اقتصاد اليابان ينمو بأكبر من المتوقع في الربع الثاني

بدعم من الصادرات... و«نيكي» يرتفع لمستوى قياسي جديد

منظر عام للعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
منظر عام للعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد اليابان ينمو بأكبر من المتوقع في الربع الثاني

منظر عام للعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)
منظر عام للعاصمة اليابانية (أ.ف.ب)

نما الاقتصاد الياباني بوتيرة أسرع بكثير من المتوقع في الربع الثاني، حيث صمدت أحجام الصادرات جيداً في مواجهة الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة؛ ما منح البنك المركزي بعض الشروط التي يحتاج إليها لاستئناف رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأظهرت بيانات حكومية، الجمعة، أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 1.0 في المائة على أساس سنوي، مسجلاً بذلك الربع الخامس على التوالي من التوسع، بعد تعديل انكماش الربع السابق إلى نمو.

ومع ذلك، يحذّر المحللون من أن حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، التي تُغذّيها الرسوم الجمركية الأميركية، قد تُلقي بظلالها على رابع أكبر اقتصاد في العالم في الأشهر المقبلة، لا سيما مع مُكافحة شركات صناعة السيارات للحفاظ على انخفاض الأسعار للعملاء الأميركيين.

وقال تاكومي تسونودا، كبير الاقتصاديين في معهد «شينكين للأبحاث»: «لقد أخفت بيانات أبريل (نيسان) وحتى يونيو (حزيران) التأثير الحقيقي لرسوم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجمركية». وأضاف: «كانت الصادرات قوية بفضل أحجام شحنات السيارات القوية والطلب في اللحظات الأخيرة من مُصنّعي التكنولوجيا الآسيويين قبل فرض بعض الرسوم الجمركية القطاعية. لكن هذه الطلبات غير مُستدامة على الإطلاق».

مرونة مفاجئة

وقد أسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي مرونة مُفاجئة للصادرات والإنفاق الرأسمالي، مُقارنةً بمتوسط توقعات السوق التي كانت تُشير إلى زيادة بنسبة 0.4 في المائة في استطلاع أجرته «رويترز». وجاء ذلك عقب ارتفاع بنسبة 0.6 في المائة في الربع السابق، والذي عُدِّل بالزيادة من انكماش بنسبة 0.2 في المائة.

وتُترجم هذه القراءة إلى ارتفاع ربع سنوي بنسبة 0.3 في المائة، وهو أفضل من متوسط التقديرات التي كانت تُشير إلى زيادة بنسبة 0.1 في المائة. وتتناقض هذه البيانات القوية مع الصين، التي شهدت انخفاض نمو إنتاج المصانع إلى أدنى مستوى له في ثمانية أشهر، وتباطؤاً حاداً في مبيعات التجزئة في يوليو (تموز).

عوامل دعم

وارتفع الاستهلاك الخاص، الذي يمثل أكثر من نصف الناتج الاقتصادي الياباني، بنسبة 0.2 في المائة، مقارنةً بتقديرات السوق البالغة 0.1 في المائة. وقد نما بوتيرة الربع السابق نفسها.

وتُعدّ اتجاهات الاستهلاك والأجور عوامل يراقبها بنك اليابان لقياس قوة الاقتصاد وتحديد توقيت تحركه التالي بشأن سعر الفائدة.

وارتفع الإنفاق الرأسمالي، وهو محرك رئيسي للطلب المحلي، بنسبة 1.3 في المائة في الربع الثاني، مقابل ارتفاع بنسبة 0.5 في المائة في استطلاع «رويترز».

وساهم صافي الطلب الخارجي، أو الصادرات مطروحاً منها الواردات، بنسبة 0.3 نقطة مئوية في النمو، مقابل مساهمة سلبية قدرها 0.8 نقطة مئوية في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار).

وفرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على السيارات وقطع غيار السيارات في أبريل، وهددت بفرض رسوم بنسبة 25 في المائة على معظم الواردات اليابانية الأخرى. وفي يوليو، أبرمت اليابان اتفاقية تجارية خفضت الرسوم الجمركية إلى 15 في المائة مقابل حزمة استثمارية يابانية بقيمة 550 مليار دولار متجهة إلى الولايات المتحدة.

وصرح وزير الاقتصاد الياباني ريوسي أكازاوا في مؤتمر صحافي بأن أحدث نتائج الناتج المحلي الإجمالي تؤكد أن اقتصاد البلاد يتعافى بشكل طفيف. وقال: «بالنظر إلى المستقبل، نتوقع تحسناً في ظروف العمل والدخل، بالإضافة إلى إجراءات سياسية لدعم هذا الانتعاش المتواضع. لكننا في حاجة إلى أن نضع في حساباتنا المخاطر السلبية الناجمة عن السياسات التجارية الأميركية».

وأضاف أكازاوا أن الرسوم الجمركية الأميركية من المرجح أن تدفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان إلى الانخفاض بنسبة 0.3-0.4 في المائة.

وخفضت الحكومة الأسبوع الماضي توقعاتها للنمو المعدل حسب التضخم لهذه السنة المالية إلى 0.7 في المائة من 1.2 في المائة المتوقعة في البداية، متوقعةً أن الرسوم الجمركية الأميركية ستؤدي إلى إبطاء الإنفاق الرأسمالي، بينما يُثقل التضخم المستمر كاهل الاستهلاك. وتجنبت الصادرات حتى الآن تأثراً كبيراً بالرسوم الجمركية الأميركية، حيث استوعبت شركات صناعة السيارات اليابانية، أكبر مُصدّر في البلاد، تكاليف الرسوم الجمركية الإضافية من خلال خفض الأسعار في محاولة -للحفاظ على استمرارية تشغيل مصانعها المحلية.

مخاوف مستقبلية

وتدعم المرونة الاقتصادية، إلى جانب اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة واليابان التي أُبرمت الشهر الماضي، التوقعات بأن بنك اليابان قد يرفع سعر الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.

ومع ذلك، يتوقع الاقتصاديون أن تعاني الصادرات في الأشهر المقبلة مع بدء تحميل التكاليف على العملاء الأميركيين.

وقال شينيتشيرو كوباياشي، كبير الاقتصاديين في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه» للأبحاث والاستشارات: «من المحتمل أن ينزلق الاقتصاد إلى الركود في الربع المالي الممتد من يوليو إلى سبتمبر (أيلول) مع تباطؤ الصادرات».

وأضاف: «لكي ينتعش الاقتصاد بالكامل، فإن الاستهلاك الخاص هو العامل الحاسم. وقد يتحسن الاستهلاك مع نهاية العام مع تباطؤ التضخم تدريجياً وتعافي المعنويات».

«نيكي» لمستوى قياسي جديد

وفي الأسواق، أغلق مؤشر نيكي الياباني عند أعلى مستوى له على الإطلاق، الجمعة، مع ضعف الين وبيانات أظهرت مرونةً مفاجئة للاقتصاد الوطني.

وتسارعت وتيرة مكاسب مؤشر نيكي في جلسة ما بعد الظهر، مرتفعاً بنسبة 1.7 في المائة ليغلق عند مستوى قياسي بلغ 43.378.31 نقطة. وكان قد لامس أعلى مستوى قياسي له خلال اليوم عند 43.451.46 نقطة في وقت سابق من الأسبوع. وقفز مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 1.6 في المائة ليصل إلى 3,107.68 نقطة، وهو أيضاً مستوى إغلاق قياسي.

وقدم انخفاض الين خلال الليل دعماً لأسهم المصدرين، بينما أظهرت البيانات أن الاقتصاد الياباني نما بمعدل يفوق التوقعات. وصرح واتارو أكياما، الخبير الاستراتيجي في شركة «نومورا» للأوراق المالية، بأن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وتصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الخميس بأن بنك اليابان من المرجح أن يرفع أسعار الفائدة كانت عوامل وراء ارتفاع أسهم القطاع المالي.

وأضاف: «إن التوقعات بتحسن الأداء نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة المحلية تُمثل دافعاً قوياً؛ ما أدى إلى زيادات كبيرة نسبياً في أسهم البنوك وشركات التأمين اليوم».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا في مؤتمر صحافي بمقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

«بنك اليابان» يدعو لتوخي الحذر من تداعيات حرب إيران

دعا محافظ «بنك اليابان» إلى توخي الحذر من تداعيات تصاعد الصراع في الشرق الأوسط رغم أن التطورات الاقتصادية والأسعار تسير بشكل عام بما يتماشى مع توقعات البنك

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وزوجته بيغونا غوميز لدى استقبالهما في إحدى الجامعات الصينية بالعاصمة بكين الاثنين (أ.ف.ب)

رئيس الوزراء الإسباني: الاختلال التجاري بين الصين وأوروبا «غير مستدام»

وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الاثنين اختلال التوازن التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي بأنه «غير مستدام»

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ناقلة غاز طبيعي مسال في ميناء كاوازاكي الياباني (أ.ف.ب)

مخاوف يابانية من «أزمة طاقة صيفية» مع اضطرابات الإمدادات

حذَّر محلل في مركز أبحاث رائد في مجال الطاقة، يوم الاثنين، من أن اليابان قد تواجه أزمة في إمدادات الطاقة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد موظف يعدُّ أوراق الروبية الباكستانية داخل أحد البنوك في بيشاور (رويترز)

«فيتش» تثبِّت تصنيف باكستان عند «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، يوم الاثنين، تصنيف باكستان بالعملة الأجنبية عند مستوى «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد )

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.