فرنسا تواجه عجزاً تاريخياً وموازنتها التقشفية تُثير الغضب

حكومة بارنييه تكشف عن ضرائب مرتفعة وتخفيضات إنفاقية

متظاهر يحمل علم فرنسا بعد النتائج الجزئية للجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المبكرة في باريس (رويترز)
متظاهر يحمل علم فرنسا بعد النتائج الجزئية للجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المبكرة في باريس (رويترز)
TT

فرنسا تواجه عجزاً تاريخياً وموازنتها التقشفية تُثير الغضب

متظاهر يحمل علم فرنسا بعد النتائج الجزئية للجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المبكرة في باريس (رويترز)
متظاهر يحمل علم فرنسا بعد النتائج الجزئية للجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المبكرة في باريس (رويترز)

كشفت الحكومة الفرنسية الجديدة عن مشروع موازنة تقشفية لعام 2025، تتضمن خططاً لزيادات ضريبية كبيرة وتخفيضات في الإنفاق تهدف إلى معالجة العجز الضخم في البلاد.

ووصف رئيس الوزراء ميشال بارنييه، المحافظ، الثغرة الهائلة في المالية العامة بأنها «سيف داموكليس» الذي يمكن أن يدفع ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو «إلى حافة الهاوية»، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ومع ذلك، أثارت خطط الموازنة غضب الكثيرين في البلاد ومن المتوقع أن يتم مناقشتها بشدة في البرلمان في الأسابيع المقبلة، مع تعليق بقاء حكومته على المحك.

كيف انتهى الأمر بفرنسا إلى عجز كبير؟

تتمتع فرنسا بمستوى مرتفع من الإنفاق العام مدفوعاً ببرامج الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم السخية - وعبء ضريبي ثقيل يقل عن تغطية التكاليف. على مدى أكثر من عقدين، كافحت البلاد للحفاظ على عجزها دون هدف الاتحاد الأوروبي البالغ 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

ازدادت ديون فرنسا بشكل كبير بسبب التباطؤ الاقتصادي الناجم عن جائحة كوفيد-19. وطبق الرئيس إيمانويل ماكرون استراتيجية «مهما كانت التكلفة» قائمة على تدخل الدولة لإنقاذ الوظائف والشركات، بما في ذلك برنامج البطالة الجزئية الضخم وإجازة رعاية الأطفال المدعومة.

وفي أعقاب أزمة الفيروس، تعهدت الحكومة السابقة لماكرون بإعادة المالية العامة للبلاد إلى مسارها الصحيح. لكن تجاوزات الموازنة والإيرادات الضريبية الأقل من المتوقع حفرتا حفرة أكبر. ومن المتوقع أن يصل عجز الموازنة هذا العام إلى 6.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعهد بارنييه، الذي تم تعيينه في سبتمبر (أيلول) بعد انتخابات تشريعية مفاجئة، بخفضه إلى 5 في المائة في العام المقبل.

لماذا يهم هذا الأمر؟

تواجه فرنسا ضغطاً من الهيئة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لخفض ديونها. وقد وضعتها الهيئة في وقت سابق من هذا العام تحت إجراء رسمي بشأن الدول التي تعاني من ديون مفرطة، وهي الخطوة الأولى في عملية طويلة قبل أن يتم احتواء الدول الأعضاء ودفعها لاتخاذ إجراءات تصحيحية.

وقرر بارنييه تأجيل الموعد المستهدف لتحقيق هدف العجز البالغ 3 في المائة في منطقة اليورو من عام 2027 إلى عام 2029.

كما يؤثر الوضع على مصداقية فرنسا في الأسواق المالية، مما يجعل تكاليف اقتراضها ترتفع.

وقال محافظ «بنك فرنسا» فرنسوا فيلروي دي غالهاو لإذاعة «فرنس إنفو»: «فرنسا في وضع عائلة تعيش فوق إمكاناتها. لذلك يجب عليها تقليل نفقاتها وزيادة دخلها قليلاً. أولاً، نحتاج إلى التحكم في إنفاقنا، لأنه عند مقارنة فرنسا بجيراننا الأوروبيين، لدينا نفس النموذج الاجتماعي، ونفس نموذج الخدمة العامة، لكنها تكلفنا الكثير أكثر».

وأضاف: «نحتاج إلى جهد من الجميع تقريباً».

ما الدواء المقترح من بارنييه؟

كشفت حكومة بارنييه عن خطط لتقليص الموازنة بمقدار 60 مليار يورو (65 مليار دولار) العام المقبل. وهذا يتضمن زيادة الضرائب - وهي خطوة محفوفة بالمخاطر في بلد معروف بالفعل بعبء الضرائب الثقيل.

تشمل الخطط إنشاء ضرائب جديدة - مقدمة على أنها مؤقتة - على حوالي 24 ألف أسرة من الأثرياء وعلى الأرباح داخل فرنسا لمئات الشركات الكبرى.

كما يهدف مشروع القانون إلى زيادة الضرائب على الكهرباء والسفر الجوي والسيارات الملوِّثة.

كما تسعى الحكومة إلى تقليص الإنفاق، بما في ذلك تجميد المعاشات التقاعدية الحكومية لمدة ستة أشهر العام المقبل وتقليل الدعم للتدريب المهني والعقود المدعومة.

كما يواجه برنامج الضمان الاجتماعي الفرنسي السخي تخفيضات في الإنفاق، من خلال تدابير مثل خفض المبالغ المستردة للتكاليف الطبية وإجازة المرض.

ومن المتوقع أن يتم الحفاظ على موازنة الدفاع، التي تلقت دفعة كبيرة بعد الحرب في أوكرانيا.

من سيتأثر أكثر من خلال التخفيضات المقترحة؟

ينتقد النواب اليساريون المعارضون والنقابات العمالية «موازنة التقشف» باعتبارها غير عادلة، قائلين إنها يمكن أن تؤثر بشكل عميق على ملايين الأسر ذات الدخل المنخفض، والتلامذة، والمتقاعدين، والشركات الصغيرة.

وقال النائب اليساري المتشدد إريك كوكييريل، رئيس لجنة المالية في الجمعية الوطنية: «التخفيضات في الإنفاق العام والشبكة الاجتماعية لها تأثير أكبر على حياة الطبقات العاملة والمتوسطة».

وقالت نقابة «سي جي تي» العمالية اليسارية المتشددة: «يتم مطالبة الموظفين والمتقاعدين مرة أخرى بدفع الفاتورة».

كما انتقدت نقابة «سي إف دي تي»، وهي نقابة يسارية أكثر اعتدالاً، خطط بارنييه، محذرة من «تدهور كبير في الخدمات العامة مثل التعليم، وإضعاف نظام الرعاية الصحية لدينا بشكل أكبر».

وحذرت أيضاً نقابات أرباب العمل من التأثير المحتمل لزيادات الضرائب على الشركات، بما في ذلك فقدان الوظائف المحتمل. وقال اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم (سي بي إم إي) إن خطط الحكومة «ستؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشركات».

قضية حاسمة للحكومة؟

سيتم مناقشة معركة الموازنة بشراسة في مجلس النواب، حيث يفتقر الائتلاف الحاكم إلى الأغلبية.

وتنقسم الجمعية الوطنية الفرنسية إلى ثلاث كتل رئيسية: الجبهة الشعبية الجديدة اليسارية، وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، وحلفاء ماكرون الوسطيين الذين عقدوا اتفاقاً مع المحافظين ليكونوا قادرين على الحكم.

وأثار نهج بارنييه في الموازنة غضب الكثيرين، بما في ذلك الوسطيون داخل ائتلافه الذي يرى أن خفض الضرائب هو شرط أساسي للحفاظ على تنافسية فرنسا في العالم.

وسعى نواب المعارضة اليسارية إلى تعديل مشروع القانون لاحقاً، بينما انتقد البعض في اليمين المتطرف خططاً للحصول على تنازلات كبيرة من الطبقات الدنيا والمتوسطة.

ومع تعليق بقائها على المحك، قد تضطر الحكومة إلى التراجع عن بعض التدابير المخطط لها لأن فقدان تصويت على الموازنة سيؤدي إلى أزمة سياسية عميقة.

ويضطر بارنييه إلى الاعتماد على حسن نية اليمين المتطرف لتجنب الإطاحة به من خلال تصويت عدم الثقة.

ومن الخيارات الأخرى المتاحة للحكومة استخدام سلطة دستورية خاصة لإقرار الموازنة دون تصويت، لكن هذا يمكن أن يؤدي أيضاً إلى اقتراح عدم الثقة، مع نتيجة غير مؤكدة.

ويجب أن يتم إقرار مشروع قانون الموازنة بحلول نهاية العام.

وقالت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني الأسبوع الماضي، إن «التشرذم السياسي والحكومة الأقلية تُعقد قدرة فرنسا على تنفيذ سياسات التقشف المالي المستدامة»، حيث خفضت توقعات فرنسا من «مستقرة» إلى «سلبية».


مقالات ذات صلة

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد صورة جوية تُظهر برج إيفل ونهر السين وأفق مدينة باريس (رويترز)

في مفاجأة إيجابية... عجز الموازنة الفرنسية ينخفض إلى 5.1 % في 2025

تلقّت الحكومة الفرنسية مفاجأة إيجابية يوم الجمعة مع تسجيل عجز الموازنة العامة انخفاضاً أكبر من المتوقع في 2025، إذ بلغ 5.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد راشيل ريفز تغادر «داونينغ ستريت» لتقديم توقعاتها الاقتصادية الربيعية أمام البرلمان في لندن 3 مارس 2026 (إ.ب.أ)

ريفز تؤكد الالتزام باستقرار الاقتصاد البريطاني وسط مخاوف الشرق الأوسط

أكدت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، في خطابها أمام البرلمان، الثلاثاء، أن الحكومة ستعمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خزان يحتوي على غاز البترول المُسال يجري تفريغه من سفينة في ميناء تانجونغ بريوك في جاكرتا (رويترز)

إندونيسيا تتجه لتعزيز واردات النفط الأميركي لتعويض نقص إمدادات الشرق الأوسط

أعلن وزير الطاقة والموارد المعدنية الإندونيسي، باهليل لاهاداليا، يوم الثلاثاء، أن بلاده ستعزز وارداتها من النفط الخام من الولايات المتحدة لتعويض أي نقص محتمل.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
الاقتصاد خلال اللقاء بين بيسنت وغورغييفا لإتمام مراجعة المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي (إكس)

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».