رئيس «فُلك»: موقع السعودية استراتيجي لتعزيز نمو التجارة وتسهيل طرق الشحن

هيستباك قال لـ«الشرق الأوسط» إن الشركة تتطلع للاستحواذ على 20 % من سوق المنطقة بحلول 2030

TT

رئيس «فُلك»: موقع السعودية استراتيجي لتعزيز نمو التجارة وتسهيل طرق الشحن

بول هيستباك الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك» البحرية (تصوير: تركي العقيلي)
بول هيستباك الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك» البحرية (تصوير: تركي العقيلي)

تخطِّط السعودية لتكوين نقطة انطلاق جديدة في قطاع الشحن البحري، ليس لتحقيق مفهوم الربح وتوليد الإيرادات وهو حق شرعي، إنما خطط المملكة تتجاوز ذلك، حيث تتمحور في إعادة هيكلة القطاع من جديد على المستوى العالمي، بما يتواكب مع متطلبات ومعطيات المرحلة الحالية.

وتمضي الرياض في هذا المفهوم لبناء مستقبل أكثر كفاءة بقطاع الشحن البحري، في وقت تأتي فيه هذه المساعي ضمن مجموعة من المبادرات والابتكارات في كثير من القطاعات؛ بهدف المساهمة في النمو، وتطوير الاقتصاد العالمي.

يقول الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك» البحرية، بول هيستباك، إن نموذج الشركة المبتكر يعزز النمو الاقتصادي من خلال دعم الربط بين أسواق الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وأفريقيا، ما ينمّي دور المملكة بوصفها لاعباً أساسياً في المنظومة اللوجيستية العالمية، تماشياً مع «رؤية 2030».

أضاف هيستباك، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه اعتماداً على الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسعودية، بوصفه مفترق طرق يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، تعمل «فُلك» على خلق شبكة من الفرص الجديدة التي تُعزز نمو التجارة، حيث يسهم هذا الموقع الاستراتيجي، في تسهيل طرق الشحن بشكل أسرع وأكثر كفاءة، مع تعزيز وصول السعودية إلى الأسواق العالمية الرئيسية.

وقال: «من خلال تحسين الخدمات اللوجيستية البحرية وتعزيز الربط التجاري، تقوم شركة فُلك البحرية بدور رئيسي في تعزيز الميزة التنافسية للسعودية في التجارة الدولية».

وتابع: «يتمحور تركيزنا على إعداد بنية تحتية قوية للخدمات اللوجيستية عبر البحر الأحمر والخليج وشرق أفريقيا، مع وجود روابط رئيسية بشبه القارة الهندية. وتشمل خططنا توسيع نطاق مراكزنا الإقليمية وأساطيلنا، بينما نستهدف حصة سوقية من 15 إلى 20 في المائة بحلول عام 2030، مع تجاوز الحمولة الإجمالية 4 ملايين حاوية لتعزيز الخدمات ومرونة العمليات... كما نعتزم إطلاق خدمات جديدة في جنوب البحر الأحمر خلال هذا العام، ونعمل على مواصلة دمج التقنيات المتقدمة مثل التتبع اللحظي والحاويات القابلة لإعادة التدوير؛ بهدف دعم هذه الجهود».

حاويات تابعة لشركة «فُلك» السعودية (الشرق الأوسط)

استراتيجية «فُلك»

وفيما يتعلق باستراتيجية الشركة، قال هيستباك: «نركز حالياً على تحسين جودة خدماتنا للربط البيني بين مواني البحر الأحمر والخليج العربي والهند، عبر تعزيز الاستقرار والموثوقية من خلال تطوير قدراتنا التشغيلية»، مشيراً إلى أن توسيع أسطول الشركة يعدّ أولوية استراتيجية، مضيفاً: «نعمل على شراء وبناء سفن وحاويات جديدة خلال 2025، مع الالتزام بالمعايير البيئية والاستدامة».

وشدَّد على أن هذه الجهود تسهم في تحقيق أهداف «فُلك» الاستراتيجية، عبر توسيع الطاقة الاستيعابية للأسطول لتقديم خدمات مباشرة للعملاء، مما يضمن استدامة قطاع النقل البحري وتعزيز قدرته على مواجهة تحديات السوق. وقال: «بدأنا تقديم الخدمة المباشرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مع التركيز على السوق السعودية، ودعم المحتوى المحلي».

ربط المواني الإقليمية وتحفيز التجارة

وبيَّن الرئيس التنفيذي لـ«فُلك» أن الشركة تلعب دوراً مهماً في تعزيز قطاع الخدمات اللوجيستية في السعودية، ودعم «رؤية 2030»، وذلك من خلال تعزيز الربط البيني للمواني الإقليمية الرئيسية، وتوقف قليلاً هنا قائلاً: «تسهم الشركة في دعم جهود المملكة لتصبح مركزاً لوجيستياً عالمياً من خلال بناء شبكة شحن قوية تستقطب التجارة العالمية وتعزز بنية المملكة التحتية، وأطلقنا مؤخراً أحدث مساراتنا، المتمثل في خدمة الربط البحري بين الهند والخليج، التي تربط مواني الخليج العربي في أم قصر والدمام مع الميناءين الهنديَّين موندرا، ونافا شيفا».

وزاد: «بالإضافة إلى ذلك، نقوم بتشغيل 4 مسارات رئيسية أخرى، بما في ذلك خدمة ربط مواني البحر الأحمر مع الهند، وخدمة الربط البيني بين مواني شمال البحر الأحمر، وخدمة النقل البحري السريع بين ميناءَي جدة وبورتسودان، وتسهم هذه الخدمات في تعزيز التجارة الإقليمية في مجال السلع الأساسية، ودعم علاقات التعاون؛ ما يعزز دور ومكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجيستياً استراتيجياً».

معالجة تحديات النقل البري

ونبّه هيستباك إلى أن النقل البري يعدّ الوسيلة الأساسية في السعودية، إلا أنه استدرك وأكد أن هذه الوسيلة تواجه تحديات مثل التكاليف المرتفعة والازدحام، طارحاً فكرة «فُلك البحرية» نموذجاً لحل لتلك التحديات. وقال: «تسهم (فُلك) في تعزيز النقل البحري عبر تشغيل أسطولها الخاص، مما يوفر حلول شحن فعالة من الميناء إلى الميناء، ويعزز الترابط بين المواني الصغيرة».

أهداف صندوق الاستثمارات العامة

وشدَّد هيستباك على أن صندوق الاستثمارات العامة يوفر دعماً استراتيجياً ومالياً يساعد الشركة على مواءمة مبادراتها مع «رؤية 2030»، والاستفادة من خبراته، وقال: «بدعم الصندوق، وسَّعنا أسطولنا، واستحوذنا على سفن جديدة، وبنينا حاويات، مع تطوير المواهب المحلية؛ ما يعزز تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل».

وأضاف: «تسعى (فُلك) لتكون رائدة إقليمياً في الخطوط الملاحية وسفن الروافد؛ لضمان ربط المواني وتأمين الإمدادات. من خلال توسيع الأسطول والاستثمار في التكنولوجيا، نسهم في ترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجيستياً عالمياً، مستفيدين من الشراكات الاستراتيجية والابتكار الرقمي للحفاظ على ريادتنا في قطاع الشحن البحري».

استخدام التقنيات

وفيما يتعلق باستخدام التقنيات في عمليات الشركة، قال: «نركز على هدفين أساسيَّين في تبني التكنولوجيا، الأول يتمثل في تحسين تجربة العملاء، والثاني يتضمن تعزيز كفاءة عملياتنا باستخدام البيانات، حيث يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في تحقيق ذلك».

وزاد: «يحتاج عملاؤنا إلى الشفافية، وتتبع الشحنات في الوقت الفعلي»، كاشفاً عن أن الشركة بنت نظاماً إلكترونياً من الصفر للابتعاد عن الأنظمة القديمة. وقال: «نوفر منصةً رقميةً حديثةً بُنيت من الصفر لتجنب قيود الأنظمة القديمة، ما يمنحنا قدرةً أكبر على تقديم حلول أسرع وأكثر كفاءة. كما نستخدم تقنيات إنترنت الأشياء (IoT)، ونثبت أجهزة تتبع (GPS) على جميع الحاويات، مما يعزز الشفافية ويحسِّن إدارة الأسطول».

تحقيق قيمة اقتصادية مضافة

وحول مساهمة الشركة في دعم التجارة الإقليمية والعالمية، قسَّم هيستباك جهود الشركة إلى مستويين، وقال: «على المستوى العالمي، نسعى إلى إنشاء شبكة تربط بين المواني الرئيسية مثل ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك عبد الله مع ميناء الملك عبد العزيز بالدمام في الخليج، حيث يهدف هذا الترابط إلى توفير خدمات تربط هذه المواني، بما يمنح الوصول ليس فقط إلى المواني الواقعة على سواحل البحر الأحمر والخليج، بل أيضاً المواني السعودية الأصغر من الدرجة الثانية. وسيؤدي ذلك إلى تعزيز وسائل نقل أكثر أماناً وصديقة للبيئة، من خلال تحويل الحركة من الطرق البرية إلى السفن».

وتابع: «أما على الصعيد الإقليمي، فنطمح إلى تمكين مالكي البضائع من خلال برمجياتنا، مما يتيح لهم الاستفادة من مشهد التجارة المزدهر. وتُعدّ الهند، بوصفها سوقاً رئيسية تتميز بتنوع صادراتها التي تصل إلى منطقة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وغيرها، مجال تركيز أساسياً بالنسبة لنا، ونسعى إلى تكثيف خدماتنا في هذه الأسواق، وتعزيز النمو التجاري في الهند بالتزامن مع توسُّع مصادر منتجاتها».

وأضاف: «يعدّ هذا التوسع عنصراً محورياً في استراتيجيتنا الإقليمية، حيث نضمن مواكبة النمو التجاري المتزايد. وعلى الرغم من أن الهند تعدّ مثالاً بارزاً، فإن هناك كثيراً من الممرات التجارية الأخرى، مثل الصادرات من مصر، حيث نسعى أيضاً إلى النمو وتوفير الربط ليس فقط مع المواني الرئيسية، بل مع المواني الثانوية كذلك».

واختتم قائلاً: «ندرك أن دورنا بوصفه جزءاً حيوياً ضمن (رؤية السعودية 2030) الأوسع، التي تهدف إلى إنشاء مراكز لوجيستية رئيسية، ومن خلال جهودنا، نسعى جاهدين لتحقيق هذه الرؤية الطموحة».


مقالات ذات صلة

نيوزيلندا أقرّت استراتيجية طوارئ رباعية للوقود دون الحاجة إلى قيود فورية

الاقتصاد شاحنات وقود متوقفة على مدرج مطار أوكلاند في نيوزيلندا (رويترز)

نيوزيلندا أقرّت استراتيجية طوارئ رباعية للوقود دون الحاجة إلى قيود فورية

أعلنت نيوزيلندا، الجمعة، عن استراتيجية من أربع مراحل لإدارة المخاطر المتزايدة التي تهدد إمدادات البترول والديزل ووقود الطائرات.

«الشرق الأوسط» (ويلينغتون)
الاقتصاد يتسوق الزبائن في متجر للملابس في منطقة «ويست إند» التجارية بلندن (رويترز)

تراجع مبيعات التجزئة البريطانية في فبراير قبيل «صدمة النفط»

أظهرت بيانات رسمية يوم الجمعة انخفاض مبيعات التجزئة البريطانية في فبراير (شباط) بعد أن سجلت أقوى نمو لها منذ عام ونصف في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد حاويات شركة "هاباغ-لويد" في محطة تحميل بميناء هامبورغ (رويترز)

«هاباغ - لويد» تتحمل تكاليف أسبوعية تصل إلى 50 مليون دولار بسبب الحرب

تتكبد شركة الشحن الألمانية «هاباغ - لويد» تكاليف إضافية تتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً نتيجة الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين )

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.