بنك إنجلترا قد يبطئ التيسير الكمي لصد «مراقبي السندات»

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

بنك إنجلترا قد يبطئ التيسير الكمي لصد «مراقبي السندات»

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

عادت حالة اليقظة لسوق السندات البريطانية، مما أثار تساؤلات حول ضرورة أن تضطر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تشمل زيادات ضريبية قد تكون شديدة الحساسية سياسياً، أو تقليص الإنفاق العام لتهدئة القلق الزائد بين المستثمرين بشأن الوضع المالي للبلاد. وفي هذا السياق، قد تجد وزيرة الخزانة راشيل ريفز بعض الدعم من الميزانية العمومية لبنك إنجلترا.

وفي بداية عام 2025 شهدت عوائد بعض السندات الحكومية البريطانية ارتفاعاً إلى مستويات لم تُسجل منذ عام 2008، وعلى الرغم من أن هذه العوائد قد تراجعت بعد ذلك نتيجة لبيانات التضخم الضعيفة التي صدرت في ديسمبر (كانون الأول)، فإن سوق السندات في المملكة المتحدة لا يزال يواجه احتمالية رحلة غير مستقرة خلال الأشهر المقبلة، وفق «رويترز».

وتعكس هذه التقلبات في الأسواق بشكل رئيس الزيادة العالمية في عوائد السندات الحكومية، مدفوعة بالشكوك المحيطة بالسياسات التضخمية التي قد تترتب على ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية. ومع ذلك، تأثرت السندات الحكومية البريطانية أكثر من غيرها، ما يشير إلى أن هناك مخاوف خاصة تتعلق بالمملكة المتحدة، إذ يحتمل أن تؤدي السياسات التي سيتبعها حزب «العمال» إلى زيادة الديون دون تحقيق تحسن ملموس في النمو الاقتصادي.

وفي الوقت الذي كانت تحدث فيه هذه التحولات، استمر بنك إنجلترا في تنفيذ برنامج «التشديد الكمي»، حيث قام ببيع السندات الحكومية البريطانية بعد أن كان المشتري الرئيس لها على مدار سنوات. وبخلاف بنك الاحتياطي الفيدرالي، لا يكتفي بنك إنجلترا بترك الديون تتراكم على ميزانيته العمومية، بل يبيعها بنشاط.

وتبلغ قيمة سوق السندات الحكومية في المملكة المتحدة نحو 2.6 تريليون جنيه إسترليني (3.17 تريليون دولار)، وفي ذروتها، كان البنك يمتلك نحو 900 مليار جنيه إسترليني منها. وإذا استمرت خطط التيسير الكمي الحالية دون تغيير، فمن المتوقع أن ينخفض هذا الرقم إلى نحو 560 مليار جنيه إسترليني (682.09 مليار دولار) بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) 2025.

ومن المتوقع أن تصدر المملكة المتحدة سندات حكومية بقيمة 300 مليار جنيه إسترليني (365.41 مليار دولار) هذا العام، مع مبلغ مماثل في السنة المالية التالية. وفي الوقت نفسه، يخطط بنك إنجلترا لخفض حيازاته من السندات بنحو 100 مليار جنيه إسترليني (121.80 مليار دولار)، مما سيجعل السوق مضطرة لاستيعاب نحو 400 مليار جنيه إسترليني (487.21 مليار دولار) من السندات خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.

وفي حال توقف البنك عن مبيعاته، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقليص العرض بنسبة 25 في المائة، مما سيضغط بشكل كبير على العوائد. وسيكون هذا بمثابة خبر مفرح لوزيرة الخزانة ريفز، التي تواجه بالفعل مدفوعات فائدة على الدين تبلغ 105 مليارات جنيه إسترليني (127.89 مليار دولار) سنوياً، وهو مبلغ قد يرتفع إذا استمرت عوائد السندات في الارتفاع، مما سيؤثر سلباً على الموارد المتاحة لها لتعزيز الاقتصاد.

وعلى الرغم من ذلك، وبالنظر إلى موقف بنك إنجلترا، يبدو أن التوقف الكامل عن بيع السندات غير مرجح. ومن المتوقع أن يتبع البنك استراتيجية أكثر توخياً للحذر، حيث قد يقرر تباطؤ وتيرة سحب الاستثمارات، محاكياً نهج بنك الاحتياطي الفيدرالي من خلال عدم إعادة استثمار السندات المستحقة.

ولكن هناك معضلة، فقد كان أحد الأسباب التي ساعدت على تجنب الأسواق الوصول إلى حالة الفوضى التي شهدتها في عام 2022 تحت قيادة رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس هو أن ريفز كانت حريصة على احترام استقلال البنك المركزي ومكتب مسؤولية الموازنة، وهو ما لم تفعله تروس، التي كانت تسعى صراحة إلى تقليص سلطاته.

وأي إشارة إلى انتهاك هذا الاستقلال قد تثير قلق المستثمرين. لذا، إذا قرر بنك إنجلترا التدخل في السوق، فإنه يجب أن يظهر للأسواق أنه يفعل ذلك من أجل الحفاظ على تفويضه، وليس استجابة للمخاوف السياسية أو المالية.

ومن الأسباب المحتملة التي قد تدفع البنك إلى اتخاذ هذه الخطوة هو عدم استقرار السوق، حيث إن بنك إنجلترا مسؤول عن ضمان استقرار الأسواق المالية. وكانت نائبة محافظ البنك، سارة بريدن، قد أشارت في وقت سابق من الشهر الحالي إلى أن البنك يراقب الأسواق عن كثب، ولكن لا يوجد سبب حالياً للقلق.

وقد يكون السبب الآخر هو ضعف انتقال السياسة النقدية. على سبيل المثال، إذا خفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة الرسمية في اجتماعه المقبل في فبراير (شباط)، ولكن أسعار الفائدة في السوق استمرت في الارتفاع، فإن ذلك سيؤدي إلى تشديد الظروف النقدية في وقت يسعى فيه البنك إلى تخفيفها.

وقد أشار سيمون فرينش، كبير الاقتصاديين في «بانمور ليبيرم»، إلى أن تعديل برنامج التيسير الكمي لن يكون خالياً من الجدل، حيث قد يتعرض البنك للاتهام بالتحيز السياسي أو بتقديم الدعم غير المباشر للحكومة في وقت يعاني فيه الاقتصاد من ضغوط. ومع ذلك، يرى فرينش أن هذا قد يكون القرار الصائب للاقتصاد البريطاني في الوقت الراهن.

وفي النهاية، إذا تمسك بنك إنجلترا بمخطط مبيعاته، فلن يكون حريصاً على تغيير مساره. ولكن إذا استمرت تقلبات سوق السندات الحكومية في التصاعد، فقد يجد البنك نفسه مضطراً لتغيير استراتيجيته.


مقالات ذات صلة

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع هروب المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية مع هروب المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية، الجمعة، لتتجه العوائد نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري لها منذ أواخر عام 2023، مع دفع موجة بيع حادة لأسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد منظر جوي لبرج إيفل ونهر السين وأفق العاصمة الفرنسية باريس (رويترز)

فرنسا تواجه «حلقة مفرغة» من ضعف النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض

تواجه فرنسا ضغوطاً اقتصادية ومالية متزايدة، بعدما أظهرت بيانات رسمية انكماش اقتصادها على نحو غير متوقع خلال الرُّبع الثالث، بالتزامن مع تسارع التضخم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل ينظر إلى لوحة تعرض عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات خارج إحدى شركات الوساطة المالية في طوكيو (رويترز)

تفاعل محدود في الأسواق اليابانية مع قرار تثبيت أسعار الفائدة

قلّصت عوائد السندات الحكومية اليابانية تراجعها، بينما حافظ الين على مكاسبه لفترة وجيزة عقب قرار «بنك اليابان» الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد أسعار صرف الين الياباني مقابل الدولار الأميركي وعدد من العملات الأجنبية الأخرى في أحد محال الصرافة بطوكيو (رويترز)

مستشارون يابانيون يدعون إلى استخدام فائض حساب النقد الأجنبي لتمويل الإنفاق

قال أعضاء من القطاع الخاص في لجنة حكومية يابانية رئيسية، الخميس، إن بإمكان اليابان استخدام المزيد من الفائض الضخم في حسابها الخاص بالنقد الأجنبي لتمويل الإنفاق.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
الاقتصاد قطعة نقدية من فئة يورو واحد فوق أوراق نقدية باليورو (غيتي)

عوائد سندات اليورو تتراجع قبيل اجتماع «المركزي الأوروبي»

تراجعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو قليلاً، الخميس، متأثرة بتحركات أسعار النفط، وسط ترقب المستثمرين اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
TT

البنك الدولي: الهند تنتشل 496 مليوناً من براثن الفقر خلال 12 عاماً

منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)
منظر عام لدارافي أحد أكبر الأحياء الفقيرة في مومباي بالهند (رويترز)

أفاد البنك الدولي بأنَّ الهند شهدت انتشال نحو 496 مليون شخص من براثن الفقر بين عامَي 2011 و2023، وذلك في واحد من أسرع معدلات الانخفاض لهذا المؤشر على مستوى العالم، رغم أن هذه المكاسب ما زالت غير متكافئة بين جميع الفئات والمناطق.

وانخفضت نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر «أصحاب الدخل الأدنى من المتوسط» (المحدَّد بـ4.20 دولار يومياً) من 57.7 في المائة إلى 16.1 في المائة، مما يعني أن نحو نصف مليار شخص تجاوزوا هذا المستوى، وفقاً لوكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأشار البنك في تقرير نُشر هذا الشهر، إلى أن الانخفاض كان أكثر تسارعاً في فئة الفقر المدقع (المُقاس بـ3 دولارات يومياً) حيث تراجعت النسبة من 27.1 في المائة إلى 2.6 في المائة.

وكتب خبراء اقتصاد الفقر بجنوب آسيا في البنك الدولي، بقيادة أياغو وامبيلي، في التقرير أن هذا التَّحسُّن يعود «بالشكل الأساسي إلى النمو القوي في الاستهلاك، وارتفاع معدلات التوظيف، خصوصاً بين النساء، والتَّوسُّع في التحويلات الاجتماعية بما في ذلك دعم المواد الغذائية».


«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
TT

«المركزي» اللبناني يبحث مع المصارف في باريس إعادة الرسملة وآليات استرداد الودائع

مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)
مبنى «المركزي» اللبناني بمنطقة الحمرا في بيروت (أ.ب)

بحث مصرف لبنان المركزي مع عدد من المصارف اللبنانية، خلال اجتماعات تشاورية مغلقة عقدت في باريس يومَي 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول)، متطلبات إعادة رسملة القطاع المصرفي، ومعالجة الخسائر، إلى جانب تقييم السيولة المتاحة حالياً، والمتوقعة مستقبلاً، في إطار التحضير لتطبيق أي قانون مرتقب للاستقرار المالي، واسترداد الودائع.

وقال المصرف المركزي، في بيان السبت، إن الاجتماعات عقدت بمشاركة مصارف اختارتها جمعية مصارف لبنان، وبحضور مستشاريه الماليين من مؤسسة «روتشيلد وشركاه»، وتركزت على محورين رئيسين يتعلقان بقدرة المصارف على استئناف نشاطها مستقبلاً، وتحديد الموارد المتاحة للوفاء بالتزامات إعادة الودائع إلى أصحابها.

وأوضح أن المحور الأول تناول متطلبات إعادة رسملة المصارف بما يتيح لها استئناف نشاطها، فضلاً عن استيعاب الخسائر الناجمة عن الاختلالات والمطالبات غير المنتظمة التي سبق لمصرف لبنان تحديدها، على أن يجري تحديدها وفق أحكام القانون المرتقب.

أما المحور الثاني، فقد تناول مستويات السيولة الحالية والمستقبلية في النظام المصرفي، بما يشمل الأصول التي يمتلكها مصرف لبنان المركزي، والمصارف، ويمكن تحويلها إلى سيولة نقدية، بهدف تحديد الموارد الفعلية المتاحة لتسديد الودائع.

ونفى مصرف لبنان ما وصفه بـ«معلومات مغلوطة» تداولتها بعض وسائل الإعلام بشأن مشاركة أطراف أخرى في الاجتماعات، موضحاً أن طبيعتها لم تستدعِ حضور أي جهات إضافية، وأن الموضوعات المطروحة تندرج حصراً ضمن نطاق اهتمام المصرف المركزي، والمصارف.

وأضاف أن هذه الاجتماعات تأتي ضمن عملية مراجعة وتقييم تحوطي يجريها مصرف لبنان المركزي لتحديد حجم المبالغ التي يمكن إعادتها إلى المودعين، والمهل الزمنية الواقعية اللازمة لذلك، استناداً إلى أسس وصفها بالموثوقة، والعقلانية، والقابلة للتنفيذ، تفادياً لإطلاق وعود تتجاوز الإمكانات الفعلية.

وأكد المصرف المركزي أن المصارف تمثل شريكاً كاملاً في عملية إعادة الودائع، إلى جانب الدولة اللبنانية، ومصرف لبنان، كما وصفها بأنها المحرك الأساسي للتعافي الاقتصادي المستقبلي، مشدداً على أن تحقيق النمو المستدام يتطلب دورة ائتمانية فاعلة تتيح للمؤسسات والأفراد الحصول على التمويل اللازم للاستثمار، والإنتاج، والنشاط الاقتصادي.

وفي سياق متصل، أشار البيان إلى أن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، الذي شارك في جزء من الاجتماعات، أجرى في باريس مشاورات ولقاءات رفيعة المستوى شملت حاكم مصرف فرنسا، ومسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية معنيين بمكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب.

كما التقى الحاكم ممثلين عن عدد من مكاتب المحاماة التي تتولى، بالنيابة عن مصرف لبنان المركزي، متابعة دعاوى قضائية في فرنسا ودول أخرى ضد مسؤولين سابقين في المصرف، وأعوانهم، على خلفية قضايا تتعلق باختلاس أموال من المصرف، والاحتيال، والإثراء غير المشروع.


20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
TT

20 دقيقة هزّت عالم العملات المشفرة... وفتحت معركة المليارات

شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)
شعار منصة «باينانس» وشفرة برمجية للمخترقين (رويترز)

في غضون نحو 20 دقيقة، اختفت أصول رقمية تتجاوز قيمتها 6.3 مليار دولار من محافظ مرتبطة بمنصة «باينانس»، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم. إنها لم تكن مجرد عملية اختراق إلكتروني عابرة؛ بل واحدة من أضخم عمليات السرقة في تاريخ الأصول الرقمية، وكشفت ثغرات أمنية خطيرة في صناعة تسعى إلى ترسيخ حضورها داخل النظام المالي العالمي.

وتشير تقديرات شركات متخصصة في تحليل التعاملات عبر تقنية «البلوك تشين»، إلى أن الهجوم يقف وراءه قراصنة مرتبطون بكوريا الشمالية، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد الطريقة الدقيقة التي مكّنتهم من اختراق أنظمة المنصة والوصول إلى المحافظ الرقمية وتحويل الأموال.

تمثيل للعملات المشفرة في صورة توضيحية (رويترز)

اختراق بدأ من حاسوب مهندس

لم تتضح بعد جميع تفاصيل الهجوم، لكن التحقيق الأولي الذي أجرته «باينانس» أشار إلى احتمال تعرض حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي الشركة للاختراق، قبل أن تكشف التحقيقات اللاحقة «نقاط اختراق إضافية».

وقال الرئيس المشارك للمنصة، ريتشارد تنغ، إن الهجوم كان معقداً ولم ينفذه شخص واحد، مشيراً إلى استخدام المهاجمين أساليب متطورة، من بينها آلية برمجية للتدمير الذاتي صعّبت مهمة تحديد مسار الاختراق وآثاره.

وبحسب شركة «تي آر إم لابس» المتخصصة في استخبارات «البلوك تشين»، جرى نقل نحو 6.36 مليار دولار من محافظ «باينانس» عبر عشر شبكات «بلوك تشين»، مع تنفيذ الجزء الأكبر من العملية خلال نحو 20 دقيقة.

وتشير هذه السرعة إلى أن المهاجمين لم يكتفوا بالوصول إلى الأنظمة؛ بل تمكنوا أيضاً من تنفيذ تحويلات واسعة قبل احتواء الاختراق، وهو ما يسلّط الضوء على أهمية أنظمة الرقابة والموافقات الأمنية التي تتحكم في حركة الأصول الرقمية.

أصابع الاتهام تشير إلى كوريا الشمالية

وجهت شركات تحليل العملات المشفرة، ومن بينها «تي آر إم لابس» و«تشين أناليسيس» و«إيليبتك»، أصابع الاتهام إلى مجموعة «تريدر ترايتور»، المعروفة أيضاً باسم «مجموعة لازاروس»، والمرتبطة بكوريا الشمالية.

وقالت «تي آر إم لابس» إنها توصلت إلى هذا التقييم بدرجة عالية من الثقة، مستندةً إلى أوجه تشابه بين الهجوم على «باينانس» وعمليات سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها.

وتُتهم كوريا الشمالية باستخدام عمليات القرصنة الإلكترونية وسرقة العملات المشفرة مصدراً للعملات الأجنبية، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها. وكانت مجموعة «تريدر ترايتور» قد اتُّهمت بالوقوف وراء اختراق منصة «بايبت» في فبراير (شباط) 2025، الذي أسفر عن سرقة نحو 1.5 مليار دولار، في واحدة من كبرى عمليات السطو السابقة على قطاع العملات المشفرة.

وتقول شركات تحليل «البلوك تشين» إن جزءاً من الأموال المسروقة من «باينانس» يتداخل مع أموال مرتبطة باختراق حديث لمنصة «بيتغيت»، كانت قد نسبت الهجوم فيه إلى بيونغ يانغ.

وعندما سُئل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال تورط قراصنة كوريين شماليين في الهجوم، قال للصحافيين في البيت الأبيض، إن السلطات الأميركية «تبحث في الأمر»، من دون تأكيد المسؤولية.

شاشة في بورصة «سي بي أو إي غلوبال ماركتس» تعرض أسعار عقود «البيتكوين» النقدية والمستقبلية - شيكاغو (أرشيفية - أ.ف.ب)

كيف تُسرق عملات لا يمكن تزوير سجلاتها؟

تكمن المفارقة في أن العملات المشفرة تقوم على تقنية «البلوك تشين»، وهي سجل رقمي موزع يوثق المعاملات ويجعل التلاعب بتاريخها بالغ الصعوبة، لكن ذلك لا يعني أن الأموال نفسها محصنة ضد السرقة.

فالعملات المشفرة لا تُخزّن فعلياً داخل المحافظ الرقمية، وإنما تسجل ملكيتها وحركتها على شبكة «البلوك تشين»، بينما تحتفظ المحافظ بالمفاتيح الخاصة، وهي رموز رقمية طويلة تتيح لصاحبها التصرف في الأصول ونقلها.

ومن يحصل على هذه المفاتيح يستطيع تحويل الأموال من دون الحاجة إلى اختراق سجل المعاملات أو تزويره. ولذلك يركز القراصنة على الوصول إلى المفاتيح الخاصة أو الأنظمة التي تمنح صلاحية تنفيذ التحويلات.

وتتنوع أساليب الهجوم بين استغلال الثغرات البرمجية، واستخدام البرمجيات الخبيثة، وخداع الموظفين عبر رسائل التصيد الإلكتروني أو أساليب الهندسة الاجتماعية، التي تعتمد على التلاعب بالأشخاص للحصول على بيانات الدخول أو صلاحيات الوصول.

وحتى المحافظ المادية غير المتصلة بالإنترنت ليست بمنأى عن المخاطر؛ إذ سبق أن تعرضت أصول بعض مستخدمي شركة «ليدجر» الفرنسية لسرقة عبر برمجيات خبيثة أُدرجت في أجهزة بيعت من خلال أحد الموزعين.

وفي حالة «باينانس»، أكد تنغ أن محفظة ساخنة تابعة للمنصة؛ أي محفظة متصلة بالإنترنت لتسهيل عمليات السحب والتحويل، تأثرت بالهجوم. وأوضح أن غالبية أصول المستخدمين محفوظة في محافظ باردة غير متصلة بالإنترنت، ولا تُنقل إلى المحافظ الساخنة إلا عند الحاجة إلى تنفيذ عمليات السحب.

3 مليارات دولار جُمّدت

قالت «باينانس» إنها خصصت أكثر من 6.34 مليار دولار من أموال الشركة لتغطية الأصول المسروقة، مؤكدة أنها بدأت العمل على استعادة الأصول لمصلحة المستخدمين.

وأوضحت أنها تمكنت، بالتعاون مع شركائها من شركات البنية التحتية ومصدري العملات الرقمية، من تجميد نحو 3 مليارات دولار من الأصول المتأثرة بالاختراق؛ أي ما يقارب نصف المبلغ.

وأعلنت شركة «تيذر»، المصدرة للعملة المستقرة «يو إس دي تي»، تجميد نحو 1.57 مليار دولار مرتبطة بالهجوم، فيما قالت شركة «سيركل» إنها جمدت 800 مليون دولار.

لكن تجميد الأموال لا يعني استعادتها فعلياً، كما أن جزءاً من الأصول التي لم يشملها التجميد بدأ بالفعل يتحرك عبر معاملات وتحويلات رقمية، وفقاً لمحللين.

وتكمن الصعوبة في أن القراصنة يستطيعون اللجوء إلى ما يُعرف بـ«خلاطات العملات المشفرة»، وهي أدوات تجمع أصولاً رقمية من مصادر متعددة ثم تعيد توزيعها، بهدف إخفاء مسارات التحويل وتعقيد تحديد مصدر الأموال.

كما يمكنهم تحويل الأصول المسروقة أو استخدامها في معاملات مع أطراف أخرى، بما يزيد صعوبة تعقبها واستعادتها.

وفي هذا السياق، يرى ستيفان إفره، المحلل في شركة «كوينهاوس»، أن القراصنة قد يلجأون إلى دفع العملات الرقمية المسروقة لشركاء في روسيا أو الصين، على أن يتولوا بدورهم إخفاء مصدرها غير المشروع.

مستثمر في العملات المشفرة يتابع أحدث أسعار «البيتكوين» عبر هاتفه الذكي - هانوي (أ.ف.ب)

المنصات المنافسة تتحرك لتعزيز دفاعاتها

لم تتوقف تداعيات الاختراق عند «باينانس»؛ إذ سارعت منصات منافسة إلى مراجعة أنظمتها الأمنية واتخاذ إجراءات احترازية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قطاع العملات المشفرة لإثبات قدرته على حماية أموال المستخدمين، مع اتساع اندماجه في النظام المالي التقليدي.

وقالت منصة «كوينبيس» إنها أجرت تعديلات على الأنظمة المستخدمة في تخزين مفاتيح العملات المشفرة غير المتصلة بالإنترنت، مؤكدة أن الخطوة جاءت من باب الاحتياط. كما أعلنت منصة «كراكن» أنها تراقب الحوادث الأمنية في القطاع لاستخلاص الدروس وتطبيقها على أنظمتها الدفاعية.

ودعا مسؤولون في القطاع إلى تعزيز تبادل المعلومات بين المنصات، وتطوير آليات مشتركة للكشف المبكر عن الاختراقات والاستجابة السريعة لها.

وقال ستار شو، الرئيس التنفيذي لمنصة «أو كي إكس»، إن القطاع يحتاج إلى نظام إنذار فوري يتيح للشركات تبادل المعلومات بمجرد وقوع الاختراق، وتنسيق الاستجابة، والتعاون في تجميد الأموال المشبوهة.

من جهته، قال كريس بيركنز، رئيس قطاع العملات المشفرة في شركة «فرنكلين تمبلتون»، إن تعزيز الأمن بات ضرورة ملحة حتى يتمكن القطاع من تحقيق إمكاناته الكاملة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه إدارة ترمب على توسيع حضور الأصول الرقمية داخل النظام المالي الأميركي، وهو ما يرفع أهمية حماية المنصات والبنية التحتية التي تتعامل معها، بالنظر إلى اتساع نطاق المخاطر المحتملة مع تزايد ارتباط العملات المشفرة بالمؤسسات المالية التقليدية.

هزة في السوق وأسئلة بشأن مستقبل الأمان

انعكست أنباء الاختراق سريعاً على أسواق العملات المشفرة؛ إذ تراجع سعر «بيتكوين» بأكثر من 4 في المائة، بينما هبطت «إيثريوم»، ثانية كبرى العملات الرقمية، بأكثر من 5 في المائة، قبل أن تستعيد العملتان جزءاً من خسائرهما خلال تداولات الجمعة.

ورغم حجم العملية، استبعد مسؤولون في القطاع أن تتسبب الواقعة في خسائر واسعة النطاق لبقية المنصات، معربين عن ثقتهم في قدرة «باينانس» على تغطية الأصول المتضررة.

لكن الحادثة أعادت طرح سؤال جوهري بشأن مدى قدرة صناعة العملات المشفرة على مواكبة المخاطر الأمنية المتصاعدة، خصوصاً مع تطور أساليب القرصنة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات.

وقال آندي وورد، نائب الرئيس الأول في شركة «أبسولوت سيكيوريتي»، إن الهجمات الإلكترونية بهذا المستوى باتت مسألة توقيت أكثر منها احتمالاً بعيداً، محذراً من أن تطور التهديدات واتساع نطاقها قد يقودان إلى عمليات اختراق أكبر وخسائر مالية أشد.

أما بالنسبة إلى «باينانس»، التي تقول إن قاعدة مستخدميها تبلغ 335 مليوناً، فإن التحدي لا يقتصر على تغطية الخسائر المالية، بل يمتد إلى استعادة ثقة المستخدمين، وإثبات أن أكبر منصة لتداول العملات المشفرة قادرة على حماية أصولهم في مواجهة هجمات بهذا الحجم.

حقائق

اختراق «باينانس» بالأرقام

  • ​ 6.36 مليار دولار: قيمة الأصول التي استولى عليها القراصنة.
  • 20 دقيقة: المدة التي نُقل خلالها الجزء الأكبر من الأموال من محافظ المنصة.
  • 10 شبكات «بلوك تشين»: امتدت إليها عمليات تحويل الأصول المسروقة.
  • نحو 3 مليارات دولار: قيمة الأصول التي جُمّدت بمساعدة شركاء في قطاع العملات المشفرة.
  • 6.34 مليار دولار: حجم الأموال التي خصصتها «باينانس» لتغطية الأصول المسروقة وتعويض المستخدمين.
  • 5 مليارات دولار: قيمة الأصول المتأثرة التي قالت الشركة إنها تحتفظ بها.