادثات المثمرة مع إيران وتهديده بمحطات الطاقة الإيرانية على معنويات السوق بشكل معتدل.

ضغوط على المستهلكين والشركات

ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية دفعت التضخم في أوروبا إلى 2.5 في المائة في مارس (آذار)، بعد أن كان 1.9 في المائة في فبراير (شباط). وفي الولايات المتحدة، تجاوز سعر غالون البنزين 4 دولارات لأول مرة منذ 2022، ما يضغط على ميزانيات الأسر، ويقلل قدرتها على الإنفاق في القطاعات الأخرى. وتأثر بذلك أيضاً قطاع الشركات التي تعتمد على النقل البري والبحري والجوي لنقل منتجاتها.

قطاع الشركات يتحرك مع تباطؤ أسعار الوقود

أسهم تباطؤ أسعار النفط، يوم الثلاثاء، في صعود أسهم الشركات ذات تكاليف الوقود المرتفعة، حيث ارتفع سهم شركة «نورويجيان كروز لاين القابضة» بنسبة 2.9 في المائة، والخطوط الجوية الأميركية بنسبة 1.3 في المائة.

وكانت أسهم قطاع التكنولوجيا المحرك الأبرز للأسواق، إذ ارتفع سهم «مارفيل تكنولوجي» بنسبة 7.6 في المائة بعد استثمار «إنفيديا» ملياري دولار في الشركة وإعلان شراكة استراتيجية معها. وسجل سهم «إنفيديا» ارتفاعاً بنسبة 1.9 في المائة، ليظل السهم الأكثر تأثيراً على «وول ستريت» نظراً لحجمه الكبير.

تراجع عوائد السندات وتأثيره على القروض

في سوق السندات، انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.30 في المائة من 4.35 في المائة، بعد أن كانت 4.44 في المائة في نهاية الأسبوع الماضي، مما يمثل تحركاً مهماً لسوق الدخل الثابت. ومن المتوقع أن يسهم هذا التراجع في خفض أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض للأسر والشركات الأميركية، التي شهدت ارتفاعات حادة منذ بداية الحرب.

وكان عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات قد سجل 3.97 في المائة في أواخر فبراير، قبل أن تتسبب المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط في إلغاء آمال المتداولين في خفض محتمل لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

على الصعيد العالمي، عادت الأسواق الأوروبية للارتفاع بعد موجة تراجع حاد في آسيا، حيث انخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 4.3 في المائة، وخسر مؤشر «نيكي 225» الياباني 1.6 في المائة، مسجلين اثنين من أكبر التحركات الأخيرة.


كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
TT

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)

تُظهر بيانات قطاع الشحن أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل الوقود والبضائع على مستوى العالم.

وجاء هذا الارتفاع نتيجة تقلص الطاقة الاستيعابية، إذ تفضِّل كثير من السفن البقاء داخل الخليج؛ تجنباً لمخاطر الاستهداف في حال الإبحار، في حين تلجأ سفن أخرى إلى اتخاذ مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة لتفادي المرور عبر المضيق. كما أسهم تراجع تدفقات النفط في رفع أسعار وقود السفن، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «هاباغ لويد»، إحدى كبرى شركات شحن الحاويات، الأسبوع الماضي: «اضطررنا إلى تعليق الحجوزات من وإلى منطقة الخليج العربي، إذ لم نعد قادرين على إدخال السفن أو إخراجها»، مقدّراً أن الحرب رفعت التكاليف بما يتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «يرتبط جزء كبير من هذه الزيادة بارتفاع أسعار وقود السفن، لكننا شهدنا أيضاً صعوداً في تكاليف التأمين وتخزين الحاويات والنقل البري، فضلاً عن خروج 6 سفن من الخدمة، ما قلّص الطاقة التشغيلية المتاحة».

وفيما يلي أبرز 5 مؤشرات تعكس تأثير الأزمة على تكاليف الشحن:

1- تأجير ناقلات النفط

قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط منذ بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، وما تبعها من ضربات انتقامية في المنطقة.

فقد تضاعف متوسط «الأرباح» - وهو مؤشر قياسي غير مباشر لتكاليف التأجير - لأكثر من 3 أضعاف منذ 26 فبراير، ليتجاوز 330 ألف دولار يومياً لناقلات النفط الخام الكبيرة من فئة «سويزماكس»، وفق بيانات مجموعة «كلاركسونز».

كما ارتفعت تكاليف ناقلات الغاز الطبيعي المسال على المسار المرجعي بين الولايات المتحدة واليابان إلى نحو 90 ألف دولار يومياً، أي نحو 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.

2- تكاليف شحن النفط

قال بيتر نورفولك، متخصص تسعير الشحن في «بلاتس» التابعة لشركة «إس آند بي غلوبال إنرجي»، إن تكاليف نقل النفط ارتفعت بشكل حاد عقب اندلاع الحرب.

وأوضح أن تكلفة شحن النفط الخام من الخليج العربي إلى الصين على متن ناقلة عملاقة من فئة «VLCC» ارتفعت من 46 دولاراً للطن المتري في نهاية فبراير إلى نحو 3 أضعاف خلال أيام، قبل أن تتراجع إلى نحو 64 دولاراً بنهاية مارس (آذار)، مضيفاً: «في الواقع، لا يكاد يوجد تحميل يُذكر حالياً».

ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية في أوقات السلم.

3- تكاليف الحاويات

أفادت شركة استشارات بحرية دولية بأنَّ السعر الفوري لشحن حاوية بطول 40 قدماً ارتفع بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة على الطرق الرئيسية من الشرق الأقصى إلى أوروبا والساحل الغربي للولايات المتحدة.

وتراوح سعر الحاوية على الخط الأوروبي بين 2200 و2700 دولار. كما أدت «رسوم الحرب» الإضافية إلى زيادة تكاليف الشحن من الشرق الأقصى إلى الخليج العربي والبحر الأحمر بنحو 200 في المائة خلال الفترة بين 20 فبراير و20 مارس.

كما فرضت القيود المشددة على الملاحة عبر مضيق هرمز تغييرات واسعة في أنماط الشحن، حيث علّقت الشركات الحجوزات، وعدَّلت مسارات السفن، ولجأت إلى تفريغ الحمولات في مراكز إقليمية بديلة أكثر أماناً.

4- ارتفاع أسعار وقود السفن

ارتفعت أسعار وقود السفن بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، حيث تضاعفت تقريباً وبلغت ذروتها عند 1053 دولاراً للطن المتري في 20 مارس.

وبحلول 31 مارس، استقرَّت الأسعار عند أكثر من 936 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 540 دولاراً عشية اندلاع الصراع، وفق بيانات منصة «فاكتسيت».

5- أقساط التأمين

ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، إذ قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات لرحلة واحدة عبر مضيق هرمز، في ظلِّ قيمة السفن والشحنات التي تبلغ مئات الملايين.

وقدّر ديفيد سميث، رئيس قسم التأمين البحري في شركة الوساطة «ماكغيل»، أن أقساط التأمين تتراوح بين 3.5 في المائة و10 في المائة من قيمة السفينة، ما يضيف عبئاً مالياً كبيراً على شركات الشحن.


رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

تواجه الدول الآسيوية أزمة طاقة حادة مع الحرب الإيرانية، وسط تراجع كبير في شحنات النفط الخام وندرة البدائل، وفق ما أفادت به شركة «كبلر»، المختصة في تحليلات النقل البحري العالمي.

وقال رئيس الشركة، جان ماينييه، من مقرها في سنغافورة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعتقد أن آسيا ستكون، في الوقت الراهن، الأكبر تضرراً».

وأدت الحرب، التي اندلعت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى شبه توقف في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

وأحدث ذلك صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية، انعكست في ارتفاع الأسعار على المستهلكين حول العالم.

وأوضح ماينييه أن آسيا تفتقر إلى موارد طاقة كافية لسد هذا النقص، قائلاً: «في الصين، وكذلك في دول كبرى مثل الفلبين وإندونيسيا، لا توجد بدائل كافية؛ مما يجعلها أزمة طاقة حقيقية».

وأشار إلى أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل إعلان الفلبين حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، مضيفاً: «الوضع صعب للغاية بالنسبة إلى آسيا، ولسنا متفائلين إذا استمر على هذا النحو».

شح النفط الخام

قال ماينييه: «يكاد تدفق النفط الخام إلى آسيا يتوقف حالياً، ولا توجد بدائل مجدية لواردات الطاقة من الشرق الأوسط في ظل استنزاف المخزونات».

وأضاف أنه رغم توقع الهجوم على إيران، فإن توقيته ومدة الصراع شكّلا مفاجأة، خصوصاً بالنسبة إلى آسيا، التي تواجه الآن أزمة طاقة حقيقية.

وتُعد شركة «كبلر»، ومقرها بروكسل، التي تأسست عام 2014 وتمتلك منصة «مارين ترافيك»، من أبرز شركات تحليل البيانات وتتبع حركة السفن عالمياً.

مراقبة مضيق هرمز

تتابع «كبلر» من كثب حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب. ورغم إعلان مسؤولين عسكريين إيرانيين السيطرة على الممر المائي واستهداف سفن «معادية»، فإن بعض السفن لا تزال تخاطر بالعبور... فقد عبرت 17 سفينة شحن المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، منها 12 سفينة يوم السبت، وهو من أعلى أيام العبور نشاطاً منذ 1 مارس (آذار). ومع ذلك، فلم يتجاوز إجمالي العبور 196 سفينة خلال الشهر حتى مساء الاثنين، وهو انخفاض حاد مقارنة بما قبل الحرب.

ومن بين هذه السفن، كان معظم 120 ناقلة نفط وغاز متجهاً شرقاً خارج المضيق.

السفن المختفية

تعتمد «كبلر»، التي توفر بيانات آنية لنحو ألف شركة، على الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات متقدمة أخرى لتتبع حركة السفن.

وقال ماينييه: «دمج هذه الأدوات مع البيانات التي نحصل عليها من شراكات مختلفة يتيح لنا فهم ما يحدث فعلياً، بما في ذلك حالات اختفاء السفن».

وأوضح أن «السفن المختفية» - وغالباً ما تكون ناقلات نفط أو سفن شحن - توقف عمداً أو تغير في أجهزة التتبع الخاصة بها للتهرب من أنظمة المراقبة العامة، مثل نظام «مارين ترافيك».

وأضاف: «تسعى هذه السفن إلى الإفلات من الرصد، وغالباً ما تكون مرتبطة بعمليات تهريب أو نقل شحنات خاضعة للعقوبات».

وأشار إلى أن «كبلر» تستخدم صور الأقمار الاصطناعية والبيانات البحرية وهوائيات الرصد الساحلي لإعادة بناء مسارات السفن التي تختفي عن الأنظار، مؤكداً: «من الصعب تحقيق دقة كاملة، لكننا قادرون على تتبع أكثر من 90 في المائة من النشاط خلال الوقت الفعلي».