بسبب حرب ترمب التجارية... مجلس «الفيدرالي» منقسم حول مستقبل الفائدة

رئيس الاحتياطي الفيدرالي يتحدث خلال مؤتمر بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس قسم التمويل الدولي بمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي يتحدث خلال مؤتمر بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس قسم التمويل الدولي بمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

بسبب حرب ترمب التجارية... مجلس «الفيدرالي» منقسم حول مستقبل الفائدة

رئيس الاحتياطي الفيدرالي يتحدث خلال مؤتمر بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس قسم التمويل الدولي بمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي يتحدث خلال مؤتمر بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس قسم التمويل الدولي بمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (أ.ف.ب)

يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي انقساماً داخلياً حول مسار أسعار الفائدة، حيث تتأرجح الآراء بين الإبقاء على المعدلات الحالية لفترة أطول، أو الاستعداد لخفضها في وقت لاحق من هذا العام.

يأتي هذا الانقسام مع سعي المسؤولين لتحديد ما إذا كان أي تضخم ناتج عن الرسوم الجمركية التي يفرضها الرئيس ترمب سيثبت أنه طويل الأجل أم عابر.

تباين في الرؤى

يُجادل بعض صانعي السياسات بضرورة «تجاوز» تأثير الرسوم الجمركية واعتباره مؤقتاً، وهو موقف من شأنه أن يفتح الباب أمام خفض محتمل لأسعار الفائدة. ومع ذلك، يعتقد العديد من أعضاء لجنة تحديد أسعار الفائدة أن هناك خطراً من أن يصبح التضخم الناجم عن الرسوم الجمركية أكثر استمرارية، وفق «ياهو فاينانس».

ويقف محافظ الاحتياطي الفيدرالي كريس والر بقوة في المعسكر الأول. ففي خطاب ألقاه في سيول بكوريا الجنوبية، أكد والر على اعتقاده بأن أي تضخم ناجم عن الرسوم الجمركية لن يكون مستمراً، وأن توقعات التضخم مستقرة. وقال: «بناءً على اعتقادي بأن أي تضخم ناتج عن الرسوم الجمركية لن يكون مستمراً وأن توقعات التضخم مستقرة، فإنني أدعم تجاهل أي تأثيرات للرسوم الجمركية على التضخم في المدى القريب عند تحديد سعر الفائدة».

محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر يلقي كلمة رئيسة خلال مؤتمر دولي في بنك كوريا في سيول (إ.ب.أ)

يتوافق هذا الرأي مع وجهة نظر البيت الأبيض أن أي زيادات في الأسعار ستكون عابرة. وقد دعا ترمب نفسه مراراً الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه جيروم باول إلى خفض أسعار الفائدة.

وشدد والر على أن سوق العمل القوي والتقدم المحرز في احتواء التضخم حتى أبريل (نيسان) يوفران وقتاً إضافياً لمعرفة كيفية تطور المفاوضات التجارية والاقتصاد. ومع ذلك، يرى سيناريو يدعم فيه خفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام إذا استمر التضخم في إحراز تقدم نحو هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة، وظل سوق العمل قوياً، واستقر معدل الرسوم الجمركية الفعلي بالقرب من توقعاته الجديدة البالغة 15 في المائة.

من جانبه، ذكر رئيس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي يوم الاثنين أن حالة عدم اليقين حول الرسوم الجمركية تخلق ما وصفه بـ«الضباب»، لكنه لا يزال يعتقد أن «المسار الأساسي» هو نحو أسعار فائدة أقل. وأضاف: «إذا تمكنا من تجاوز هذه الفترة المضطربة، فإن التفويض المزدوج لا يزال يبدو جيداً جداً بالنسبة لي».

رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستن غولسبي يتحدث في القمة الاقتصادية لمعهد ستانفورد في كاليفورنيا (رويترز)

دعوات للحفاظ على أسعار الفائدة

في المقابل، كان أعضاء آخرون في الاحتياطي الفيدرالي، بمن في ذلك رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري ورئيسة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس لوري لوغان، أكثر صراحة بشأن الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة.

قال كاشكاري الأسبوع الماضي إنه يعتقد أن المحادثات التجارية قد تستغرق شهوراً أو سنوات لحلها، وأن زيادات الرسوم الجمركية قد تحدث بشكل متبادل مع رد فعل الشركاء التجاريين على بعضهم البعض. ولذلك، يريد الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة «حتى تتضح الرؤية بشكل أكبر بشأن مسار الرسوم الجمركية، وتأثيرها على الأسعار». وأضاف: «أجد هذه الحجج أكثر إقناعاً نظراً للأهمية القصوى التي أوليها للدفاع عن توقعات التضخم على المدى الطويل».

الرئيس التنفيذي لبنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري في مقابلة مع «رويترز» (رويترز)

وأرسلت لوغان من جهتها رسالة قوية وغير مباشرة الأسبوع الماضي حول الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة في مواجهة دعوات ترمب لخفضها. وقالت إن أسعار الفائدة في «مكان جيد» الآن، وقد يستغرق الأمر «بعض الوقت لمعرفة ما إذا كان توازن المخاطر يتحول في اتجاه أو آخر». وأضافت أن تأثيرات تغييرات أسعار الفائدة تستغرق وقتاً لتظهر، ولتحقيق التوازن الصحيح، يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى التفكير في اتجاه الاقتصاد، وليس فقط وضعه الحالي.

وأوضحت لوغان: «على المدى القصير، يمكن للبنك المركزي دائماً تعزيز التوظيف عن طريق خفض أسعار الفائدة. قد يستمتع الناس بذلك لفترة قصيرة. لكن بمرور الوقت، فإن الخفض المفرط لأسعار الفائدة سيؤدي إلى دوامة من التضخم». وكررت يوم الاثنين في دالاس أن هناك مخاطر على جانبي تفويض الاحتياطي الفيدرالي لاستقرار الأسعار، والتوظيف الكامل، وأن «السياسة النقدية في وضع جيد حقاً لكي ننتظر، ونكون صبورين، ونراقب البيانات، مع العلم أنه إذا تغيرت المخاطر بشكل جوهري على أي من الجانبين، فإننا في وضع جيد للتحرك».

رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في دالاس لوري لوغان تتحدث في مؤتمر للجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال في دالاس (رويترز)

مخاوف من استمرار التضخم

وفقاً لمحاضر اجتماع السياسة النقدية الأخير للبنك المركزي في مايو، والتي صدرت الأسبوع الماضي، اعتقد بعض المسؤولين أن الرسوم الجمركية على السلع الوسيطة –الأجزاء المستخدمة في صناعة المنتجات، مثل الصلب أو الألمنيوم– يمكن أن تساهم في زيادة أكثر استمرارية في التضخم. وقد أعلن ترمب يوم الجمعة أنه سيضاعف الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم إلى 50 في المائة من 25 في المائة.

اعتقد عدد قليل من المسؤولين في الاجتماع الأخير أن اضطرابات سلسلة التوريد الناجمة عن الرسوم الجمركية يمكن أن تكون لها أيضاً تأثيرات طويلة الأمد على التضخم، فهي تذكرنا بمثل هذه التأثيرات خلال الجائحة. ومع ذلك، قال العديد من المسؤولين إن عدداً من العوامل يمكن أن تعوض الارتفاع واستمرارية التضخم، بما في ذلك التخفيضات في زيادات الرسوم الجمركية من خلال المفاوضات التجارية، وانخفاض رغبة المستهلكين في زيادة الأسعار، واحتمال ضعف الاقتصاد، أو إذا سعت الشركات إلى زيادة حصتها في السوق بدلاً من رفع الأسعار.

قال والر يوم الأحد إنه يتوقع أن تكون تأثيرات التضخم مؤقتة، وأكثر وضوحاً في النصف الثاني من عام 2025. وأشار إلى أن ذلك سيعتمد على الحجم النهائي للزيادة، وعلى كيفية استجابة المصدرين والمستوردين. ويعتقد والر أن أي تضخم ناجم عن الرسوم الجمركية سيثبت أنه عابر، لأنه لا يوجد نقص في العمال كما كان الحال خلال الجائحة، ولا يوجد مؤشر حالياً على أن الرسوم الجمركية تسبب اضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد، ولا توجد حزمة تحفيز حكومية ضخمة كما كانت خلال جائحة كوفيد-19.

ولاحظ أنه كان هناك القليل جداً من الأدلة على تأثيرات السياسات التجارية على التضخم، أو الاقتصاد حتى أبريل، لكن ذلك قد يتغير في الأسابيع المقبلة. واختتم والر قائلاً: «حتى اليوم، أرى مخاطر سلبية على النشاط الاقتصادي، والتوظيف، ومخاطر صعودية على التضخم في النصف الثاني من عام 2025، ولكن كيفية تطور هذه المخاطر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكيفية تطور السياسة التجارية».


مقالات ذات صلة

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

الاقتصاد عامل يدهن الجدران الخارجية لمبنى يعرض وظائف لدى فريق «لوس أنجليس دودجرز» وسط مدينة لوس أنجليس (رويترز)

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

أظهرت بيانات صادرة عن شركة «إيه دي بي»، المختصة في إدارة الرواتب، الأربعاء، أن نمو التوظيف في القطاع الخاص الأميركي تجاوز التوقعات في مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أساور ذهبية معروضة في متجر مجوهرات في مومباي (رويترز)

الذهب يرتفع لأعلى مستوى في أسبوعين مدعوماً بتصريحات ترمب وتراجع الدولار

ارتفعت أسعار الذهب بشكل طفيف يوم الأربعاء إلى أعلى مستوى لها في نحو أسبوعين، مدعومة بضعف الدولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

خاص الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان أداء الذهب مخالفاً للقواعد الاقتصادية، فقد سجل أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر في 2008.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)

الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

اتجه الدولار نحو تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ يوليو، الثلاثاء، وبرز كأقوى الأصول الآمنة، حيث أدت حرب إيران إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاطر الركود العالمي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد باول يلقي كلمة أمام الطلاب في جامعة هارفارد (أ.ب)

باول: توقعات التضخم «مستقرة» رغم صدمة الطاقة

قال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، يوم الاثنين، إن توقعات التضخم على المدى الطويل تبدو «مستقرة وراسخة» حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.