بريطانيا والاتحاد الأوروبي يفتحان «عصراً جديداً» للعلاقات

اتفاقات واسعة النطاق تشمل الغذاء وصيد الأسماك والدفاع... بعد 5 سنوات من «بريكست»

ستارمر وفون دير لاين في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع في لندن (د.ب.أ)
ستارمر وفون دير لاين في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع في لندن (د.ب.أ)
TT

بريطانيا والاتحاد الأوروبي يفتحان «عصراً جديداً» للعلاقات

ستارمر وفون دير لاين في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع في لندن (د.ب.أ)
ستارمر وفون دير لاين في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع في لندن (د.ب.أ)

وافقت بريطانيا يوم الاثنين على أهم إعادة ضبط لعلاقاتها التجارية والدفاعية مع الاتحاد الأوروبي منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن دفع انقلاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب على النظام العالمي الجانبين إلى تجاوز خلافاتهما الحادة.

فقد وافقت بريطانيا على فتح مياهها المخصصة للصيد لمدة 12 عاماً أخرى أمام قوارب الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، حصل رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على صفقة بيطرية ستُزيل الكثير من البيروقراطية المفروضة على صادرات بريطانيا الزراعية والسمكية إلى كبرى أسواقها، في مكافأة اقتصادية طال انتظارها من محادثات «إعادة الضبط».

وخاض الجانبان مساومات مكثفة حول تفاصيل رئيسية لعلاقتهما المُجددة، بما في ذلك مصايد الأسماك وتجارة الأغذية، بالإضافة إلى صياغة خطة مقترحة لتنقل الشباب.

الاجتماعات البريطانية - الأوروبية في لندن (أ.ف.ب)

بحضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، قال ستارمر إن الاتفاق يُمثل «عهداً جديداً في علاقتنا».

بينما قالت فون دير لاين إن الاتفاق يُرسل رسالة إلى العالم مفادها: «في ظل عدم الاستقرار العالمي، وبينما تواجه قارتنا أكبر تهديد تواجهه منذ أجيال، فإننا في أوروبا نتكاتف وندعم بعضنا بعضاً».

وأكدت بريطانيا أن إعادة ضبط العلاقات مع أكبر شريك تجاري لها من شأنها أن تقلل من البيروقراطية المفروضة على منتجي الأغذية والزراعة، مما يجعل الغذاء أرخص، ويُحسّن أمن الطاقة، ويُضيف ما يقرب من 9 مليارات جنيه إسترليني (12.1 مليار دولار) إلى الاقتصاد بحلول عام 2040.

وهذا هو الاتفاق الثالث الذي تُبرمه بريطانيا هذا الشهر، بعد اتفاقات مع الهند والولايات المتحدة، ورغم أنه من غير المرجح أن يُؤدي إلى انتعاش اقتصادي فوري، إلا أنه قد يعزز ثقة الشركات، ويجذب استثمارات تشتد الحاجة إليها.

وبموجب الاتفاقات، ستسمح شراكة دفاعية وأمنية جديدة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي للمملكة المتحدة بالوصول إلى برنامج قروض دفاعية من الاتحاد الأوروبي بقيمة 150 مليار يورو (167 مليار دولار).

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث إلى ستارمر بحضور رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا (رويترز)

في ما يتعلق بصيد الأسماك، ستتمتع السفن البريطانية والأوروبية بإمكانية الوصول إلى مياه كل منهما لمدة 12 عاماً - مما يُزيل إحدى أقوى أوراق المملكة المتحدة في أي محادثات مستقبلية - مقابل خفض دائم في الإجراءات الورقية وعمليات التفتيش الحدودية التي كانت تمنع صغار منتجي الأغذية من التصدير إلى أوروبا.

في المقابل، وافقت بريطانيا على الخطوط العريضة لبرنامج محدود لتنقل الشباب، على أن تُناقش تفاصيله في المستقبل، كما أنها تناقش المشاركة في برنامج تبادل الطلاب «إيراسموس+».

وقد ندد بالاتفاق كل من «فاراج» وحزب المحافظين المعارض، الذي كان في السلطة عندما غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي وقضى سنوات في التفاوض على اتفاق الانفصال الأصلي.

وقال وزير التجارة جوناثان رينولدز، لراديو «التايمز»: «يتعلق الأمر بجعل الناس أفضل حالاً، وبجعل البلاد أكثر أماناً، والتأكد من وجود مزيد من الوظائف في المملكة المتحدة».

مظاهرة مناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي خلال الاجتماعات بين الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية (أ.ف.ب)

ولفت ستارمر من جهته إلى أن العلاقات الأقوى مع الاتحاد الأوروبي ستجلب «مزيداً من الفوائد للمملكة المتحدة» بعد الاتفاقيات التجارية التي أبرمتها المملكة المتحدة في الأسابيع الأخيرة مع الهند والولايات المتحدة.

وقال مفاوض حكومة ستارمر مع الاتحاد الأوروبي، نيك توماس-سيموندز إنه واثق من إمكانية تحسين التجارة بالنسبة إلى الواردات والصادرات الغذائية. وأضاف لشبكة «بي بي سي»: «نحن نعلم أن لدينا شاحنات تنتظر لمدة 16 ساعة، وأغذية طازجة في الخلف لا يمكن تصديرها، لا يمكن تصديرها لأن الأمر بصراحة مجرد روتين، ونحن نريد بالتأكيد تقليل ذلك».

المعارضة تعترض على «الاستسلام»

قد تكون بعض المقايضات صعبة على ستارمر، الذي يواجه تحديات متزايدة من حزب الإصلاح البريطاني المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمناهض للهجرة، ومن المرجح أن يرى اتهامات بـ«خيانة بريكست»، مهما كانت نتيجة المحادثات.

وقد وصف حزب الإصلاح، الذي حقق مؤخراً فوزاً كبيراً في الانتخابات المحلية، وحزب المحافظين المعارض، الاتفاق بالفعل بأنه «استسلام» للاتحاد الأوروبي قبل تأكيد أي تفاصيل.

على الرغم من الاتفاق، سيظل الاقتصاد البريطاني مختلفاً بشكل كبير عما كان عليه قبل مغادرته الاتحاد. وقد كلف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المركز المالي في لندن آلاف الوظائف، وأثّر سلباً على إنتاج القطاع، وخفّض مساهماته الضريبية، وفقاً للدراسات.


مقالات ذات صلة

دمشق وباريس تؤسسان لشراكة اقتصادية جديدة... والاستثمار بوابة إعادة الإعمار

الاقتصاد الشرع وماكرون لدى وصولهما لحضور حفل توقيع اتفاق في دمشق (أ.ب) p-circle 00:28

دمشق وباريس تؤسسان لشراكة اقتصادية جديدة... والاستثمار بوابة إعادة الإعمار

أسّس الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون لـ«انعطافة استراتيجية» عبر إطلاق شراكة اقتصادية موسعة لإعادة الإعمار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

«الأونكتاد»: السعودية تصعد للمرتبة الـ13 عالمياً في جذب الاستثمار الأجنبي في 2025

أظهر تقرير الاستثمار العالمي لعام 2026، الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تحقيق السعودية تقدماً ملحوظاً في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تظهر رموز النسب المئوية المطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد أمام أوراق نقدية من الدولار في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«الأونكتاد»: الاستثمار الأجنبي المباشر يرتفع 6 % إلى 1.6 تريليون دولار في 2025

أعلنت الأمم المتحدة، الثلاثاء، ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً خلال عام 2025، بعد عامين متتاليين من التراجع.

«الشرق الأوسط» (جنيف )
الاقتصاد شاشة عرض في «تايمز سكوير» تظهر إعلاناً لشركة «سبيس إكس» بعد إطلاق الطرح العام الأولي للشركة في نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تُبدي تفاؤلاً تجاه «سبيس إكس» قبيل إدراجها في مؤشر «ناسداك 100»

من المتوقع أن يؤدي إدراج شركة «سبيس إكس» في مؤشر «ناسداك 100»، يوم الثلاثاء، إلى إطلاق موجة من عمليات الشراء التلقائي بمليارات الدولارات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله في زيارة دولة إلى مطار دمشق الدولي في دمشق... 6 يوليو 2026 (سانا)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الاقتصاد السعودي مرشح لقفزة بـ5.5 %

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

الاقتصاد السعودي مرشح لقفزة بـ5.5 %

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

تصدّرت السعودية المشهد الإقليمي بوصفها أكثر دولة تماسكاً في تحديث «صندوق النقد الدولي» الذي رفع توقعات نمو اقتصادها للعام المقبل إلى 5.5 في المائة، بمقدار نقطة مئوية كاملة من تقديرات أبريل (نيسان)، مما يؤكد صمودها الاستثنائي بفضل شبكة مسارات لوجستية وتصديرية بديلة حمت زخم أنشطتها غير النفطية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية أوسع نطاقاً.

وجاء هذا الصمود البنيوي في وقت دفع الجوار الإقليمي ثمناً باهظاً؛ حيث خفّض الصندوق تقديراته لاقتصاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليتدحرج إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5 في المائة.

على الصعيد الدولي، نجحت طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي والتخفيضات الضريبية الأميركية في حماية النمو العالمي عند 3 في المائة بتراجع طفيف عن 3.1 في المائة المقدَّرة في أبريل، لتمتص قفزات التقنية المتسارعة الصدمة العنيفة الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.


محضر «الفيدرالي»: بعض المسؤولين بحثوا رفع الفائدة بفعل تداعيات الحرب

وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
TT

محضر «الفيدرالي»: بعض المسؤولين بحثوا رفع الفائدة بفعل تداعيات الحرب

وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)
وارش يحضر مؤتمراً للإعلام والتكنولوجيا في منتجع مدينة صن فالي في ولاية أيداهو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، لشهر يونيو (حزيران)، أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط رفعت المخاوف التضخمية، ما دفع بعض أعضاء البنك المركزي إلى طرح زيادة الفائدة، بينما تمسك آخرون بالانتظار حتى تتضح البيانات الاقتصادية.

وكشف محضر الاجتماع، وهو الأول برئاسة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد كيفين وارش، أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط رفعت المخاوف التضخمية، ما دفع بعض أعضاء البنك المركزي إلى طرح زيادة الفائدة، بينما تمسك آخرون بالانتظار حتى تتضح البيانات الاقتصادية.

كما أظهر انقساماً واضحاً بين مسؤولي البنك المركزي بشأن المسار المناسب لأسعار الفائدة خلال ما تبقى من العام، في ظل استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، مقابل توقعات لدى فريق آخر بانحسار التضخم تدريجياً، بما يسمح بالإبقاء على السياسة الحالية حتى خفض الفائدة لاحقاً. وبينما أجمع المسؤولون على تثبيت سعر الفائدة في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، أظهرت المناقشات أن بعض الأعضاء رأوا مبررات لرفع الفائدة فوراً، في حين شدّد آخرون على ضرورة انتظار مزيد من البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ أي خطوة.

وبحسب محضر الاجتماع الذي عقد يومي 16 و17 يونيو، فإن صناع السياسة النقدية باتوا أكثر قلقاً حيال مخاطر التضخم، مع اتساع نطاق ارتفاع الأسعار واستمرارها فوق المستهدف البالغ 2 في المائة.

وأشار المحضر إلى أن عدداً قليلاً من المشاركين رأوا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الأسعار، تبرر رفع سعر الفائدة مباشرة خلال اجتماع يونيو، فيما اعتبر «معظم المشاركين» أن القرار المناسب سيظل رهناً بالبيانات الاقتصادية المقبلة، مع استعداد البنك للتحرك إذا بقي التضخم مرتفعاً.

وفي المقابل، رأى عدد آخر من المسؤولين أن الضغوط السعرية قد تتراجع تدريجياً خلال الأشهر المقبلة، ما قد يجعل مستوى الفائدة الحالي مناسباً أو أقل بقليل بحلول نهاية العام، وهو ما يعكس استمرار الانقسام داخل البنك المركزي بشأن الاتجاه المقبل للسياسة النقدية.

ورغم هذا التباين، صوّت أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بالإجماع على الإبقاء على سعر الفائدة ضمن نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة، مؤكدين التزامهم بإعادة التضخم إلى المستهدف، مع التشديد على أن القرارات المقبلة ستعتمد بالكامل على البيانات الواردة.

كما أظهر المحضر أن مسؤولي البنك أيّدوا إلى حدّ كبير توجه وارش نحو تقليص ما يعرف بـ«التوجيه المستقبلي»، إذ وافقت الأغلبية على اختصار البيان الصادر بعد الاجتماع، وحذف الإشارات التي كانت توحي سابقاً بأن الخطوة التالية ستكون خفضاً للفائدة.

وأوضح المحضر أن المسؤولين فضّلوا عدم إعطاء الأسواق إشارات مسبقة بشأن اتجاه السياسة النقدية، في إطار نهج جديد يهدف إلى منح البنك المركزي مرونة أكبر في التعامل مع التطورات الاقتصادية، بعيداً عن الالتزامات المسبقة.

وتزامنت هذه التغييرات مع أولى مبادرات وارش لإعادة هيكلة آليات عمل «الاحتياطي الفيدرالي»، إذ أعلن تشكيل 5 مجموعات عمل لمراجعة عدد من الملفات، من بينها أسلوب التواصل مع الأسواق.

وتشير توقعات أعضاء اللجنة، التي صدرت بالتزامن مع الاجتماع، إلى استمرار الانقسام أيضاً؛ إذ توقع 9 من أصل 18 مسؤولاً أن تنتهي أسعار الفائدة هذا العام عند مستويات أعلى قليلاً من الحالية، ما يعني تنفيذ زيادة واحدة على الأقل قبل نهاية 2026، في حين توقع آخرون بقاء الفائدة مستقرة.

تحركات الأسواق

وجاءت ردود فعل الأسواق محدودة بعد صدور المحضر، إذ حافظ مؤشر الدولار الأميركي على خسائره ليتراجع بنحو 0.16 في المائة إلى 101.01 نقطة.

وفي سوق السندات، قلّصت عوائد سندات الخزانة الأميركية مكاسبها، مع استقرار العائد على السندات لأجل 10 سنوات عند نحو 4.573 في المائة، بارتفاع يقارب 4.4 نقطة أساس مقارنة بمستوياته السابقة.

أما الذهب، فقلّص خسائره أيضاً بعد نشر المحضر، لكنه بقي منخفضاً بنحو 0.9 في المائة ليستقر عند نحو 4068.09 دولار للأوقية، مع استمرار تقييم المستثمرين لاحتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

ويرى محللون أن محضر الاجتماع لم يمنح الأسواق اتجاهاً حاسماً، لكنه أكد أن «الاحتياطي الفيدرالي» لا يزال يضع مكافحة التضخم في صدارة أولوياته، وأن أي قرار بشأن خفض أو رفع الفائدة سيظل مرتبطاً بمسار البيانات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، ولا سيما تطورات التضخم وسوق العمل.


إعلان ترمب فشل التهدئة يشعل النفط ويهبط بالأسواق العالمية

يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
TT

إعلان ترمب فشل التهدئة يشعل النفط ويهبط بالأسواق العالمية

يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)
يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)

دخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة ومعقدة من انعدام اليقين الجيوسياسي والمالي، بعدما فجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قنبلة سياسية ثقيلة من العاصمة التركية أنقرة، أثناء مشاركته في قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو». وجاء ذلك بإعلانه الرسمي والنهائي عن إنهاء الحرب وإلغاء مذكرة التفاهم والتهدئة المؤقتة التي وقعت مع طهران لإنهاء صراع الخليج، واصفاً أي مساعٍ جديدة للتفاوض أو التعامل مع القيادة الإيرانية بأنها «مجرد عبث وإهدار للوقت»، ومحذراً في الوقت ذاته من أن واشنطن قد تباشر خيارات عسكرية جادة ومفتوحة للرد على استهداف الملاحة التجارية.

هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ، المصحوب بتهديد واشنطن بشن ضربات عسكرية واسعة وجديدة، أحدث هزّة لوجستية ومالية عنيفة في مفاصل الاقتصاد العالمي؛ إذ قفزت أسعار النفط فوراً بأكثر من 7 في المائة لتخترق حاجز الـ79 دولاراً للبرميل، مهددة بتجميد عامين من مكاسب محاربة التضخم ومقوضة آمال تيسير السياسة النقدية.

وفي المقابل، اكتست مؤشرات «وول ستريت» والأسواق الأوروبية والآسيوية باللون الأحمر مع هروب جماعي للمستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ليضع الصراع في مضيق هرمز المتجدد الاقتصاد العالمي بأكمله على حافة بركان، في وقت حذر فيه صندوق النقد الدولي مجدداً من أن استمرار هذا النزيف سيجبره على قضم المزيد من معدلات التنمية العالمية الثابتة خجولاً عند 3 في المائة.

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

سوق النفط تشتعل

أعادت تصريحات ترمب الحادة إشعال المخاوف من انسداد كامل ومطول لشريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز، مما ترجمه المتداولون فوراً إلى عمليات شراء هلع رفعت الأسعار بشكل جنوني. وعزز خام برنت مكاسبه ليرتفع بنسبة 7.4 في المائة مستقراً عند 79.64 دولار للبرميل، في حين لحق به خام غرب تكساس الأميركي الخفيف بارتفاع قارب 7.3 في المائة ليصل إلى 75.58 دولار للبرميل.

ورغم أن هذه المستويات لا تزال دون ذروة الـ120 دولاراً المسجلة في بداية النزاع، فإن قفزتها السريعة بنسبة تتراوح بين 25 في المائة و32 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، أعادت ضخ مخاطر التضخم في أسواق السندات.

وزاد من حساسية المخاوف النفطية البيانات الرسمية الصادرة هذا الأسبوع، والتي كشفت أن المخزون الأميركي في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي هبط إلى أدنى مستوياته منذ عام 1983، مما يحرم الاقتصاد العالمي من أي هوامش مناورة لامتصاص الصدمات الحتمية القادمة في حال فرض حصار بحري كامل.

موجة بيع تجتاح الأسهم

وتلقفت البورصات العالمية التهديدات العسكرية الأميركية بضربات برية وبحرية ليلية ضد إيران بحالة من الارتعاش الفوري، مما أطلق موجة بيع واسعة للأصول عالية المخاطر. وافتتحت نيويورك تداولاتها على هبوط حاد؛ حيث فقد مؤشر داو جونز الصناعي نحو 1 في المائة من قيمته (ما يعادل 514 نقطة)، ولحق به مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.46 في المائة، و«ناسداك» لأسهم التكنولوجيا بـ0.31 في المائة.

في أوروبا، تراجعت أسواق باريس وفرانكفورت بنسب قاسية بلغت 1.8 في المائة، بينما هبطت لندن بـ1.2 في المائة. وفي آسيا، قاد مؤشر «كوسبي» في سيول التراجعات مسجلاً هبوطاً عنيفاً تجاوز 5 في المائة.

وكانت شركات الطيران والرحلات البحرية الضحية المباشرة للاشتعال المفاجئ لأسعار الوقود؛ حيث تراجعت أسهم خطوط «يونايتد آيرلاينز» بنسبة 3.2 في المائة و«دلتا» بـ1.9 في المائة. كما هوت أسهم مشغلي الرحلات البحرية مثل «كارنيفال» بنسبة 3 في المائة نتيجة المخاوف من تبخر الهوامش الربحية وتصاعد تكاليف التشغيل.

وقد تزامنت أزمة الطاقة مع زيادة تشكيك المستثمرين في التقييمات المرتفعة لقطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي؛ حيث واصلت أسهم «سامسونغ للإلكترونيات» هبوطها لليوم الثاني على التوالي بمعدل 6 في المائة في سيول، رغم إعلانها عن قفزة أرباح ضخمة بـ19 ضعفاً، وسط مخاوف حقيقية من تباطؤ الطلب على رقائق الذاكرة في النصف الثاني من العام. وفي المقابل، نجت أسهم شركة «برودكوم» الأميركية بارتفاع 3 في المائة بدعم من صفقة توريد ضخمة مع «أبل» بقيمة 30 مليار دولار، مما خفف جزئياً من خسائر «نازداك» التقني.

يتحدث المتعاملون بالقرب من الشاشات التي تعرض أسعار صرف العملات الأجنبية في غرفة تداول تابعة لبنك هانا في سيول (أ.ب)

الين يترنح والدولار يبحث عن الأمان

لم تكن أسواق العملات الأجنبية بمعزل عن هذه الصدمة؛ إذ أعادت نبرة الحرب ترتيب أولويات المتداولين نحو حيازة العملة الأميركية باعتبارها ملاذاً آمناً وقت الأزمات.

وحافظ مؤشر الدولار الأميركي على استقراره النسبي أمام سلة من العملات الرئيسية ليتحرك عند مستوى 101.1 نقطة، مدعوماً بتوقعات الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة لفترة أطول لكبح جماح التضخم النفطي المحتمل.

في المقابل، واصلت العملة اليابانية ترنحها؛ حيث حام الين الياباني حول مستوى 162.49 ين للدولار الواحد، متأثراً بالفارق الشاسع في عوائد السندات بين واشنطن وطوكيو، ومقترباً من أدنى مستوياته التاريخية في نحو 40 عاماً، مما يضع ضغوطاً إضافية على بنك اليابان للتدخل في الأسواق.

وأجمع الخبراء والمحللون الاستراتيجيون على أن الأسواق الدولية باتت محكومة بالكامل بتقلبات حادة وعنيفة جراء «انعدام الرؤية الجيوسياسية»، الناتجة عن التقلبات التكتيكية المستمرة في مواقف الإدارة الأميركية الحالية. ويرى محللو المجموعات المالية أن الخوف الأكبر لا يكمن في التراجع اللحظي الحالي لأسعار الأسهم، بل في احتمالية تحول إلغاء التهدئة إلى قطيعة دبلوماسية تامة تؤدي إلى عودة «حرب ناقلات نفط» مفتوحة وشاملة تجبر القوى الدولية على فرض حصار بحري متبادل.