اتفاقية «أوروبا - ميركوسور» على مائدة التصويت بعد ربع قرن من المباحثات

وسط مؤشرات على تليين الموقف الفرنسي وصمود بولندي

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
TT

اتفاقية «أوروبا - ميركوسور» على مائدة التصويت بعد ربع قرن من المباحثات

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)
أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في بروكسل (أ.ب)

بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً من المفاوضات المتقطعة، دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» في أميركا الجنوبية مرحلة الحسم، بعدما قدمت المفوضية الأوروبية نص الاتفاق إلى البرلمان الأوروبي وحكومات الدول الأعضاء للمصادقة النهائية.

وتصف بروكسل الاتفاق بأنه الأكبر في تاريخ الاتحاد الأوروبي من حيث حجم التخفيضات الجمركية والفرص التجارية التي يفتحها، لكنه لا يزال يواجه معارضة زراعية وبيئية قوية، في حين بدأت فرنسا – التي كانت رأس حربة الرافضين – تُبدي ليونة حذرة بعد تقديم المفوضية حزمة ضمانات جديدة.

ويتعلق الاتفاق التاريخي بإنشاء منطقة تجارة حرة بين الاتحاد الأوروبي من جهة، ودول «ميركوسور» – الأرجنتين، والبرازيل، وباراغواي وأوروغواي – من جهة أخرى. وقد تم التوصل إلى مسودة الاتفاق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعد ربع قرن من المفاوضات التي تعثرت مراراً بسبب خلافات حول الواردات الزراعية والمعايير البيئية.

وحسب المفوضية الأوروبية، سيُشكل الاتفاق عند دخوله حيز التنفيذ أكبر خفض جمركي في تاريخ الاتحاد الأوروبي، حيث سيغطي نحو 770 مليون مستهلك، ويوفر سوقاً واسعة للسيارات الأوروبية، والآلات والمواد الكيميائية، مقابل فتح السوق الأوروبية أمام منتجات أميركا الجنوبية الزراعية والمواد الخام.

وفي مواجهة الاعتراضات، طرحت المفوضية الأوروبية آلية جديدة لحماية المنتجات الزراعية الحساسة، وفي مقدمتها لحوم البقر. وتنص الآلية على إمكانية تعليق الامتيازات التفضيلية لـ«ميركوسور» إذا ارتفعت الواردات أو انخفضت الأسعار بأكثر من 10 في المائة في أي من الدول الأعضاء. وتتعهد المفوضية باتخاذ إجراءات أولية خلال ثلاثة أسابيع من تلقي شكاوى؛ ما يمنح المزارعين أداة حماية أسرع من الآليات السابقة.

كما أعلنت المفوضية عن صندوق أزمة بقيمة 6.3 مليار يورو (7.38 مليار دولار) لتعويض المزارعين الأوروبيين المتضررين من أي تقلبات ناتجة من تنفيذ الاتفاق.

وقال وزير التجارة الفرنسي لوران سان مارتن إن إدراج هذا البند الوقائي يمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح»، مؤكداً أن باريس ستدرس تفاصيل المقترح قبل تحديد موقفها النهائي.

فرنسا تلين وبولندا تصمد

ولطالما عدَّت فرنسا، أكبر منتج للحوم البقر في الاتحاد، أن الاتفاق «غير مقبول»، لكنها بدت هذا الأسبوع أكثر استعداداً للتفاوض، خصوصاً بعد الضمانات المتعلقة بالزراعة. وفي المقابل، لا تزال بولندا متشبثة بموقفها المعارض؛ إذ صرح رئيس الوزراء دونالد توسك بأن بلاده ستواصل رفض الاتفاق، لكنها لم تعد تملك حلفاء كُثراً لتعطيله؛ ما يجعل «الضمانات الدفاعية ضرورية للغاية»، على حد قوله.

أما ألمانيا وإسبانيا، فكانتا من أبرز المؤيدين للاتفاق، عادتين أنه يشكل أداةً لتعويض الخسائر التجارية الناتجة من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك وسيلة لتقليل الاعتماد على الصين، خصوصاً في المعادن الحيوية مثل الليثيوم المستخدم في صناعة البطاريات.

ويرى مؤيدو الاتفاقية أن «ميركوسور» تمثل سوقاً واعدة للسيارات الأوروبية، والآلات الثقيلة والكيماويات، فضلاً عن كونها مصدراً مستقراً للمعادن الأساسية اللازمة للانتقال الطاقي في أوروبا. كما ستمنح الاتفاقية منتجي الاتحاد الأوروبي مزايا جمركية في صادرات الأجبان، ولحم الخنزير، والنبيذ إلى أميركا الجنوبية.

لكن على الجانب الآخر، يواصل المزارعون الأوروبيون احتجاجاتهم، محذّرين من أن الاتفاق سيفتح الباب أمام واردات رخيصة من لحوم البقر، وفول الصويا والمنتجات الزراعية الأخرى، لا تراعي المعايير البيئية الصارمة التي يطبقها الاتحاد. وتخشى جماعات الضغط الزراعية أن يؤدي ذلك إلى ضغط على الأسعار وهامش الربحية؛ ما قد يضر باستدامة القطاع الزراعي الأوروبي.

وتواجه الاتفاقية أيضاً انتقادات منظمات البيئة؛ إذ وصفتها منظمة «أصدقاء الأرض» بأنها «اتفاقية مدمرة للمناخ»، بحجة أنها ستشجع على إزالة الغابات في الأمازون لزيادة الإنتاج الزراعي المخصص للتصدير. كما يخشى نشطاء أن يؤدي تخفيف القيود إلى تراجع معايير السلامة الغذائية داخل الاتحاد.

ويراهن المعارضون على إمكانية إسقاط الاتفاق في البرلمان الأوروبي، حيث يعارضه كل من حزب الخضر واليمين المتطرف، أو من خلال عدم تمريره في تصويت الحكومات، رغم أن التقديرات الحالية تشير إلى أن كتلة الرافضين لم تعد كافية لتعطيله.

مسار تشريعي معقد

يتطلب تمرير الاتفاق موافقة البرلمان الأوروبي بأغلبية الأصوات، إلى جانب تصويت مؤيد من أغلبية مؤهلة من حكومات الاتحاد (15 دولة على الأقل تمثل 65 في المائة من سكان الاتحاد). ورغم أن المؤشرات تميل إلى احتمالية تمريره، فإن المعركة التشريعية لا تزال غير محسومة.

كما تعتزم المفوضية الأوروبية طرح اتفاقية محدثة مع المكسيك، أُبرمت في يناير (كانون الثاني) الماضي، في الحزمة نفسها، ضمن جهود الاتحاد لتوسيع شبكة تحالفاته التجارية بعد إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتسارع المنافسة العالمية على الأسواق.

ويرى خبراء أن إصرار المفوضية على المضي قدماً في الاتفاقية يعكس حاجة الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تشكيل سياسته التجارية في مواجهة تحديات دولية متزايدة، من بينها السياسات الحمائية الأميركية، والمنافسة الصينية، وضغوط التحول الأخضر.

ويصف محللون اتفاق «ميركوسور» بأنه «رهان استراتيجي»؛ إذ يمنح أوروبا منفذاً إلى واحدة من أكبر أسواق السلع الزراعية والمعادن في العالم، ويعزز حضورها في نصف الكرة الجنوبي في وقت يتزايد فيه التنافس الجيوسياسي.

وبين المكاسب الاقتصادية المتوقعة والمخاطر التي يحذّر منها المعارضون، يظل التصويت المرتقب في البرلمان الأوروبي وحكومات الاتحاد محطة فاصلة، ستحدد ما إذا كان هذا الاتفاق سيدخل التاريخ بصفته أكبر إنجاز تجاري للاتحاد، أم واحداً من أكثر مشاريعه إثارة للجدل.


مقالات ذات صلة

حركة عبور السفن في هرمز بأعلى مستوياتها منذ منتصف أبريل

الاقتصاد سفن تمر في مضيق هرمز بالقرب من ساحل سلطنة عمان (رويترز)

حركة عبور السفن في هرمز بأعلى مستوياتها منذ منتصف أبريل

عبرت 25 سفينة تجارية يوم الخميس مضيق هرمز الذي أعيد فتحه بموجب التفاهم الذي وقّعته الولايات المتحدة وإيران مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد مواطنون روس خارج مركز تسوق بالعاصمة الروسية في حين تتصاعد أعمدة الدخان من مصفاة نفطية عقب قصفها (أ.ف.ب)

رئيس «روسنفت»: الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

قال إيغور سيتشين، الرئيس التنفيذي لشركة «روسنفت»، أكبر شركة نفط في روسيا، الجمعة، إن الوضع في سوق الوقود الروسي ليس سهلاً

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد مشاة يمرون أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

الين يفقد هيبة التدخلات... والأسواق تختبر حدود قدرة طوكيو

تقترب اليابان من واحدة من أكثر لحظات أسواق الصرف حساسية منذ عقود، بعدما عاد الين مجدداً إلى مشارف أضعف مستوياته منذ نحو 40 عاماً.

لمياء نبيل (القاهرة)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في طوكيو (إ.ب.أ)

«نيكي» يحقق أكبر مكاسب أسبوعية في عامين بفضل الذكاء الاصطناعي

سجل مؤشر نيكي للأسهم اليابانية أكبر مكسب أسبوعي له في نحو عامين، الجمعة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار شركة «إيه إس إم إل» على مقرها في مدينة فلدهوفن الهولندية (رويترز)

واشنطن قلقة من تسرب جهاز رقائق متقدم إلى الصين

أبلغ وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، بأن واشنطن قلقة من احتمال وصول إحدى أحدث آلات تصنيع الرقائق الخاصة بها إلى الصين.

«الشرق الأوسط» (عواصم)

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تفتح آفاقاً استثمارية نوعية بقطاع الصناعات العسكرية

كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)
كرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

نجحت السعودية خلال المعرض الدولي للدفاع والأمن «يوروساتوري 2026» في فتح آفاق استثمارية نوعية باستعراض الفرص الواعدة والبيئة التنظيمية المحفزة، ما أسهم في تعزيز جاذبية الصناعات العسكرية الوطنية، واستقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين. وكرَّس جناح السعودية المشارك في المعرض الذي استضافته باريس خلال الفترة من 15 حتى 19 يونيو (حزيران) الحالي، مكانة المملكة بوصفها استثمارية رائدة بقطاع الصناعات العسكرية، حيث شارك فيه إلى جانب «هيئة الصناعات العسكرية» المنظمة له عشر جهات حكومية وخاصة.

وأكدت هذه المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من جميع أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية، واستعراض الجهود المبذولة لتوطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

أكدت المشاركة ترحيب السعودية بجميع المستثمرين من أنحاء العالم الراغبين في الاستثمار بقطاع الصناعات العسكرية (الشرق الأوسط)

وعلى هامش المعرض، عقد محافظ الهيئة المهندس أحمد العوهلي لقاءات مع المفوض العام للمديرية العامة للتسليح الفرنسي، باتريك بابلوكس، وممثلي كبرى الشركات الدفاعية العالمية، حيث جرى خلالها بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال الصناعات العسكرية وتبادل الخبرات، بما يعزز تطوير قطاع مستدام، ويرفع من جاهزية المعدات العسكرية، ويعزز الاكتفاء الذاتي، ويسهم بفاعلية في دعم الاقتصاد الوطني.

وشهدت المشاركة السعودية في المعرض توقيع عدة اتفاقيات ومذكرات تفاهم، ضمن جهود الهيئة الرامية إلى تطوير الصناعات العسكرية، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتمكين الشراكات الاستراتيجية، كما نظّمت ورشة عمل بعنوان «تنمية سلاسل الإمداد في الصناعات العسكرية»، تناولت إسهام توفير بيئة استثمارية جاذبة للمستثمرين المحليين والدوليين في بناء اقتصاد متنوع ومزدهر في القطاع.

أسهم جناح السعودية في استقطاب اهتمام الشركات العالمية الكبرى للدخول في شراكات استراتيجية تدعم مستهدفات التوطين (الشرق الأوسط)

واستعرض الجناح الجهود التكاملية بين الجهات الحكومية، وأبرز القدرات الصناعية والخدمية الوطنية، والتقنيات المبتكرة التي تقدمها الشركات السعودية المشاركة، كما سلط الضوء على البيئة الاستثمارية الجاذبة في البلاد، كما أبرز التطور المتسارع الذي يشهده قطاع الصناعات العسكرية؛ حيث ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي من 2.2 مليار ريال (نحو 587 مليون دولار) في 2021 إلى 6.6 مليار ريال (نحو مليار و760 مليون دولار) في 2024، مع ارتفاع نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى ما يقارب 25 في المائة في 2024، للوصول إلى توطين ما يزيد على 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030.

وأكدت الهيئة أن مشاركة الجناح السعودي في المعرض عززت من مكانة المملكة كشريك موثوق على الساحة الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع كبرى الشركات العالمية، إلى جانب تمكين الشركات الوطنية من إبراز قدراتها واستكشاف فرص النمو والتوسع في الأسواق العالمية.


«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
TT

«بنك إنجلترا» يقترح تخفيف قواعد «بازل 3» الرأسمالية لدفاتر التداول

مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)
مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

اقترح «بنك إنجلترا»، يوم الجمعة، تخفيف القواعد المنظمة لكيفية احتساب البنوك رأس المال المخصص لدفاتر التداول، في خطوة تأتي بعد تحركات مماثلة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقليص الأعباء المرتبطة بالمعايير المصرفية العالمية التي أُقرت عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وتندرج هذه القواعد ضمن «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول»، وهي جزء من إطار «بازل 3» الدولي الهادف إلى تعزيز قياس المخاطر المرتبطة بأنشطة التداول المصرفية وضمان احتفاظ البنوك برؤوس أموال تعكس بدقة مستوى المخاطر التي تتحمّلها، وفق «رويترز».

وأوضحت هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لـ«بنك إنجلترا» أن المقترحات الجديدة ستُسهّل على البنوك استخدام النماذج الداخلية لاحتساب متطلبات رأس المال بدلاً من الاعتماد على النهج المعياري، بما يؤدي إلى خفض المتطلبات الرأسمالية الإجمالية.

وأشارت الهيئة إلى أنها فتحت باب المشاورات العامة بشأن هذه التعديلات، مؤكدة في ورقة المشاورات الصادرة الجمعة أن متابعة تطبيق قواعد «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» على المستوى الدولي كشفت عن مجالات يمكن إدخال «تعديلات مستهدفة» عليها لتحسين تناسب الإطار التنظيمي وكفاءته التشغيلية، مع الحفاظ على معايير احترازية قوية.

تأخير عالمي وتطبيق غير متكافئ

تأتي هذه الخطوة في ظل تفاوت وتيرة تطبيق إصلاحات «بازل 3» بين الاقتصادات الكبرى. ففي مارس (آذار) الماضي، أعلن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مقترحات واسعة لتعديل قواعد «بازل 3»، تضمنت تخفيف بعض القيود المفروضة على استخدام النماذج الداخلية في احتساب مخاطر التداول.

كما أعلن الاتحاد الأوروبي، في يونيو (حزيران)، تخفيفاً مؤقتاً لبعض متطلبات الإطار التنظيمي، مبرراً ذلك بالحاجة إلى حماية القدرة التنافسية الدولية للبنوك الأوروبية في ظل اختلاف مواعيد وتفاصيل التطبيق بين الولايات القضائية المختلفة.

وبموجب المقترحات البريطانية الجديدة، تتوقع هيئة التنظيم الاحترازي أن تتمكّن البنوك من تحرير ما بين 1.9 مليون جنيه إسترليني و3.8 مليون جنيه إسترليني من رأس المال سنوياً لكل بنك، وهو ما قد يعزّز قدرتها على توجيه الموارد نحو الإقراض والاستثمار.

ومن المقرر أن تدخل أحكام إطار «المراجعة الأساسية لمحفظة التداول» الخاصة بالنماذج الداخلية حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني) 2028، فيما أوضحت الهيئة أنها ستمنح البنوك فترة زمنية أطول قبل بدء تطبيق أحد الاختبارات الرئيسية المتعلقة برأس المال، بما يتيح للجهات التنظيمية مزيداً من الوقت لتقييم فاعلية الإطار الجديد عملياً وضمان اتساق تطبيقه.

وقال نائب محافظ «بنك إنجلترا»، الرئيس التنفيذي لهيئة التنظيم الاحترازي، سام وودز، إن هذه القواعد تمثّل الحلقة الأخيرة من سلسلة الإصلاحات التنظيمية التي أُطلقت بعد الأزمة المالية العالمية.

وأضاف: «لقد منحنا مهلة إضافية لتطبيق هذه المجموعة الأخيرة من القواعد، بهدف مراعاة كيفية تنفيذها في الأسواق الأخرى، وتعكس مقترحات اليوم هذا التوجه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ضمان تمويل أنشطة التداول التي تقوم بها البنوك العاملة في المملكة المتحدة بمستويات رأسمالية مناسبة».

ومن المقرر أن تدخل بقية متطلبات اتفاقية «بازل 3» حيز التنفيذ في المملكة المتحدة بدءاً من يناير 2027.


روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
TT

روسيا تخفض الفائدة دون التوقعات لمواجهة ضغوط التضخم وتراجع إنتاج الوقود

العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)
العلم الوطني يرفرف فوق مقر «بنك روسيا» في موسكو (إ.ب.أ)

خفَّض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 14.25 في المائة، يوم الجمعة، في خطوة جاءت دون توقُّعات المحللين الذين رجَّحوا خفضاً بمقدار 50 نقطة أساس، مشيراً إلى تنامي المخاطر التضخمية المرتبطة بسياسة مالية أكثر توسعاً وتراجع إنتاج الوقود.

ويأتي القرار في وقت تتصاعد فيه هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية على مصافي النفط الروسية والبنية التحتية لقطاعَي الطاقة والنقل؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين واضطرابات في إمدادات الوقود في بعض المناطق.

وقال البنك المركزي في بيان: «إن المخاطر التضخمية ارتفعت؛ نتيجة الانخفاض المؤقت في إنتاج وقود السيارات»، في أول اعتراف رسمي رفيع المستوى بحجم التأثير الاقتصادي لهذه الهجمات.

وأظهرت بيانات «وكالة الإحصاء الروسية» أن متوسط أسعار البنزين ارتفع بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع المنتهي في 15 يونيو (حزيران)، حتى قبل الهجوم الذي استهدف مصفاة موسكو هذا الأسبوع. كما ارتفعت الأسعار بنسبة 5.7 في المائة منذ بداية العام، متجاوزة معدل التضخم البالغ 5.3 في المائة.

وعقب الهجمات الأخيرة، رفعت بعض سلاسل محطات الوقود المستقلة، التي لا تمتلك مصافي تكرير خاصة بها، أسعارها بما يصل إلى 20 في المائة؛ ما دفع هيئة مكافحة الاحتكار إلى مطالبتها بتقديم تفسيرات بشأن سياسات التسعير المتبعة.

وأجبرت هذه التطورات روسيا، ثالث أكبر منتِج للنفط في العالم وأحد أبرز مصدّري النفط والوقود، على البحث عن مصادر لاستيراد الوقود عبر البحر لتعويض النقص المحلي.

ورغم امتلاك موسكو آليات عدة للحفاظ على استقرار أسعار الوقود، من بينها اتفاق غير رسمي مع شركات النفط الكبرى يقضي بعدم رفع أسعار التجزئة بوتيرة تتجاوز معدل التضخم، فإنَّ الضغوط الأخيرة وضعت هذه الترتيبات أمام اختبار صعب.

سياسة مالية أكثر توسعاً

تُفاقم الاضطرابات في قطاع الطاقة التحديات الاقتصادية التي تواجهها روسيا، إذ تباطأ النمو الاقتصادي إلى 1 في المائة العام الماضي مقارنة بالتوقعات التي كانت تشير إلى نمو بنسبة 4.9 في المائة في عام 2024، متأثراً بارتفاع أسعار الفائدة والعقوبات الغربية وقوة الروبل.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أنَّ الاقتصاد الروسي قد ينمو بنسبة 0.4 في المائة فقط خلال العام الحالي.

وفي الوقت نفسه، تجاوز عجز الموازنة خلال الأشهر الـ5 الأولى من عام 2026 مستوى 2.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متخطياً الهدف السنوي البالغ 1.6 في المائة، نتيجة زيادة الإنفاق العسكري، رغم الإيرادات الإضافية التي وفَّرتها أسعار النفط المرتفعة.

كما قرَّرت وزارة المالية تأجيل تحقيق التوازن الأولي للموازنة - الذي يستثني مدفوعات خدمة الدين - إلى عام 2029 بدلاً من 2027، وهو ما أثار مخاوف البنك المركزي من أن يؤدي استمرار السياسة المالية التوسعية إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة التي يحتاجها الاقتصاد المتباطئ.

وقال البنك المركزي في بيانه: «من المتوقع أن تكون السياسة المالية خلال السنوات الثلاث المقبلة أكثر تيسيراً مما كان مقدراً سابقاً».

ويُعدُّ الخفض المحدود للفائدة مخيباً لآمال المصرفيين ودوائر الأعمال، التي ترى أنَّ خفض سعر الفائدة الرئيسي إلى نحو 12 في المائة بات ضرورياً لاستعادة زخم الاستثمار. ويتهم بعض رجال الأعمال البنك المركزي بإبقاء الاقتصاد في حالة من الجمود عبر التمسك بسياسة نقدية شديدة التشدد.

وقالت ناتاليا أورلوفا، كبيرة الاقتصاديين في بنك «ألفا»: «الجانب الإيجابي يتمثَّل في استمرار دورة خفض أسعار الفائدة، أما الجانب السلبي فهو تقلص حجم الخفض، ما يعكس ازدياد المخاطر التضخمية في الاقتصاد الروسي».