ترمب يعلن بنود الاتفاق مع الصين... المعادن مقابل الطلاب

بكين دعت إلى بناء توافق مع واشنطن بعد محادثات تجارية «صريحة»

ترمب يلوّح بيده بعد خطاب في فورت براغ بكارولاينا الشمالية (أ.ب)
ترمب يلوّح بيده بعد خطاب في فورت براغ بكارولاينا الشمالية (أ.ب)
TT

ترمب يعلن بنود الاتفاق مع الصين... المعادن مقابل الطلاب

ترمب يلوّح بيده بعد خطاب في فورت براغ بكارولاينا الشمالية (أ.ب)
ترمب يلوّح بيده بعد خطاب في فورت براغ بكارولاينا الشمالية (أ.ب)

في تطور لافت ضمن مسار العلاقات المعقدة بين الولايات المتحدة والصين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى اتفاق جديد مع بكين، يقضي بتزويد بلاده بالمعادن الأرضية النادرة مقابل تسهيل دخول الطلاب الصينيين إلى الجامعات الأميركية.

يأتي هذا الإعلان في وقت تشهد العلاقات التجارية بين القوتين العظميين حالة من الشد والجذب منذ سنوات، وسط تنافس متصاعد يمتد من ميادين الاقتصاد إلى مجالات الأمن القومي والتكنولوجيا.

وكتب ترمب في منشور له على منصة «تروث سوشيال»: «سنحصل على رسوم جمركية إجمالية بنسبة 55 في المائة، والصين ستحصل على 10 في المائة. العلاقة ممتازة!»، مضيفاً أن الاتفاق ما زال بانتظار الموافقة النهائية من كلا الطرفين على مستوى الرئاسة.

وفي منشور آخر، قال ترمب إنه سيعمل مع الرئيس الصيني شي جيبينغ بشكل وثيق لفتح الصين أمام التجارة الأميركية، معتبراً أن هذا «مكسب كبير لكلا البلدين».

ومن الجانب الآخر، نقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ قوله إنه يتعين على الصين والولايات المتحدة تعزيز التوافق والحفاظ على التواصل، وذلك بعد أن اتفق البلدان على إعادة هدنة تجارية حساسة إلى مسارها الصحيح.

نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ يغادر لانكستر هاوس (رويترز)

واختتم مسؤولون أميركيون وصينيون، بمن فيهم هي، يومين من المفاوضات في لندن يوم الثلاثاء لحل القضايا التجارية الرئيسية في حرب الرسوم الجمركية الشرسة بين القوتين العظميين، بما في ذلك مجموعة من إجراءات مراقبة الصادرات التي أعاقت سلسلة التوريد العالمية.

ونقلت وكالة «شينخوا» عن هي قوله إنه يتعين على الجانبين استخدام آلية التشاور الخاصة بهما لمواصلة «بناء التوافق، وتقليل سوء الفهم، وتعزيز التعاون»، واصفاً المحادثات بأنها صريحة ومعمقة.

وقال هي إنه يتعيّن على الصين والولايات المتحدة الحفاظ على النتيجة التي تحققت بشق الأنفس من حوارهما، والسعي نحو علاقات تجارية واقتصادية ثنائية مستقرة وطويلة الأمد. وأضاف أن موقف الصين من القضايا التجارية مع الولايات المتحدة واضح ومتسق، مؤكداً أن الصين صادقة في مشاوراتها التجارية والاقتصادية، لكن لديها مبادئها.

وعُقدت محادثات لندن بعد مكالمة هاتفية نادرة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الخميس. وقال وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك، الذي مثَّل الولايات المتحدة في لندن، إن الاتفاقية الجديدة سترفع القيود المفروضة على صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة، وبعض قيود التصدير الأميركية الأخيرة «بشكل متوازن»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وأضاف لوتنيك أن فريقي التفاوض سيعرضان إطار العمل على رئيسيهما للموافقة عليه. ولطالما شكّلت المعادن الأرضية النادرة واحدة من أهم أوراق الضغط الصينية في صراعها التجاري مع الولايات المتحدة. إذ تُسيطر الصين على ما يقرب من 60 إلى 70 في المائة من إنتاج وتكرير هذه المعادن على المستوى العالمي، والتي تُستخدم في تصنيع مجموعة واسعة من المنتجات التقنية والحيوية، مثل الهواتف الذكية، والمحركات الكهربائية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، وأشباه الموصلات.

ومع تصاعد القيود الأميركية على صادرات التكنولوجيا إلى الصين، لا سيما في قطاع الرقائق وأشباه الموصلات، لجأت بكين إلى التلويح بتقييد صادرات المعادن النادرة بوصفها أداة موازنة، نظراً لاعتماد الصناعات الأميركية بشكل كبير على هذه الموارد. لكن الاتفاق الجديد يعكس تحوّلاً في مسار هذه الورقة التفاوضية؛ إذ قد تقبل الصين بتصدير المعادن مقابل الحصول على امتياز أكاديمي مهم يتمثل في السماح لطلابها بمواصلة دراساتهم في الجامعات الأميركية، وهو ما يُمثل مصلحة استراتيجية لبكين في إعداد كوادرها المستقبلية، من خلال مؤسسات التعليم الغربية المرموقة.

سيارات وحاويات صينية الصنع قبل تحميلها على السفن في ميناء شنغهاي (أ.ف.ب)

ومن الناحية الاقتصادية، يمنح الاتفاق الأسواق جرعة من التفاؤل المؤقت وسط حالة عدم اليقين التي تُحيط بالمحادثات التجارية بين الجانبين. ففي حال تم تنفيذ الاتفاق كما أُعلن، فإنه قد يُسهم في تهدئة مخاوف المستثمرين حيال نقص محتمل في إمدادات المعادن النادرة التي تُعد ضرورية لعدة قطاعات صناعية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.

كما أن فتح الباب أمام الطلاب الصينيين للدراسة في أميركا يضمن استمرار تدفق مليارات الدولارات إلى الجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الرسوم الدراسية الدولية، خاصة من الصين، التي تُعد أكبر مصدر للطلاب الأجانب في الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد من الزمان.

ويُعزز هذا الاتفاق أيضاً فرص التعاون الأكاديمي والبحثي بين البلدين في مجالات حساسة، مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والهندسة المتقدمة، وهي مجالات يسعى كل طرف إلى تحقيق تفوق استراتيجي على الآخر.

ورغم أن الاتفاق يتخذ طابعاً تجارياً ظاهرياً، فإن أبعاده الاستراتيجية أعمق من ذلك بكثير. فمن جانب، يحاول ترمب تحقيق إنجاز دبلوماسي واقتصادي ملموس، وتصوير الاتفاق نجاحاً شخصياً في إدارة التوازن مع الصين، من دون اللجوء إلى مواجهة شاملة.

أما من الجانب الصيني، فإن بكين تدرك أن السماح لطلابها بالدراسة في الجامعات الأميركية هو استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري الذي تحتاج إليه لدفع عجلة الابتكار والنمو الاقتصادي في المستقبل. كما أن استمرار انفتاح القنوات الأكاديمية بين البلدين قد يُخفف من حدة التوترات، ويوفر آلية غير رسمية لبناء جسور تفاهم وسط التصعيد في ملفات أخرى أكثر حساسية، مثل تايوان وأمن سلاسل التوريد التكنولوجية.

ورغم الأثر الإيجابي الأولي للاتفاق على معنويات المستثمرين، فإن الأسواق لا تزال حذرة في تقييم نتائج هذه الهدنة الجزئية. فالتجربة أثبتت أن الاتفاقات الإطارية بين واشنطن وبكين كثيراً ما تواجه عراقيل عند مرحلة التنفيذ. ولا تزال الخلافات قائمة بشأن ملفات معقدة، مثل القيود على شركات التكنولوجيا الصينية، ودعم الصناعات الوطنية، وحماية الملكية الفكرية.

ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن الاتفاق قد يمنح الاقتصاد العالمي فرصة لالتقاط الأنفاس مؤقتاً، لكنه لن يضع حدّاً للصراع التجاري والجيوسياسي الأعمق بين القوتين، فالحرب التجارية الممتدة منذ عام 2018 أدّت بالفعل إلى تعطيل تجارة بمئات المليارات من الدولارات، وأثرت على سلاسل الإمداد العالمية بشكل لا يزال العالم يُحاول التكيف معه حتى اليوم.

وفي المحصّلة، يُمثل الاتفاق الجديد بين ترمب وبكين خطوة إيجابية، لكنها محفوفة بالتحديات. نجاحه يعتمد بدرجة كبيرة على حسن النية في التنفيذ، وقدرة الجانبين على تجاوز العقبات السياسية الداخلية والخارجية. وإذا ما تمكَّنت واشنطن وبكين من ترجمة هذا الاتفاق إلى خطوات عملية ومستدامة، فقد يُشكل نقطة انعطاف في مسار التوترات التجارية العالمية. لكن مع استمرار التنافس الاستراتيجي في مجالات التكنولوجيا والطاقة والأمن القومي، تبقى الكثير من الملفات الساخنة على طاولة التفاوض، ما يجعل من الضروري مراقبة التطورات المقبلة بعناية فائقة من قبل المستثمرين وصناع القرار على حد سواء.


مقالات ذات صلة

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

الاقتصاد نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
خاص ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)

خاص بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

عشية انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار «روح الحوار»، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للتلويح بالرسوم، مستهدفاً هذه المرّة حلفاءه الأطلسيين.

نجلاء حبريري (دافوس)
الاقتصاد صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب والمحافظة ليزا كوك (أ.ف.ب)

المحكمة العليا الأميركية تفصل في أحقية ترمب إقالة ليزا كوك

تبدأ المرافعات الشفهية في قضية دونالد ترمب ضد محافظة «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، لترسم معالم الصراع بين السلطة التنفيذية واستقلالية القرار النقدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يشير إلى قائمة تكاليف تأهيل مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء حديثه مع باول خلال تفقده الأعمال في يوليو (رويترز)

صراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران

لم تعد المعركة بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول تقتصر على التصريحات، بل تحولت إلى مواجهة قضائية مفتوحة تهدد أسس الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد «إنفيديا» كانت تتوقع أكثر ‌من مليون طلب من العملاء الصينيين قبل تعليق الإنتاج (رويترز)

موردو «إنفيديا» يعلقون الإنتاج بسبب قيود صينية على رقائق «إتش 200»

ذكرت صحيفة «فايننشيال تايمز» أن موردي مدخلات رقائق «إتش 200» التي تنتجها «إنفيديا» علقوا الإنتاج ​بعد أن منعت الصين دخولها البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب يهدد جمركياً... والأسهم الأوروبية تسجل انخفاضاً حاداً

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
TT

ترمب يهدد جمركياً... والأسهم الأوروبية تسجل انخفاضاً حاداً

مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)
مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرنكفورت (رويترز)

شهدت الأسهم الأوروبية انخفاضاً حاداً، يوم الاثنين، بعد أن هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية حتى يُسمح للولايات المتحدة بشراء غرينلاند، ما أعاد التوترات التجارية إلى الواجهة، وأثار الشكوك حول الاتفاقيات التجارية السابقة.

وانخفض مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 1.3 في المائة، في بداية أسبوع متقلب، يتخلله إعلانات الأرباح والمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، الذي يخضع للمتابعة من كثب بحثاً عن مؤشرات بشأن الرسوم الجمركية والتوقعات الجيوسياسية، وفق «رويترز».

كما تراجعت المؤشرات الوطنية، بشكل ملحوظ، حيث هبط مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 1.8 في المائة، ومؤشر «داكس» الألماني بنسبة 1.4 في المائة، ومؤشر «فوتسي 100» البريطاني بنسبة 0.4 في المائة.

كان ترمب قد أعلن أنه سيفرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 10 في المائة، ابتداءً من 1 فبراير (شباط) المقبل، على البضائع القادمة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا، على أن ترتفع النسبة إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) المقبل، حال عدم التوصل إلى اتفاق.

وأثارت هذه التهديدات ردود فعل قوية في أوروبا، حيث يبحث المسؤولون عن سُبل لردع هذه الخطوة، مع التحضير لتدابير مضادة محتملة.

وتعكس تحركات السوق مدى جدية هذه التهديدات، إذ يستخدمها الرئيس الأميركي أداة سياسية، حتى تجاه الدول التي أبرمت، بالفعل، اتفاقيات تجارية مع واشنطن.

وقال خبراء اقتصاديون في بنك «آي إن جي»، في مذكرة: «باتت مبررات رفع التعريفات الجمركية، الآن، ذات طابع سياسي أكثر منها اقتصادياً، مقارنةً بالنصف الأول من عام 2025».


من «البيت السعودي» بدافوس... غورغييفا تشيد بإصرار المملكة على التنويع

جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
TT

من «البيت السعودي» بدافوس... غورغييفا تشيد بإصرار المملكة على التنويع

جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)
جلسة خاصة بالسعودية في «البيت السعودي» (الشرق الأوسط)

شهد جناح «البيت السعودي (Saudi House)»، المُقام على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2026، إشادة دولية واسعة بمسار التحول الوطني، حيث نوهت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، بـ«عنصر الإصرار» السعودي في تحقيق الإصلاح الهيكلي، مؤكدة أن تنويع الاقتصاد بات حقيقة ملموسة تشمل جميع القطاعات. في هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استدامة هذا النجاح واستمراريته مرهونتان بتبنّي نهج «البراغماتية»، وبناء مصداقية صلبة في الأسواق العالمية.

الجدعان والانضباط المؤسسي

وأكد وزير المالية محمد الجدعان أن الاستمرارية في مسيرة التحول الوطني مرهونة بتبنّي نهج «البراغماتية»، وبناء مصداقية صلبة ومستدامة في الأسواق العالمية. وشدد على أن التجربة السعودية أثبتت أن الإصلاح الناجع هو الذي يتحول إلى عمل مؤسسي مستدام «لا يعتمد على أشخاص»، مشيراً إلى أن قوة الاقتصاد تكمن في تحويل الاستراتيجيات إلى ممارسات يومية تعكس جدية الدولة في الالتزام بمستهدفات «رؤية 2030». وأوضح أن هذا الانضباط المؤسسي هو ما يمنح المستثمرين والأسواق الدولية الثقة المطلوبة للاستثمار طويل الأمد في المملكة.

وأشار وزير المالية إلى أن النجاح الحقيقي يتمثل في قدرة المملكة على عكس ممارسات إصلاحية جادة على أرض الواقع، مما يسهم في تعزيز المصداقية الدولية. وعَدَّ أن بناء هذه المصداقية، جنباً إلى جنب مع السياسات المالية البراغماتية، هو ما يضمن استدامة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، ويؤمِّن صمود الاقتصاد السعودي أمام التحديات العالمية المتغيرة.

وخلص الجدعان إلى أن وضوح السياسات المالية والنتائج المستهدفة، والمتابعة الدقيقة للمؤشرات، عززت قدرة الحكومة على إدارة التحول بكفاءة عالية، مؤكداً أن الاستدامة المالية تظل الركيزة الأساسية التي تنطلق منها كل مشروعات التنمية والتنويع الاقتصادي التي تشهدها المملكة اليوم.

الإبراهيم: التحول يتطلب مرونة مؤسسية

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، أن ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة تتطلب وضوحاً في الرؤية وقدرة مؤسسية فائقة على التكيف وسرعة تعديل المسار. وشدد على أن «التحول المستدام لا يتحقق دون تعامل واعٍ مع المخاطر»، مشيراً إلى أن الإصلاح يجب أن يكون «مستداماً ومؤسسياً ولا يعتمد على أفراد» لكي يضمن الاستمرارية والنجاعة على المدى الطويل.

وأوضح الإبراهيم أن تجربة «رؤية 2030» صقلت قدرات الفريق الحكومي في التخطيط والتنفيذ، لافتاً إلى أن التخطيط في المملكة ليس عملية جامدة، بل هو مسار مستمر يستند إلى قراءة المؤشرات وتغيير الاتجاه عند الحاجة. وأضاف: «إن الانتقال من الرؤية إلى النتائج الفعلية ينطوي على مخاطر تحولية يجب إدارتها بوعي وإصرار وانضباط، مع الحفاظ على شفافية التواصل لتعزيز ثقة الأسواق».

في سياق متصل، أشار وزير الاستثمار المهندس خالد الفالح إلى أن المملكة نجحت في تقديم «صيغة جاذبة» استطاعت من خلالها استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية على حد سواء. وعدَّ الفالح أن بناء المصداقية والالتزام بالممارسات العالمية الجادة هما الضمان الأساسي لاستدامة تدفق الاستثمارات، مما يعزز مكانة المملكة وجهة استثمارية رائدة ضمن اقتصاد عالمي متغير.

غورغييفا: السعودية تقدم نموذجاً عالمياً في الإصلاح

من جانبها، أعربت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، عن تقديرها البالغ لمسيرة الإصلاح السعودي، منوهةً بـ«عنصر الإصرار» الذي ميَّز التجربة السعودية. وقالت غورغييفا إن المملكة اتخذت قراراً استراتيجياً بالاهتمام بالإصلاحات الهيكلية وتقديم تجربتها لتتشاركها مع العالم، مؤكدة أن «التنويع الاقتصادي في السعودية بات واقعاً ملموساً ينطبق، اليوم، على جميع القطاعات» دون استثناء.


«ستاندرد آند بورز»: شركات النفط الخليجية تضخ 125 مليار دولار سنوياً رغم تقلبات الأسعار

شعار «أرامكو» (رويترز)
شعار «أرامكو» (رويترز)
TT

«ستاندرد آند بورز»: شركات النفط الخليجية تضخ 125 مليار دولار سنوياً رغم تقلبات الأسعار

شعار «أرامكو» (رويترز)
شعار «أرامكو» (رويترز)

تتوقع وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية أن تحافظ شركات النفط في دول مجلس التعاون الخليجي على استثماراتها القوية، وأن يرتفع إنفاقها الرأسمالي إلى ما بين 115 و125 مليار دولار سنوياً خلال الفترة من 2025 إلى 2027. ويأتي هذا الارتفاع، الذي يتجاوز مستويات عام 2024 البالغة 110-115 مليار دولار، مدفوعاً بصيانة القدرة الإنتاجية في السعودية وخطط توسع في قطر والإمارات.

ثبات في الإنفاق رغم تقلبات الأسواق

وأوضح التقرير، الذي جاء بعنوان «آفاق الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2026»، أن شركات المنطقة ستواصل الإنفاق المرتفع حتى في ظل بقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة معتدلة. وعلى الرغم من توقعات بتباطؤ «معدل نمو» هذا الإنفاق مقارنة بالسنوات السابقة بسبب قرب دخول مشروعات ضخمة حيز التشغيل، فإن التوجه الخليجي يظل متفرداً؛ إذ يتناقض مع الاستقرار أو التراجع المتوقع في الإنفاق الرأسمالي للشركات العالمية المنافسة خلال عام 2026.

«أرامكو»: ريادة في الغاز

برزت «أرامكو السعودية» في التقرير كلاعب رئيسي يحرك دفة الاستثمارات الإقليمية، حيث تضع تطوير حقول الغاز الكبرى في صدارة أولوياتها المحلية لتعزيز القدرات الوطنية، وعلى رأسها حقل «الجافورة»، وتوسعة محطتي «تناجيب» و«الفاضلي».

ولم يقتصر نشاط أرامكو على الداخل، بل عززت حضورها الدولي في قطاع الغاز الطبيعي المسال عبر الاستحواذ على حصة أقلية في شركة «ميد أوشن»، مما يمنحها موطئ قدم في أصول استراتيجية بأستراليا وبيرو.

ريادة في تكامل العمليات وأمن الإمدادات

كما أثبتت الشركة ريادتها في «تكامل العمليات»؛ إذ تستهلك أنشطة التكرير والتسويق لديها أكثر من 50 في المائة من إجمالي إنتاجها من النفط الخام، وهي نسبة وصلت إلى 53 في المائة بنهاية عام 2024. ويهدف هذا التوجه إلى تأمين منافذ موثوقة للقيم وزيادة الكفاءة التشغيلية على طول سلسلة القيمة.

شراكات الطاقة المتجددة والاستدامة

إلى جانب الوقود الأحفوري، تضطلع «أرامكو» بدور محوري في تحقيق أجندة الاستدامة الوطنية من خلال شركة «أرامكو السعودية للطاقة» (SAPCO)، المملوكة لها بالكامل، والتي تأسست لدمج استثمارات الشركة في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة. وتستثمر «سابكو» بشكل فعال في برامج الطاقة المتجددة التابعة لصندوق الاستثمارات العامة وشركة «أكوا باور». كما تدخل «أرامكو» في شراكات استراتيجية كبرى، مثل مشروع «شركة جازان للمنافع» المشترك مع «أكوا باور» وشركة «إير برودكتس قدراً».

إقليمياً، أشار التقرير إلى سباق التوسع؛ حيث تسعى «أدنوك» الإماراتية للوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027، مع توسع دولي في موزمبيق وأذربيجان. وفي الوقت نفسه، تواصل قطر ترسيخ مكانتها كلاعب عالمي في الغاز المسال عبر توسعة حقل الشمال، بينما تمد «قطر للطاقة» أذرعها في أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وتتوقع «ستاندرد آند بورز» أن يتراوح متوسط ​​إنفاق شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي بين 115 و125 مليار دولار سنوياً خلال الفترة من 2025 إلى 2027 من 110 -115 مليار دولار في 2024 مع إمكانية زيادة الإنفاق إذا تجاوزت خطط توسيع الطاقة الإنتاجية التوقعات الحالية. وهذا يشير إلى زيادة مستمرة في وتيرة الاستثمارات الإقليمية، وهو ما يتناقض مع التوجُّه العالمي لشركات النفط الدولية التي يُتوقع أن يشهد إنفاقها استقراراً أو تراجعاً في عام 2026.

مرونة مالية وتصنيفات ائتمانية مستقرة

أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن التصنيفات الائتمانية لغالبية شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي ستظل «مرنة ومستقرة»، حتى في حال انخفاض أسعار النفط بشكل معتدل وتراجع التدفقات النقدية. وتستند هذه الرؤية الإيجابية إلى تمتع هذه الشركات بميزانيات عمومية قوية، ومستويات ديون منخفضة تاريخياً، بالإضافة إلى هوامش أمان مالية تتيح لها استيعاب تكاليف الاستثمارات الرأسمالية الضخمة دون المساس بجودتها الائتمانية.

وفي هذا السياق، صرحت روان عويدات، محللة الائتمان في «ستاندرد آند بورز»: «حتى مع انخفاض أسعار النفط بشكل طفيف، نتوقع أن تحافظ معظم شركات النفط الوطنية على تصنيفاتها الائتمانية القوية، مدعومة بنمو مطرد في الطلب العالمي».