كوريا الجنوبية: محادثات التجارة مع أميركا وصلت «طريقاً مسدوداً» بسبب «سعر الصرف»

سيول ترسل طائرة لإعادة عمال محتجزين في الولايات المتحدة

سيدة تمُر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في غرفة تداول «هانا بنك» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (إ.ب.أ)
سيدة تمُر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في غرفة تداول «هانا بنك» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (إ.ب.أ)
TT

كوريا الجنوبية: محادثات التجارة مع أميركا وصلت «طريقاً مسدوداً» بسبب «سعر الصرف»

سيدة تمُر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في غرفة تداول «هانا بنك» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (إ.ب.أ)
سيدة تمُر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في غرفة تداول «هانا بنك» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (إ.ب.أ)

قال مسؤول رئاسي كبير يوم الثلاثاء، إن مفاوضات كوريا الجنوبية لإتمام اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة متوقفة بسبب مشكلات في سعر الصرف، وإن سيول طلبت من واشنطن المساعدة في إيجاد طريقة للحد من أي تأثير على السوق من حزمة استثمارية بقيمة 350 مليار دولار.

ويأتي التأخير في التوصل إلى اتفاق نهائي بعد أن وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي أمراً تنفيذياً لتنفيذ اتفاقية التجارة مع اليابان، والتي تتضمن حزمة استثمارية بقيمة 550 مليار دولار.

ولم تتوصل كوريا الجنوبية بعد إلى اتفاق مكتوب بشأن اتفاقها مع أميركا المُبرم في يوليو (تموز) الماضي، والذي يتضمن حزمة بقيمة 350 مليار دولار تُستثمر في الولايات المتحدة.

وصرَّح وزير السياسة الرئاسية كيم يونغ بوم، بأن اليابان وكوريا الجنوبية في وضع مختلف، مُؤكداً تصريحات سابقة لوزير الصناعة ووزير الخارجية يوم الاثنين، مفادها أن سيول لا تستطيع الموافقة على شروط مماثلة مُبينة في اتفاق اليابان بشأن حزمة الاستثمار.

وقال كيم في منتدى نقاش مباشر: «في حين لا يوجد فرق كبير في الفوائض التجارية، فإن حجم الاقتصاد، والأهم من ذلك ظروف سوق الصرف الأجنبي، مختلفة تماماً».

وأضاف كيم أن أهم مسألة تجب معالجتها لكي تُوقِّع كوريا الجنوبية أي اتفاق بشأن حزمة الاستثمار هي تأثيرها على سوق صرف الدولار المحلي مقابل الوون.

وأضاف أن كوريا الجنوبية في وضع مختلف عن اليابان؛ لأن الين عملة دولية، بينما تمتلك اليابان أيضاً برنامجاً لمبادلة العملات واحتياطيات من النقد الأجنبي أكبر بثلاث مرات من احتياطيات كوريا الجنوبية، مما سيساعد في الحد من تأثير استثمارها البالغ 550 مليار دولار في الولايات المتحدة.

ضغوط متوقعة

ومنذ الإعلان عن الصفقة في أواخر يوليو، ازدادت التوقعات بين المشاركين في السوق بأن الاستثمار البالغ 350 مليار دولار سيزيد من الضغط الهبوطي على الوون، على المدى الطويل.

وأضاف كيم أن مبلغ الـ350 مليار دولار يُقارن بالحد الأقصى الذي يُمكن للبنوك الحكومية الحصول عليه سنوياً، والذي يتراوح بين 20 و30 مليار دولار. كما يُقارن أيضاً باستثمارات صندوق التقاعد الوطني الخارجية التي تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار شهرياً، وهو عامل أشار إليه المشاركون في السوق بالفعل بوصفه عاملاً كبيراً يُثقل كاهل الوون.

والعملة الكورية التي يجري تداولها حالياً عند نحو 1390 ووناً مقابل الدولار، ارتفعت بنسبة 6 في المائة حتى الآن هذا العام، بعد أن تراجعت أربع سنوات متتالية لتصل إلى أدنى مستوى لها في 15 عاماً في عام 2024، دون الحد النفسي البالغ 1400 وون للدولار.

واتفقت كوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة في جولتهما الافتتاحية من محادثات التجارة في أواخر أبريل (نيسان) على وضع سياسة العملة على جدول الأعمال، ومنذ ذلك الحين تُجري مشاورات على مستوى العمل.

وصرح وزير المالية كو يون تشيول، يوم الاثنين، بأن هذه المسألة ستُدرَج عند إعلان البلدين عن اتفاق نهائي بعد انتهاء مفاوضات التجارة.

أزمة العمال المحتجزين

وفي نقطة منفصلة، ولكنها ذات صلة بالعلاقات الكورية الأميركية، صرَّح متحدث باسم «الخطوط الجوية الكورية» يوم الثلاثاء، بأن كوريا الجنوبية سترسل طائرة مستأجرة إلى مدينة أتلانتا الأميركية يوم الأربعاء، لإعادة عمال محتجزين في مداهمة ضخمة لدائرة الهجرة الأسبوع الماضي على مصنع لبطاريات السيارات، في ولاية جورجيا الأميركية.

وقال الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، إن سيول ستتفاوض مع واشنطن للتوصل إلى حل معقول للوضع القائم على روح تحالفهما، مضيفاً في اجتماع لمجلس الوزراء أنه يشعر «بمسؤولية جسيمة» تجاه المواطنين المحتجزين.

وستُقلع طائرة «بوينغ 747-8i» تابعة لشركة «الخطوط الجوية الكورية»، تتسع لـ368 مقعداً، من مطار إنتشون في كوريا الجنوبية إلى أتلانتا، وفقاً للمتحدث الرسمي.

وخلال مداهمة دائرة الهجرة الأميركية، أُلقي القبض على نحو 300 كوري جنوبي، إلى جانب 175 آخرين، في موقع مشروع «هيونداي موتور» و«إل جي إنرجي سوليوشن» الذي تبلغ قيمته 3 مليارات دولار، لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.

ويزور وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون واشنطن، للتفاوض على نقاط مثل السعي للحصول على ضمانات بالسماح للكوريين العائدين إلى ديارهم بالعودة إلى الولايات المتحدة.

وقد أثارت المداهمة -وهي أكبر عملية إنفاذ في موقع واحد في تاريخ عمليات التحقيق التي أجرتها وزارة الأمن الداخلي- موجة من الصدمة في كوريا الجنوبية، حليفة الولايات المتحدة التي تحاول إبرام اتفاقية تجارية مع واشنطن في يوليو.

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «ريالميتر»، ونُشر يوم الثلاثاء، أن ما يقرب من 60 في المائة من الكوريين الجنوبيين شعروا بخيبة أمل إزاء ما اعتبروه إجراءً مفرطاً من جانب السلطات الأميركية في المداهمة، بينما اعتبر نحو 30 في المائة هذا الإجراء أمراً لا مفر منه.

ولم تُفصح السلطات أو الشركات المعنية عن تفاصيل حول كيفية انتهاك قواعد الهجرة الأميركية، ولكن المشرعين الكوريين الجنوبيين يقولون إن البعض ربما تجاوز حدود برنامج الإعفاء من التأشيرة مدة 90 يوماً أو تأشيرة العمل المؤقتة (B-1).

وقال وزير الخارجية تشو إنه سيناقش مع واشنطن إصدار تصريح عمل خاص للمهنيين الكوريين. واشتكت الشركات الكورية مما تعتبره قيوداً أميركية صارمة على تأشيرات العمال الأجانب المهرة، مما يُصعِّب عليها الإشراف على بناء المصانع أو تدريب القوى العاملة المحلية.

ووفقاً للعمال والمسؤولين والمحامين، أُرسل كثير من العمال الكوريين الجنوبيين إلى الولايات المتحدة بوثائق مشكوك فيها، على الرغم من تحفظاتهم وتحذيراتهم من تشديد إجراءات الهجرة الأميركية.


مقالات ذات صلة

«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

خاص أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

«النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد مقر منظمة التجارة العالمية في جنيف بسويسرا (رويترز)

السعودية تؤكد دعمها لإصلاح منظمة التجارة العالمية

أكدت السعودية خلال المؤتمر الوزاري الـ14 لمنظمة التجارة العالمية، التزامها بدعم الإصلاحات لتعزيز كفاءة المنظمة، وتسهيل انخراط الدول في التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
الاقتصاد مسافرون في مطار الملك عبد العزيز بجدة (واس)

الخدمات في صدارة المشهد الاقتصادي... السعودية تواصل توسيع نفوذها الدولي

كشفت بيانات حديثة عن أداء قوي لقطاع تجارة الخدمات في السعودية خلال الربع الرابع من عام 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سفينة حاويات في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تطلق تحقيقين في الممارسات التجارية الأميركية

أعلنت وزارة التجارة الصينية عن بدء تحقيقين مضادين في الممارسات الأميركية التي تعرقل تدفق المنتجات الصينية إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».