الدول النامية تتخلى عن الديون الدولارية… وتتجه نحو اليوان والفرنك السويسري

طفلة متضررة من الجفاف المتفاقم بسبب فشل مواسم الرياح الموسمية تحمل شقيقها داخل قرية سوبيل في توركانا كينيا (رويترز)
طفلة متضررة من الجفاف المتفاقم بسبب فشل مواسم الرياح الموسمية تحمل شقيقها داخل قرية سوبيل في توركانا كينيا (رويترز)
TT

الدول النامية تتخلى عن الديون الدولارية… وتتجه نحو اليوان والفرنك السويسري

طفلة متضررة من الجفاف المتفاقم بسبب فشل مواسم الرياح الموسمية تحمل شقيقها داخل قرية سوبيل في توركانا كينيا (رويترز)
طفلة متضررة من الجفاف المتفاقم بسبب فشل مواسم الرياح الموسمية تحمل شقيقها داخل قرية سوبيل في توركانا كينيا (رويترز)

تتخلى الدول النامية عن ديونها المقوّمة بالدولار الأميركي، وتتجه نحو عملات ذات أسعار فائدة منخفضة للغاية مثل اليوان الصيني، والفرنك السويسري.

يعكس هذا التحول، الذي تبنته دول مثقلة بالديون مثل كينيا، وسريلانكا، وبنما، ارتفاع أسعار الفائدة التي حددها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والتي أثارت غضب الرئيس دونالد ترمب، وزادت من تكاليف خدمة الديون على الدول الأخرى، وفق صحيفة «فايننشيال تايمز».

ويقول أرماندو أرمينتا، نائب رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في «أليانس بيرنستين»: «مستوى الفائدة المرتفع ومنحنى عائد سندات الخزانة الأميركية الحاد... جعلا التمويل بالدولار أكثر إرهاقاً للدول النامية، حتى مع انخفاض الفروقات على ديون الأسواق الناشئة»، مضيفاً: «ونتيجة لذلك، فإنها تبحث عن خيارات أكثر فعالية من حيث التكلفة».

لكنه وصف العديد من هذه التحولات نحو التمويل الأرخص وغير الدولاري بأنها «إجراءات مؤقتة» تتخذها الدول التي «يتعين عليها التركيز على خفض احتياجاتها التمويلية».

التحول إلى اليوان

يُعد التحول إلى الاقتراض باليوان -الذي يأتي في وقت تسجل فيه العملة الصينية أعلى مستوياتها مقابل الدولار هذا العام- أيضاً نتيجة لبرنامج بكين التنموي «الحزام والطريق» الذي تبلغ قيمته 1.3 تريليون دولار، والذي قدم مئات المليارات من الدولارات في شكل قروض لمشاريع البنية التحتية للحكومات حول العالم.

وعلى الرغم من عدم توفر الأرقام الإجمالية للاقتراض الجديد باليوان على نطاق واسع، نظراً لأن بكين تتفاوض على القروض بشكل ثنائي مع الحكومات الأخرى، تسعى كل من كينيا وسريلانكا إلى تحويل قروض دولارية بارزة إلى العملة الصينية.

وفي أغسطس (آب)، أعلنت وزارة الخزانة الكينية أنها تجري محادثات مع بنك «تشاينا إكسيم»، أكبر دائن للبلاد، لتحويل سداد قروض دولارية لمشروع سكة حديد بقيمة 5 مليارات دولار إلى اليوان، وذلك لتخفيف الضغط على موازنتها. كما صرح رئيس سريلانكا للبرلمان الشهر الماضي بأن حكومته تسعى للحصول على قروض باليوان لاستكمال مشروع طريق سريع رئيس توقف بعد تعثر البلاد في عام 2022.

الفرنك السويسري يغري المقترضين

مع استمرار أسعار الفائدة الأميركية عند نطاق يتراوح بين 4.25 و4.5 في المائة، أصبحت التكلفة الإجمالية للاقتراض بالدولار مرتفعة نسبياً للعديد من الدول النامية، حتى مع أن الفروقات على مثل هذه الديون هي عند أدنى مستوياتها منذ عقود مقارنة بسندات الخزانة الأميركية.

وعلى النقيض، خفض البنك الوطني السويسري أسعار الفائدة إلى الصفر في يونيو (حزيران)، في حين أن سعر الفائدة على اتفاقية إعادة الشراء العكسية لأجل سبعة أيام في الصين يبلغ 1.4 في المائة.

ويقول تيلينا باندواوالا، الخبير الاقتصادي في «فرونتير ريسيرش»: «يبدو أن تكلفة التمويل قد تكون السبب في التحول إلى اليوان».

كما أن العديد من قروض «الحزام والطريق» التي قُدمت في عام 2010 كانت بالدولار، في وقت كانت فيه أسعار الفائدة الأميركية أقل بكثير. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت تكلفة هذه الديون بشكل ملحوظ لكل من كينيا وسريلانكا، مما زاد من حافز الابتعاد عن التمويل بالدولار.

ومن خلال الاقتراض بعملات مثل اليوان والفرنك السويسري، يمكن للدول الوصول إلى ديون بأسعار فائدة أقل بكثير مما تقدمه سندات الدولار.

«التحول إلى عملات أخرى ليس حلاً طويل المدى»

ومع ذلك، يرى يوفان هوانغ، الزميل في مبادرة أبحاث الصين وأفريقيا في جامعة جونز هوبكنز، أن التقدم الذي أحرزته بكين في جهودها الأوسع لتبني الإقراض بالعملة الصينية لا يزال محدوداً. وقال: «حتى الآن، عندما تكون أسعار الفائدة على الرنمينبي أقل، يظل العديد من المقترضين مترددين. في الوقت الحالي، يبدو هذا أشبه بعملية تتم على أساس كل حالة على حدة، كما هو الحال مع كينيا».

ونظراً لأن الحكومات نادراً ما تكون لديها عائدات تصدير بعملات مثل اليوان والفرنك السويسري، قد يتعين عليها أيضاً التحوط من مخاطر سعر الصرف من خلال المشتقات المالية.

في يوليو (تموز) وحده، حصلت بنما على ما يعادل نحو 2.4 مليار دولار من قروض بالفرنك السويسري من البنوك، في محاولة من حكومة الدولة الواقعة في أميركا الوسطى لاحتواء عجزها المالي، وتجنب خفض تصنيفها الائتماني إلى «غير مرغوب فيه».

وصرح وزير المالية البنمي، فيليبي تشابمان، بأن الحصول على تمويل أرخص وفر أكثر من 200 مليون دولار مقارنة بإصدار سندات بالدولار، مضيفاً أن بلاده «نوّعت» إدارة ديونها السيادية لتشمل اليورو، والفرنك السويسري «بدلاً من الاعتماد فقط على أسواق رأس المال بالدولار الأميركي».

ويبدو أن كولومبيا تتجه أيضاً نحو قروض بالفرنك السويسري لإعادة تمويل سندات مقومة بالدولار. وفي الأسبوع الماضي، أطلقت مجموعة من البنوك العالمية عرضاً لشراء سندات كولومبية بخصم، وهو ما اعتبره المستثمرون جزءاً من ترتيب قرض بالفرنك السويسري للحكومة سيستخدم الديون الحالية على أنها ضمان.

ومن جانبه، قال أندريس باردو، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي لأميركا اللاتينية في «إكس بي إنفستمنتس» إن كولومبيا يمكنها الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة بالفرنك السويسري تبلغ 1.5 في المائة لإعادة شراء ديون بالدولار بعوائد تتراوح بين 7 و8 في المائة، وسندات محلية بالبيزو تدفع إلى ما يصل لـ12 في المائة.

وأفاد مدير صندوق ديون الأسواق الناشئة بأن إصدار السندات بالفرنك السويسري يمكن أن يساعد في الحد من فواتير الفائدة، ولكن على المدى الطويل لا يمكن أن يحل هذا الاقتراض محل الوصول إلى سوق سندات الدولار الأوسع، والأكثر سهولة.

وقد أشارت بيانات «جيه بي مورغان» إلى أن الشركات في الأسواق الناشئة تزيد أيضاً من مبيعات السندات باليورو هذا العام، حيث ارتفع حجم هذه الديون المصدرة إلى رقم قياسي بلغ 239 مليار دولار اعتباراً من يوليو. وفي المقابل، يبلغ إجمالي المخزون من سندات الشركات في الأسواق الناشئة المقوّمة بالدولار نحو 2.5 تريليون دولار.


مقالات ذات صلة

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

الاقتصاد أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد منظر عام لبرج إيفل وأفق مدينة باريس عند غروب الشمس (رويترز)

صندوق النقد الدولي يُحذر من تصاعد المخاطر المالية في فرنسا

قال صندوق النقد الدولي يوم الخميس، إن فرنسا تواجه ازدياداً في المخاطر على أوضاعها المالية العامة، مع تباطؤ وتيرة ضبط الموازنة واستمرار ارتفاع مستويات الدين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد بدوي يتحدث خلال الندوة الاستراتيجية التي نظمتها الجمعية المصرية - البريطانية للأعمال (وزارة البترول المصرية)

مصر تخفض مستحقات الشركات الأجنبية بقطاع البترول إلى 440 مليون دولار

قال وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، إن مصر خفضت مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 مليار دولار في 30 يونيو (حزيران) 2024 إلى 440 مليون دولار حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)

لغز عوائد السندات: كيف تتحكم «سوق الدين» في أسعار السلع وقروض المنازل؟

في عالم المال، عندما تعطس بورصة «وول ستريت» للأسهم، يلتفت الجميع. لكن خلف الستار، يقبع عملاق أشد فتكاً يتحكم في حركة الاقتصاد العالمي بأكمله: إنه سوق السندات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أعمال إنشائية بوسط القاهرة والتي لم تتأثر بخروج الاستثمارات الأجنبية الساخنة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

بعد تخارج 3.2 مليار دولار... ما المتوقع من اجتماع «المركزي المصري» بشأن الفائدة؟

أعلنت شركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار، الأحد، أنها تتوقع أن يبقي البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر عقده الخميس المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

تذبذبات الدولار... هل تنعش «السوق السوداء» للعملة في مصر؟

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط تذبذب سعر الدولار الأميركي، تواصل السلطات المصرية ملاحقة من يتاجرون في النقد الأجنبي خارج السوق الرسمية. فعلى مدار 3 أيام، تمكنت وزارة الداخلية من ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة، بقيمة مالية تجاوزت 20 مليون جنيه (377.3 ألف دولار).

وقد أثارت الملاحقات الأمنية التي تعلن عنها «الداخلية» يومياً، تساؤلات حول «انتعاش السوق السوداء مجدداً في البلاد». وبينما رهن بعض الخبراء عودة «السوق السوداء» بعدم «توفُّر العملة في البنوك»، رأى مراقبون أنَّ «استمرار الملاحقات يشي بوجود (السوق السوداء) للعملة، وأن هناك من يتاجرون خارج السوق الرسمية».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توفر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثَّرت الأزمة حينها على توفر السلع والخدمات، ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 53 جنيهاً.

وأكدت «الداخلية» في إفادة، مساء السبت، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع في النقد الأجنبي والمضاربة في أسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

يأتي هذا في وقت انخفضت فيه العملة الأميركية، يوم الأحد، بعد موجة ارتفاعات سجلتها على مدار الأيام الماضية؛ حيث سجلت في معظم البنوك أدنى مستوى وهو 53 جنيهاً.

واستمر تذبذب سعر الدولار في البلاد، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 55 جنيهاً، شهد تراجعاً، ثم عاد إلى الارتفاع الطفيف، ثم انخفض مجدداً في تداول الأحد.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة، الشهر الماضي، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة».

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة، أن «ما يحدث الآن هو أن البعض يكتنز الدولار، ولكن أن تكون هناك متاجرة خارج نطاق السوق المصرفية، فهي ليست العامل الكبير لتغيير سعر الصرف». ودلَّل على أن «السلطات تضبط المتلاعب بالعملة ثم تحوِّله بعد إجراءات قانونية للنيابة، ثم إلى المحكمة التي تتخذ قراراً بإدانته أو الإفراج عنه؛ وهذا لا يحرك السوق اليوم».

ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحرك السوق اليوم هو زيادة المعروض في العملة الأجنبية، ما يؤثر في سعر الصرف الأجنبي».

آلية أخرى تحدَّث عنها بدرة، وهي «عندما يكون هناك تحسُّن في آليات جذب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسُّن في قيمة الجنيه، تبدأ العملات الأجنبية -بما فيها الدولار- في الانخفاض». ويشير إلى أنه «في حال عدم توفر العملة في البنوك تظهر السوق السوداء، ولكن ما دامت العملة متوفرة لأي مستثمر بالسعر الرسمي المعلن، فلماذا يلجأ للسوق السوداء؟».

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات، ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مصري يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

كما يرى بدرة أن «آلية تذبذب الدولار هي الباعث الأساسي أو الرافد الأساسي للسوق السوداء». ويشير إلى «عدم ظهور أزمة لتدبير العملة بالنسبة للحجاج المصريين هذا الموسم، على عكس شكاوى البعض خلال سنوات ماضية من عدم توفر العملة، وهذا يدل أن الدولة دبَّرت احتياجات المسافرين من العملات الأجنبية لموسم الحج، رغم ما يحدث منذ الحرب الإيرانية من خروج للأموال الساخنة».

وتؤكد الحكومة بشكل متكرر «حرصها على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية والسلع الاستراتيجية للمواطنين».

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رشاد عبده، إن «المحدد الرئيسي لتحديد سعر الصرف، هو قوى العرض والطلب». ويرى أن «قوى العرض والطلب ليست ثابتة بسبب المتغيرات الإقليمية التي تسببت في رفع سعر الدولار، منذ بدء الحرب الإيرانية. ولكن مع الإعلان عن اتفاق، مساء السبت، تذبذب سعر الدولار نحو الانخفاض». ويشير إلى أن «هناك عوامل كثيرة تتحكم في سعر الدولار».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «البعض يرى في شراء الدولار الآن فائدة؛ خصوصاً مع تصاعد حديث عن ارتفاع سعره خلال الأشهر المقبلة في البلاد، ومن هنا تنشط وزارة الداخلية في ضبط كثير من القضايا».

مقر البنك المركزي المصري (صفحة البنك على فيسبوك)

لكن عبده يرهن «عودة السوق السوداء بعدم توفر الدولار في البنوك بالنسبة للمستثمرين، ولكن ما دام متوفراً -كما هو حالياً- فلا توجد سوق سوداء». ويقول إن «الفاصل في انتعاش السوق السوداء من جديد هو مدى قدرة البنوك على تلبية احتياجات المستوردين والمستثمرين، والإفراج عن البضائع في الجمارك».

وأكد وزير المالية أحمد كجوك، في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الموازنة العامة للدولة للعام المالي المقبل اعتمدت 47 جنيهاً كمتوسط لسعر الصرف، بناء على سعر الصرف السائد في تاريخ إعداد الموازنة».

وحسب المراقبين: «يعدُّ سعر الدولار بالموازنة سعراً استرشادياً لتحديد حجم الموازنة، وبالتالي يمكن أن ينخفض أو يزيد عليه وفق مرونة سعر الصرف وتدفقات موارد العملة».


تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تواجه البنية التحتية للنظام المالي العالمي المبني على هيمنة الورقة الخضراء اختباراً غير مسبوق؛ حيث تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة، مما يثير مخاوف جدية حول بدء تفكك القواعد التقليدية التي استندت إليها المديونية السيادية الأميركية لعقود.

وفي تطور دراماتيكي لافت، أقدمت تركيا على بيع نحو 89 في المائة من إجمالي حيازاتها من السندات الأميركية في غضون شهر واحد فقط؛ حيث هوت أرقام حيازتها من 15.7 مليار دولار في فبراير (شباط) الماضي إلى 1.8 مليار دولار فقط في مارس (آذار)، في خطوة تؤكد تخلي أنقرة شبه الكامل عن الديون الأميركية كأداة احتياطية.

هروب لكبار الدائنين

لم تكن الخطوة التركية معزولة عن مشهد أوسع يقوده كبار حاملي الديون الأميركية تاريخياً، وتحديداً اليابان والصين؛ تحت وطأة ضغوط العرض والوقود والتبعات الاقتصادية للحرب المستمرة في الشرق الأوسط ومضيق هرمز. وتظهر البيانات الصادمة الأبعاد التالية:

  • الصين: خفّضت بكين حيازاتها بمقدار 42 مليار دولار في شهر مارس وحده، لتهبط بمحفظتها إلى 652.3 مليار دولار، وهو المستوى الأدنى لها منذ عام 2008، مواصلةً خطتها الاستراتيجية لتقليل الاعتماد العضوي على الدولار وتدويل اليوان.
  • اليابان: الدائن الأكبر لواشنطن، لم تكن بمعزل عن هذه «الحمى»؛ إذ تخلصت طوكيو من نحو 47 مليار دولار من السندات خلال ذات الفترة، في خطوة وُصفت بأنها أضخم عملية تسييل يابانية تشهدها الأسواق منذ نحو ثلاثة عقود، وذلك بهدف توفير السيولة النقدية والدفاع عن عملتها المحلية (الين) أمام تداعيات أسعار الطاقة الوافدة.

كماشة النفط والدفاع عن العملات

ويرى محللو أسواق المال أن هذا الانسحاب الجماعي - الذي تسبب في تراجع إجمالي الديون الأميركية المملوكة لأطراف أجنبية بنحو 240 مليار دولار في شهر واحد - ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو نتاج ضغوط اقتصادية حادة؛ إذ إن القفزة القياسية لأسعار النفط العالمية التي بلغت نحو 80 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، أجبرت البنوك المركزية حول العالم على تسييل أصولها المقومة بالدولار (وفي مقدمتها السندات) لتمويل فاتورة استيراد الطاقة الباهظة ودعم استقرار عملاتها الوطنية.

ويتفق المراقبون في نيويورك على أن هذا التراجع الحاد في قاعدة المشترين الدوليين يمثل المعضلة الأكبر لإدارة ترمب ومجلس الاحتياطي الفيدرالي على حد سواء؛ حيث يتزامن هذا «الهجران الجماعي» للسندات مع تنامي الاحتياجات التمويلية الضخمة لواشنطن لتغطية عجز الموازنة، مما يضع نظام الدولار أمام حقيقة رقمية قاسية، مفادها أنه «عندما تشتد الضغوط الهيكلية، لم يعد الاحتفاظ بالديون الأميركية خياراً آمناً»، وهو ما سيدفع تكاليف الاقتراض الأميركية نحو مستويات حرجة قد تعيد صياغة النظام النقدي العالمي بالكامل.


رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية؛ حيث لم تعد الضغوط نابعة من كواليس غرف القرار السياسي فحسب، بل من قوة سوقية هائلة ومستقلة إلى حد كبير؛ تتمثل في «سوق السندات الأميركية» التي بدأت تفرض شروطها، وتختبر مدى تحمل واشنطن لارتفاع تكاليف الاقتراض السيادي.

وبينما يتحدث البيت الأبيض عن إحراز تقدم ملموس نحو صياغة اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ 3 أشهر مع إيران، ركّز مستثمرو سندات الخزانة على التداعيات التضخمية طويلة الأجل والشكوك المحيطة بفرص التهدئة المستدامة؛ وهو ما دفع عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى تجاوز عتبة 4.5 في المائة بشكل حاد، لتلامس مستوى 4.69 في المائة مؤخراً، وهو الأعلى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كماشة الفائدة وتكلفة المعيشة

وينعكس هذا الصعود المتسارع في عوائد السندات مباشرة على تكاليف الاقتراض في مختلف مفاصل الاقتصاد الأميركي، بدءاً من القروض العقارية، مروراً ببطاقات الائتمان، وصولاً إلى قروض الشركات؛ ما يُهدد الاستقرار المالي الإجمالي.

وفي هذا السياق، يرى غريغ فارانيلو، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في مؤسسة «أميري فيت سيكيوريتيز»، أن السوق بدأت تفرض نوعاً من «الألم الاقتصادي»، مشيراً إلى أن المستويات الراهنة ستلقي بظلالها حتماً على قطاع الإسكان والتمويل العقاري، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويتزامن هذا التوتر المالي مع مخاوف عميقة تعصف بموظفي البيت الأبيض تتعلق بالقفزة المستمرة في أسعار وقود السيارات (البنزين)، والتي باتت تُشكل المصدر الأكبر للقلق الإداري حالياً. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي مناقشة خيارات رفع أسعار الفائدة بوصفها أداة وحيدة لكبح جماح التضخم، بدلاً من خفضها كما يُطالب ترمب بانتظام؛ ما يضع السياسة النقدية والمالية في مسار متقاطع ومربك للأسواق.

رهانات الخريف وخيارات المناورة المحدودة

وتكتسب هذه الضغوط الاقتصادية بُعداً سياسياً بالغ الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي ستُحدد مصير السيطرة الجمهورية الهشة على مجلسي النواب والشيوخ؛ إذ يُثير إنفاق إدارة ترمب الطموح مخاوف بعض المشرعين من تفاقم العجز المالي.

وفي هذا الصدد، يؤكد خبراء أن معيار «القدرة على تحمل التكاليف» بات الكلمة الأكثر تردداً في أروقة واشنطن؛ نظراً لأن مستويات الفائدة الحالية قد تؤدي إلى تبريد الطلب على الإسكان، والضغط على إنفاق المستهلكين، وفي أسوأ السيناريوهات، دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تهدئة روع المستثمرين عبر رسائل تطمينية؛ إذ صرح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الارتفاع الحالي في العوائد، خصوصاً في الآجال الطويلة للمنحنى، مدفوع أساساً بصدمة الطاقة الناتجة عن حرب إيران، مؤكداً أنها «ضغوط مؤقتة» ستزول بزوال مسبباتها الجيوسياسية.

وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم البيت الأبيض، كوش ديساي، أن التركيز يظل منصباً على الأجندة طويلة الأجل لترمب، والتي تستهدف تسريع النمو، وخفض البيروقراطية، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي لاستعادة الحيوية المالية.

قوة السوق ومقصلة الـ5 %

تاريخياً، لطالما شكّلت سوق السندات قوة سياسية قادرة على صياغة السياسات في واشنطن التي تحتاج دوماً للحفاظ على ثقة المستثمرين لتمويل ديونها المتنامية؛ وهي المفارقة التي لخّصها المستشار السياسي الأسبق جيمس كارفيل في تسعينات القرن الماضي، بقوله إنه يرغب في أن يعود للحياة على هيئة «سوق السندات» لقدرتها العالية على إخافة الجميع وترهيبهم.

ويرى الخبراء والمحللون أن خيارات واشنطن للتدخل وكبح جماح العوائد تظل محدودة للغاية، حتى لو قفزت الأسعار إلى «مستوى الألم الحرج» المقدر بنحو 5 في المائة؛ فالارتفاع الحالي مدفوع بقوة النمو الاقتصادي وعناد التضخم المرتبط بالوقود، وليس بمخاوف ائتمانية تتعلق بالقدرة على السداد. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي عنيف أو مصطنع قد يقوّض مصداقية الدولة في معركتها ضد التضخم، ويأتي بنتائج عكسية تؤدي إلى تفاقم الضغوط الصعودية للعوائد، ما يبقي الاقتصاد الأميركي معلقاً بين مرونة قطاع الشركات وقواعد اللعبة الصارمة لأسواق المال.