صندوق النقد الدولي: الاقتصاد البريطاني يبدأ تعافيه رغم التحديات العالمية

حذَّر من «مخاطر كبيرة» على أهداف العجز وحضَّ على الالتزام بالقواعد المتعلقة بالضرائب والإنفاق

ناس يمشون على طول الشارع الرئيسي في كرويدون جنوب لندن (رويترز)
ناس يمشون على طول الشارع الرئيسي في كرويدون جنوب لندن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد البريطاني يبدأ تعافيه رغم التحديات العالمية

ناس يمشون على طول الشارع الرئيسي في كرويدون جنوب لندن (رويترز)
ناس يمشون على طول الشارع الرئيسي في كرويدون جنوب لندن (رويترز)

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو بريطانيا هذا العام، في تقييم دوري لاقتصاد البلاد، وحضّ وزيرة المالية راشيل ريفز على الالتزام بخططها لخفض الاقتراض العام.

ومن المتوقع الآن أن يصل النمو هذا العام إلى 1.2 في المائة، وهو أعلى بقليل من نسبة 1.1 في المائة التي توقعها في أبريل (نيسان)، قبل أن يرتفع إلى 1.4 في المائة في عام 2026، على الرغم من التحديات الناجمة عن الرسوم الجمركية الأميركية التي يُتوقع أن تخفض الناتج السنوي بنسبة 0.3 في المائة.

وقال رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى المملكة المتحدة، لوك إيرود، للصحافيين في لندن: «تعكس هذه التعديلات الأداء القوي للناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول، مما يعكس مرونة الاقتصاد البريطاني على الرغم من البيئة الخارجية المعقدة».

وقال صندوق النقد الدولي إن النمو الأقوى في عام 2026 -وهو نفس ما توقعه في أبريل- يعكس احتمال انخفاض أسعار فائدة بنك إنجلترا، وارتفاع أسعار الأصول والعقارات، وزيادة الاستهلاك، بالإضافة إلى زيادة الإنفاق العام التي أعلنتها ريفز في موازنتها لشهر أكتوبر (تشرين الأول).

ويتوقع الصندوق أن يخفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية مرة كل 3 أشهر حتى تصل إلى مستوى يقارب 3 في المائة، بانخفاض عن 4.25 في المائة حالياً، وفقاً لإيرود.

ورحبت ريفز برفع توقعات النمو، مؤكدة أن نمو بريطانيا في الربع الأول من هذا العام كان الأسرع بين أكبر 7 دول غنية في العالم.

ومع ذلك، حذَّر صندوق النقد الدولي من أنه لا مجال لوزيرة المالية للانحراف عن أهدافها في موازنة الإنفاق اليومي مع الإيرادات الضريبية بحلول عامي 2029 و2030، والتي أصبحت أكثر صعوبة بسبب ارتفاع الاقتراض العالمي الذي أثَّر سلباً على بريطانيا.

وقال إيرود: «نعتقد أنه من المهم للغاية، في هذا السياق، أن تواصل السلطات السير على النهج نفسه، وتلتزم بهدفها المتمثل في خفض العجز المالي تدريجياً على المدى المتوسط، كما هو مُحدد في موازنة أكتوبر».

وأضاف صندوق النقد الدولي أنه يرى «مخاطر كبيرة على نجاح تنفيذ الاستراتيجية المالية، نتيجة لارتفاع مستوى عدم اليقين العالمي، وتقلبات الأسواق المالية، وتحدي احتواء الإنفاق اليومي».

ومن المقرر أن تُحدد ريفز موازنات الإدارات الحكومية المختلفة للسنوات الثلاث المقبلة، في مراجعة للإنفاق يوم 11 يونيو (حزيران)، بعد تحديد الإجمالي في أكتوبر.

وسيتعين عليها أيضاً إيجاد أموال إضافية في الموازنة السنوية في الخريف، بعد أن صرَّح رئيس الوزراء كير ستارمر الأسبوع الماضي بأن الحكومة ستتراجع جزئياً عن قرارها إلغاء دعم الطاقة للمتقاعدين.

واقترح صندوق النقد الدولي أيضاً أن تُقلل هيئة مراقبة الموازنة البريطانية من التركيز على رقم نقدي يُحدد مقدار الحيز المالي المتاح لريفز لتحقيق هدفها، والذي تراقبه الأسواق من كثب، وأن تنشره مرة واحدة فقط سنوياً بدلاً من مرتين.

وقال إيرود: «يجب التقليل من أهمية هذا الرقم. فهذا لا يُترجم إلى حيز مالي فوري قصير الأجل أو نقص في الحيز المالي».

حروف «آي إم إف» خلال مؤتمر صحافي لتقرير الآفاق الاقتصادية لصندوق النقد الدولي في واشنطن (أ.ب)

مخاطر النمو

ورأى صندوق النقد الدولي أنه على المدى الطويل تواجه بريطانيا ضغوطاً مالية متزايدة، تتطلب قرارات صعبة لمعالجة تحديات الإنفاق وإعادة بناء الهوامش المالية، مع توقع ارتفاع الإنفاق الحكومي بنحو 8 في المائة من الناتج المحلي بحلول 2050، بسبب تكاليف الصحة والمعاشات المرتبطة بشيخوخة السكان. ونظراً لمحدودية القدرة على التمويل بالاقتراض، سيكون من الضروري زيادة الإيرادات أو إعادة النظر في أولويات الإنفاق ودور الدولة بما يتناسب مع الموارد المتاحة.

وعدَّ الصندوق أن الإصلاحات الأخيرة للإطار المالي تعمل على تعزيز مصداقيته وفعاليته. وتُتيح قاعدة التوازن المالي الجديدة مساحة أوسع للاستثمار، بينما تضمن قاعدة الدين الحفاظ على الاستدامة المالية. ومن المرجح أن يُسهم اعتماد أفق زمني يمتد لثلاث سنوات، مقروناً بمراجعات دورية للإنفاق، في تعزيز مصداقية الإطار المالي، وتوفير مرونة أكبر للتكيف التدريجي مع الصدمات.

امرأة تنتقي فواكه في «سوبرماركت» بلندن (أ.ب)

التوترات التجارية العالمية

وأفاد تقرير صندوق النقد الدولي بأن النمو في العام المقبل سيتأثر سلباً بالتوترات التجارية العالمية، بما في ذلك تراجع النشاط بين شركاء المملكة المتحدة التجاريين، وتأثير الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي، و«استمرار حالة عدم اليقين».

لكن صندوق النقد الدولي أشار إلى اتفاقيات التجارة التي أبرمتها المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، ومع دول مثل الهند والولايات المتحدة، قائلاً إنها تُظهر التزام الحكومة «بتهيئة بيئة أكثر قابلية للتنبؤ للمصدرين البريطانيين».

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

ارتفاع التضخم

يأتي التقرير بعد أكثر من شهر بقليل من خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو المملكة المتحدة هذا العام إلى 1.1 في المائة، والذي عزاه إلى زيادة تكاليف الاقتراض، والرسوم الجمركية الأميركية، وتأثير التضخم. وأضاف حينها أنه يتوقع أن يتباطأ التضخم في المملكة المتحدة إلى 2.2 في المائة بحلول عام 2026، وهو ما يقترب من هدف بنك إنجلترا البالغ 2 في المائة.

في وقت سابق من هذا الشهر، أعلن مكتب الإحصاءات الوطنية ارتفاع التضخم بشكل غير متوقع في أبريل إلى 3.5 في المائة، من 2.6 في المائة في مارس (آذار). ويوم الثلاثاء، صرَّح صندوق النقد الدولي أن هذا الارتفاع في التضخم سيستمر حتى النصف الثاني من هذا العام، ليعود إلى المستوى المستهدف «في وقت لاحق من عام 2026».


مقالات ذات صلة

السندات العالمية على أعتاب أكبر خسارة شهرية منذ أكثر من عام

الاقتصاد أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني فوق أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)

السندات العالمية على أعتاب أكبر خسارة شهرية منذ أكثر من عام

تراجعت أسعار السندات الحكومية العالمية لتقترب من تسجيل أكبر خسائر شهرية لها منذ أكثر من عام، مع تزايد قلق المستثمرين بشأن استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتراجع وسط مخاوف على التضخم والنمو

تراجعت الأسهم الأوروبية وسط حالة من عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط، مع استمرار مخاوف المستثمرين بشأن تأثير الصراع على التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار البنك الدولي (رويترز)

البنك الدولي يطلق خطة عاجلة لحماية الأسواق الناشئة من «صدمة طاقة»

أعلنت مجموعة البنك الدولي عن إطلاق خطة استجابة عاجلة لمساعدة الدول الناشئة على مواجهة التداعيات الاقتصادية للنزاع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ارتفعت توقعات التضخم في تركيا مع ارتفاع حدة التوتر في الشرق الأوسط (رويترز)

«التعاون الاقتصادي والتنمية» ترفع توقعاتها لتضخم تركيا بنهاية العام

رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للتضخم في تركيا بنهاية العام الحالي بشكل حاد، فيما خفّضت توقعاتها للنمو على خلفية حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».