«الفيدرالي» يتجه لتثبيت الفائدة رغم ضغوط ترمب المتواصلة لتخفيضها

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتجه لتثبيت الفائدة رغم ضغوط ترمب المتواصلة لتخفيضها

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

من المتوقع على نطاق واسع أن يبقي الاحتياطي الفيدرالي على معدلات الفائدة الرئيسة دون تغيير في اجتماعه للسياسة النقدية هذا الأسبوع، بعد أيام قليلة من تصريح الرئيس دونالد ترمب بأنه سيطالب قريباً بتخفيضات في المعدلات.

وقد خفض مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة رئيسه جيروم باول، معدلات الفائدة في ثلاثة اجتماعات متتالية، لتصل إلى نحو 4.3 في المائة، بعد أن كانت عند أعلى مستوى لها في عقدين البالغ 5.3 في المائة. ومع ذلك، ومع ظهور تقارير اقتصادية حديثة تظهر التوظيف القوي والتقدم في معدلات التضخم، قال صنّاع السياسة إنه من المتوقع أن تتباطأ وتيرة خفض الفائدة هذا العام. وقد أشار البعض إلى أن الحاجة إلى مزيد من التخفيضات قد تكون محدودة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وبينما قد يكون الاجتماع الذي يستمر يومين وينتهي يوم الأربعاء دون أحداث كبيرة، فإنه يمثل بداية ما، ومن المرجح أن يكون عاماً مضطرباً للاحتياطي الفيدرالي، فقد أوضح ترمب الخميس الماضي أنه يتوقع أن يعبّر عن رأيه بشأن سياسة معدلات الفائدة، وقال: «أنا أعرف معدلات الفائدة أفضل منهم».

في الوقت نفسه، يواجه مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي فترة حساسة للاقتصاد، حيث يريدون الحفاظ على تكاليف الاقتراض مرتفعة بما يكفي لدفع التضخم إلى العودة إلى هدفهم البالغ 2 في المائة، دون أن تكون هذه المعدلات مرتفعة للغاية لفترة طويلة، مما يؤدي إلى دفع الاقتصاد نحو الركود.

وفي آخر مرة كان فيها في البيت الأبيض، هدد ترمب بإقالة باول، الذي عينه في أواخر عام 2017، لكنه تراجع مؤخراً عن مثل هذه التهديدات. وتنتهي مدة باول رئيساً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار) 2026، وهو الوقت الذي يمكن فيه لترمب تعيين بديل له.

وحتى ذلك الحين، تشير تعليقات ترمب الخميس الماضي إلى أنه يتوقع أن يواصل انتقاد سياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي علناً، رغم التقليد الطويل للرؤساء السابقين في الابتعاد عن التدخل في سياسات البنك المركزي. وقد أعاد الرئيس السابق جو بايدن تعيين باول بدلاً من استبداله، في إشارة إلى استقلالية البنك المركزي عن السياسة.

وقال فينسنت راينهارت، كبير الاقتصاديين في «بي إن واي» للاستثمارات، والخبير الاقتصادي السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي، إن «جيروم باول لن يسمح لهجمات ترمب بالتأثير على قراراته السياسية». وقال أيضاً: «إذا كنت مهتماً باستقلاليتك، فعليك أن تتحمل الضغوط. إذا كان الأمر مجرد كلام، فهو ليس مصدر قلق بالنسبة لبنك الاحتياطي الفيدرالي. أعتقد أن باول يدرك أن هذا هو الدليل».

في الوقت نفسه، أشار مسؤولو بنك الاحتياطي الفيدرالي بوضوح إلى أنهم يتوقعون إلغاء رفع معدلات الفائدة، على الأقل في يناير (كانون الثاني)، لتقييم سوق العمل والاقتصاد. وقال محافظ بنك الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والير في وقت سابق من هذا الشهر في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي»: «في يناير، نحتاج إلى أن نرى ما الذي سيحدث». وأضاف أن مسؤولي بنك الاحتياطي الفيدرالي «يحتاجون إلى رؤية تقدم أكبر في التضخم»، رغم أنه قال أيضاً إن التضخم يقترب «بشدة» من الهدف.

وكان التضخم السنوي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2.4 في المائة فقط، وفقاً للمقياس المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، وهو قريب من هدفهم، لكنه ظل ثابتاً عند هذا المستوى لمدة نحو ستة أشهر. ومع ذلك، هناك إشارات إلى أن الأسعار قد تهدأ في وقت لاحق من هذا العام. فقد أدى ازدهار بناء الشقق إلى خفض نمو تكاليف الإيجارات، كما تباطأ التضخم في تأمين السيارات.

وقد جادل بعض المسؤولين، بما في ذلك بيث هاماك، رئيسة فرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بأن استمرار التضخم يعني أنه يجب على بنك الاحتياطي الفيدرالي الحفاظ على معدلات الفائدة مرتفعة. وصوتت هاماك ضد خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة الشهر الماضي.

وانتعش التوظيف في ديسمبر (كانون الأول)، مما عكس التراجع الذي حدث في الخريف، والذي كان قد أثار القلق في بنك الاحتياطي الفيدرالي. وكان صنّاع السياسة قد اتفقوا على خفض الفائدة بمقدار نصف نقطة في سبتمبر (أيلول) جزئياً؛ بسبب مخاوفهم من أن سوق العمل الضعيفة قد تؤدي إلى الركود. ومع ذلك، انخفض معدل البطالة إلى 4.1 في المائة في الشهر الماضي. ومن المحتمل أن يؤدي التباطؤ الحاد في التوظيف إلى دفع بنك الاحتياطي الفيدرالي لخفض الفائدة بشكل أسرع.

في ديسمبر، أشار مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي إلى أنهم يتوقعون خفض الفائدة مرتين فقط هذا العام. لكن اللجنة المكونة من 19 عضواً التي تتخذ قرارات بشأن معدلات الفائدة تبدو منقسمة بشكل واضح؛ إذ يتوقع بعض المسؤولين، مثل والير، وأوستين جولسبي رئيس فرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، أن يستمر التضخم في التراجع، وأن معدلات الفائدة لا تحتاج إلى أن تكون مرتفعة جداً. وبينما يرى آخرون، مثل هاماك، وجيفري شميد رئيس فرع بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، أن التضخم لا يزال فوق الهدف، وأن الاقتصاد في حالة صحية، ولا حاجة لخفض تكاليف الاقتراض، على الأقل ليس بشكل كبير.

ومن العوامل غير المعروفة هذا العام بالنسبة لبنك الاحتياطي الفيدرالي هو ما إذا كان ترمب سيفرض رسوماً جمركية، ومدى شمولها، وما إذا كانت ستؤدي إلى زيادة الأسعار. وقد تجبر الترحيلات الجماعية للمهاجرين أصحاب العمل أيضاً على دفع المزيد للعمال لملء الوظائف، مما قد يرفع أيضاً التضخم.

ويتوقع معظم الاقتصاديين أن الرسوم الجمركية الواسعة النطاق سترفع التضخم بنحو عدة أعشار من نقطة مئوية، وهو ليس مبلغاً كبيراً، لكنه قد يكون كافياً لبنك الاحتياطي الفيدرالي لتأجيل خفض معدلات الفائدة. وقد يستغرق الأمر شهوراً حتى يتم فرض الرسوم الجمركية رسمياً، ومن ثم تقييم تأثيرها على الاقتصاد. ولا يعتقد بعض الاقتصاديين أن التأثير سيكون واضحاً حتى العام المقبل.

وكتب كيفين وارش، محافظ سابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي وأحد المرشحين المحتملين لخلافة باول، في عمود نشره مؤخراً في صحيفة «وول ستريت جورنال» أن وعود ترمب بتقليص التنظيمات قد تدفع في الاتجاه المعاكس، عن طريق تقليل التكاليف على الشركات، وبالتالي خفض التضخم.


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

شؤون إقليمية انفجار في بحيرة جيتغر غرب طهران (شبكات التواصل)

مضيق هرمز يقيّد مخرج الحرب

رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف الضغط على إيران عبر مضيق هرمز رابطاً أي نظر في وقف إطلاق النار بإعادة فتحه

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران- تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أعضاء اتحاد الحقوق المدنية أمام المحكمة العليا في واشنطن دي سي (رويترز)

المحكمة العليا الأميركية أمام اختبار دستوري تاريخي

في سابقة تاريخية نادرة، حضر الرئيس دونالد ترمب شخصياً جلسة المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا الأميركية صباح الأربعاء

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

بعد تهديده بالانسحاب من «الناتو»… هل يدعم القانون ترمب؟

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة من الجدل في واشنطن والعواصم الأوروبية بعد تصريحاته الأخيرة التي تشير إلى أنه يدرس بجدية سحب الولايات المتحدة من «الناتو».

لينا صالح (بيروت)
الولايات المتحدة​ زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر والسيناتور الديمقراطي تيم كاين بمؤتمر صحافي بالكونغرس يوم 3 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الديمقراطيون يعوّلون على حرب إيران لقلب المعادلة الانتخابية

وضعت حرب إيران الجمهوريين في موقع دفاعي فيما منحت الديمقراطيين فرصة غير متوقّعة لشن هجوم مُكثّف وممنهج على أداء الإدارة

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تجمّع متظاهرون دعماً لحق المواطنة بالولادة خارج المحكمة العليا الأميركية في العاصمة واشنطن اليوم (أ.ف.ب)

المحكمة العليا تشكك في محاولة ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة

أثارت المحكمة العليا الشكوك بشأن محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحد من منح الجنسية بالولادة لدى حضوره المناقشات بشأن هذه القضية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.