ترمب: صفقة بيع «تيك توك» ستتم قبل انقضاء المهلة المحددة

«الحرب التجارية» الجديدة تفزع الشركات الصينية والأميركية

شعار تطبيق «تيك توك» على شاشة هاتف ذكي (رويترز)
شعار تطبيق «تيك توك» على شاشة هاتف ذكي (رويترز)
TT

ترمب: صفقة بيع «تيك توك» ستتم قبل انقضاء المهلة المحددة

شعار تطبيق «تيك توك» على شاشة هاتف ذكي (رويترز)
شعار تطبيق «تيك توك» على شاشة هاتف ذكي (رويترز)

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إنه سيتم التوصل إلى اتفاق مع شركة «بايت دانس» الصينية؛ الشركة المالكة «تيك توك»، لبيع تطبيق المقاطع المصورة القصيرة الذي يستخدمه 170 مليون أميركي، قبل الموعد النهائي يوم السبت المقبل.

وكان ترمب قد حدد في يناير (كانون الثاني) الماضي، يوم 5 أبريل (نيسان) 2025 موعداً نهائياً لشركة «تيك توك» للعثور على مشترٍ غير صيني؛ أو مواجهة حظر أميركي، لأسباب تتعلق بالأمن القومي، ومن المقرر أن يدخل ذلك حيز التنفيذ بموجب قانون صدر عام 2024.

وقال ترمب للصحافيين على متن طائرة الرئاسة في وقت متأخر من يوم الأحد: «لدينا كثير من المشترين المحتملين. هناك اهتمام كبير بـ(تيك توك)».

في غضون ذلك، وبينما تتصاعد أجواء حرب التجارة بين واشنطن وبكين، يزداد الفزع بين الشركات الأميركية والصينية على السواء.

وتبخرت الطلبات بالنسبة إلى ريتشارد تشين، الذي يصنع زينة أعياد الميلاد في جنوب الصين لتجار التجزئة الأميركيين؛ بما في ذلك «وول مارت» و«كوستكو»، الذين يواجهون رسوماً جمركية أميركية خانقة.

وقال تشين، الذي يتخذ من دونغ غوان، مركز التصنيع، مقراً له: «الطلبات نصف ما كانت عليه العام الماضي». وهو الآن يقاوم من أجل البقاء.

وأضاف تشين، رافضاً الخوض في تفاصيل التخفيضات التي وافق عليها: «لم يعد هناك مجال لخفض الأسعار. ولكن للحصول على طلبات، نضطر أحياناً إلى قبول تخفيض في الأسعار... ليس لدينا خيار آخر؛ نحن نخسر المال».

وفي 4 فبراير (شباط) الماضي، فرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعريفة جمركية جديدة بنسبة 10 في المائة على سلع صينية تُصدّر سنوياً إلى الولايات المتحدة بقيمة 400 مليار دولار، مع إعلان فرض تعريفة إضافية بنسبة 10 في المائة يوم 4 مارس (آذار) 2025، وتوقع فرض تعريفات متبادلة أخرى في 2 أبريل (نيسان) 2025.

ويُدرك الموردون الصينيون وعملاؤهم الأميركيون الآن حقيقةً مُرّة؛ هي أن هذه الحرب التجارية ستُلحق ضرراً أكبر مما وقع خلال ولاية ترمب الأولى عام 2018.

هذه المرة مختلفة؛ لأن الشركات المصنعة منخفضة التكلفة تُعاني بالفعل من هوامش ربح ضئيلة للغاية، وبالتالي لا يُمكنها خفض الأسعار لمساعدة عملائها الأميركيين، والحكومات الصينية المحلية التي كان من الممكن أن تُقدم الدعم لحماية الوظائف تُعاني في الغالب من ضائقة مالية شديدة تمنعها من تقديم إعانات جديدة.

ويقدر الموردون أن الأجور قد ارتفعت بنسبة بين اثنين و5 في المائة منذ الحرب التجارية الأولى بين الولايات المتحدة والصين عام 2018، في حين ارتفعت تكاليف المواد الخام في بعض القطاعات، واشتدت المنافسة الخارجية؛ مما جعل رسوم ترمب الجمركية الأخيرة «القشة التي قصمت ظهر البعير» لكثير من الشركات المصنعة منخفضة التكلفة.

وصرحت ليز بيكارازي، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة صناديق القمامة «سيتيبين»، ومقرها بروكلين بالولايات المتحدة، بأن سلعها المنتجة في الصين تخضع الآن لرسوم جمركية بنسبة 52.5 في المائة، ولم تعد قادرة على تحمل تكاليف التصنيع هناك. وقالت: «لقد كان عملي بأكمله يعتمد على معدل طويل الأجل قدره 7.5 في المائة. لقد كانت صدمة حقيقية»، في إشارة إلى جولتين من زيادات الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة على السلع الصينية، بالإضافة إلى رسوم جمركية عالمية بنسبة 25 في المائة على الألمنيوم.

وأضافت: «كنا نعلم أن هذا آتٍ، ولكن لا توجد طريقة يمكن لأي شركة عبرها تخفيف الرسوم الجمركية الإضافية بنسبة 45 في المائة».

ويُطالب العملاء الأميركيون بتخفيضات في الأسعار بنسبة 10 في المائة، وفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع 10 مُصنّعين ومصدرين صينيين، ومسؤولين تنفيذيين في قطاع التجزئة بالولايات المتحدة، لهم خبرة في سلاسل التوريد الصينية. وأفادوا بأن المفاوضات الجارية تُسفر عن خصومات تتراوح بين 3 و7 في المائة من الموردين.

وصرح جوناثان تشيتايات، رئيس مجموعة «جينيمكس» في آسيا، وهي شركة مُصنّعة مُتعاقدة لمجموعة من المنتجات، وتحصل على 70 في المائة من إيراداتها من العملاء الأميركيين: «هناك شركات في الولايات المتحدة لديها مئات المصانع التي تعمل لديها، تُرسل رسائل جماعية تطلب تخفيضاً شاملاً بنسبة 10 في المائة من جميع الموردين على جميع المنتجات». وأضاف: «بصراحة، معظم الناس لا يملكون 10 في المائة ليقدموها. ربما يستطيعون تقديمها لطلبية واحدة أو اثنتين، ولكن يبدو أن 7 في المائة هو الحد الأقصى لمعظم الناس».

وعندما سألت سابقاً «رويترز» شركة «وول مارت» عن مفاوضاتها مع الموردين منذ فرض الرسوم الجمركية الجديدة، أصدرت بياناً جاء فيه: «سنواصل العمل معهم من كثب لإيجاد أفضل السبل للمضي قدماً خلال هذه الأوقات العصيبة».

وعلى الجانب الصيني، فإن الموردين الذين تضرروا بشدة في عام 2018 عندما رفض بعض العملاء الأميركيين دفع ثمن حمولات حاويات البضائع الخاضعة لرسوم جمركية أعلى، يطلبون الآن الدفع مقدماً بدلاً من الانتظار لمدة بين 30 و90 يوماً بعد إرسال الفاتورة.

وقال دومينيك ديسماريس، كبير مسؤولي الحلول في شركة «لييا سوليوشنز»، التي تربط الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم بالموردين في الصين الذين يصنعون كل شيء؛ من الألعاب إلى الأثاث ومنتجات التيتانيوم: «أخبرنا عملاءنا الأميركيين بمجرد انتخاب ترمب أن من شروط الدفع أن يكون مقدماً بنسبة 100 في المائة مع طلب الشراء؛ لأننا توقعنا كابوس الرسوم الجمركية هذا».

ويقول محللون ومصنعون إن الرسوم الجمركية هزت قلب الصناعة الصينية، وقد تؤدي إلى تسريح أعداد كبيرة من العمال مع إغلاق المصانع أو تقليص حجمها. وقال هي لينغ شي، أستاذ الاقتصاد بجامعة موناش في ملبورن، إن المصنّعين الصينيين يستسلمون لمجموعة واسعة من الضغوط. وأضاف شي: «لاحظتُ أن كثيراً من الشركات قررت بالفعل إغلاق أبوابها».

وأظهرت الأبحاث الأكاديمية التي أجرتها جامعة ستانفورد بعد عام 2018 أن كل زيادة في الرسوم الجمركية بنسبة واحد في المائة أثرت على هوامش ربح الموردين الصينيين بنسبة 0.35 في المائة.

كما أدت تلك الحرب التجارية إلى فقدان نحو 3.5 مليون وظيفة في قطاع التصنيع الصيني، وفقاً لحسابات «رويترز» المستندة إلى تقديرات «دارتموث» لنسبة وظائف التصنيع التي فقدتها الصين. ويقول المحللون إنه من السابق لأوانه تقدير الخسائر هذه المرة.

ويعتقد بعض العملاء الأميركيين أن السلطات الصينية ستتدخل لدعم صناعاتها التحويلية المحلية بإضافة خصومات ضريبية شاملة، ودعم الإيجارات والمرافق، أو أي دعم آخر كما فعلت في الماضي؛ ومن ذلك ما حدث عام 2018.

وقال مسؤول تنفيذي في قطاع التجزئة مقيم في الولايات المتحدة، رفض الكشف عن اسمه لأنه غير مخول التحدث إلى وسائل الإعلام: «لقد زرت مئات، وربما آلاف، المصانع الصينية، وأدرك مدى أهمية هذه المصانع للحكومات المحلية، لذا سيكون هناك دعمٌ حتمياً عند الحاجة». وأكد كثير من الموردين الذين قابلتهم «رويترز» أنه حتى الآن لم يُقدم دعم جديد.

وقال أستاذ الاقتصاد شي إن أعباء الديون الثقيلة على الحكومات المحلية، التي تثقل كاهل كثير منها أزمة العقارات المستمرة، ستمنعها من تقديم الدعم بسخاء كما كانت تفعل في الماضي. وتساءل: «إذا لم يكن لديهم مال، فكيف يمكنهم تقديم أي دعم؟»، مضيفاً أن أي خطوة تُغرقهم في الديون لن ترحب بها الحكومة المركزية الصينية. الرسالة من بكين هي أن المصدرين قادرون على التحول إلى أسواق أخرى وإلى عملاء الصين البالغ عددهم 1.4 مليار عميل، لكن هذه الاستراتيجية أيضاً صعبة في ظل فائض الطاقة الإنتاجية وانخفاض الطلب المحلي.

وفي حين أن أحد الأهداف المعلنة لنظام ترمب الجمركي هو إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة، تقول بيكارازي من «سيتيبين» إنها بحثت هذه الإمكانية 6 مرات على الأقل، لكنها لا تزال غير قابلة للتطبيق من منظور التكلفة والجودة... وفي الوقت الحالي، وبينما تستعد لنقل 100 في المائة من صناعاتها إلى فيتنام، تقول إنها نصحت عملاءها بالفعل بتوقع أسعار أعلى.

وقالت: «هذا تصرف غير عادل من الحكومة الأميركية تجاه الشركات الأميركية والمستهلكين الأميركيين. لا وطنية في تدمير الشركات الأميركية».


مقالات ذات صلة

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

الاقتصاد تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

اتجهت الأسواق العالمية نحو تسجيل خسائر أسبوعية، بينما ظلَّت السندات تحت ضغط، في ظلِّ تحذيرات البنوك المركزية من أنَّ الحرب الإيرانية قد تعيد إشعال فتيل التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)

غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

سجل مؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا مستويات قياسية هي الأعلى منذ 3 سنوات، مدفوعاً بتداعيات الهجمات الإيرانية التي أدت إلى خروج 17 في المائة من طاقة قطر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)

إسبانيا تطلق حزمة طوارئ جريئة لمواجهة صدمة الطاقة والحد من التضخم

في مواجهة التداعيات الاقتصادية المتسارعة للحرب في الشرق الأوسط، أعلنت إسبانيا عن حزمة دعم واسعة بقيمة 5 مليارات يورو.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الاقتصاد البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

«المركزي الروسي» يخفض الفائدة ويحذّر من حالة عدم اليقين

خفض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس إلى 15 في المائة، الجمعة، كما كان متوقعاً

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

رغم تضرر منشآتها... قطر تتعهد بالبقاء مورداً موثوقاً للطاقة

أكَّد وزير الدولة لشؤون الطاقة، الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، التزام بلاده بأن تبقى مورداً موثوقاً للطاقة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.