بريطانيا تفرض ضرائب على المدارس الخاصة لدعم التعليم الرسمي

عقب سنوات من التقشف في الإنفاق الحكومي

طلاب أمام إحدى المدارس في مدينة غلاسكو الأسكوتلندية (أ.ف.ب)
طلاب أمام إحدى المدارس في مدينة غلاسكو الأسكوتلندية (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تفرض ضرائب على المدارس الخاصة لدعم التعليم الرسمي

طلاب أمام إحدى المدارس في مدينة غلاسكو الأسكوتلندية (أ.ف.ب)
طلاب أمام إحدى المدارس في مدينة غلاسكو الأسكوتلندية (أ.ف.ب)

قررت الحكومة البريطانية العمالية الجديدة فرض ضرائب على المدارس الخاصة لتوفير مزيد من الموارد للتعليم الرسمي، واستحداث آلاف الوظائف للمدرسين، إلا أن هذا الإجراء يُثير قلق عائلات تقتصد في نفقاتها لتتمكن من إرسال أبنائها إلى مؤسسات خاصة.

ويؤكد رئيس الوزراء، كير ستارمر، الذي تولّى منصبه بعد الانتخابات التشريعية في 4 يوليو (تموز) الماضي، أنه «ليس لديه أي شيء ضد المدارس الخاصة» التي يتعلم فيها نحو 600 ألف طفل، أو 6.5 بالمائة من الطلاب البريطانيين.

لكن كير ستارمر، الذي التحق ولداه بمدرسة عامة في الحي الذي يقطن فيه شمال لندن، قال إن «لدى جميع الأهل طموحات لأولادهم». وأضاف: «بالنسبة للطلاب في المدارس العامة الذين لا يتم توظيف الأساتذة الذين يحتاجون إليهم... هذا الأمر يطرح مشكلة مدى الحياة».

وبعد سنوات من التقشف في الخدمات العامة، وتفاقم مستويات التفاوت، أكدت الحكومة في يوليو إلغاء الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة على أقساط المدارس الخاصة. ويهدف الإجراء إلى تحقيق مكاسب قدرها 1.6 مليار جنيه إسترليني (1.9 مليار يورو)، ما يتيح توظيف 6500 معلم جديد في القطاع العام.

وستفرض ضريبة بنسبة 20 بالمائة على المدارس الخاصة اعتباراً من الأول من يناير (كانون الثاني) المقبل، ما سيترجم بزيادات كبيرة في الأقساط.

ويبلغ متوسط النفقات الدراسية للطالب 18 ألف جنيه إسترليني (21 ألفاً و390 يورو) في المدارس الخاصة، وفقاً لمجلس المدارس المستقلة (ISC) الذي يمثل المدارس الخاصة. وترتفع النفقات إلى 42 ألف جنيه إسترليني (ما يقارب 50 ألف يورو) في «المدارس الداخلية» النخبوية المشهورة في جميع أنحاء العالم، التي التحق بها كثير من أبناء الطبقات الحاكمة.

وإذا كانت الأسر التي ترسل أولادها إلى هذه المدارس المرموقة قادرة على تحمل الزيادات، فإن تأثير المشكلة يتجاوز الأكثر ثراءً.

وتنشر شهادات الأهالي القلقين بكثافة في الصحف منذ أشهر. ويقول البعض إنهم سيضطرون إلى تأجيل تقاعدهم أو تغيير وظائفهم أو الاستعانة بأهلهم، وينوي آخرون الانتقال للعيش قرب مدرسة عامة جيدة.

وتعتزم، أماكا نوابويزي، البحث عن وظيفة ثانية. وتقول المحللة المالية، البالغة 45 عاماً، التي تقوم بتربية أولادها الثلاثة بمفردها: «سأضطر إلى العمل في عطلات نهاية الأسبوع، ما يعني أنني بالكاد سأرى أولادي».

والتحق ولداها الكبيران، وهما في المرحلة الثانوية، بمدارس نخبوية تُخضع المتقدمين لامتحانات القبول. لكن ابنها الصغير رسب في الامتحان. وقالت إنه نُصح بالتوجه إلى مدرسة أخرى ترتيبها «الأسوأ في حيّنا» في العاصمة.

وتضيف: «لا أستطيع أن أخرج طفلي من مدرسة ابتدائية خاصة وأضعه في مؤسسة تربوية فاشلة». وهي تستعد لدفع ما يصل إلى 4 آلاف جنيه إسترليني (4760 يورو) إضافية سنوياً. وتتابع: «يتسبب ذلك في ارتفاع ضغطي».

ويؤكد توني أولتون، مدير مدرسة هولم في أولدهام شمال إنجلترا، التي تستقبل 730 تلميذاً تتراوح أعمارهم بين عامين و18 عاماً: «هناك قلق حقيقي». وينتقد إجراء يُعدّ أنه يستند خطأ إلى «فكرة أن جميع الذين يرسلون أولادهم إلى مدارس خاصة أثرياء».

ويضيف: «الأهل في مدرستي في الأساس من الطبقة العاملة أو الطبقة المتوسطة الدنيا. يعمل كثير منهم في وظيفتين لدفع الرسوم المدرسية، ويؤثرون تعليم أبنائهم قبل أي شيء آخر». البعض لا يأخذ حتى إجازة.

ويبحث هؤلاء الأهل بشكل خاص عن فصول يكون عدد الطلاب فيها محدوداً، أو مؤسسات تربوية ذات حجم متواضع. لكن الآن على حد قوله: «تقول بعض العائلات إنها ستضطر إلى البحث عن خيار آخر».

ويؤكد المعارضون للإصلاح أن أعداد الموظفين في القطاع العام سترتفع إلى حد كبير في حال حدوث استنزاف في القطاع الخاص، ما يزيد من الكلفة على الدولة... لكن الدراسات تناقض هذه الفرضية. ويقدر معهد الدراسات المالية (IFS) تراجع عدد الأطفال في المدارس العامة بحلول عام 2030 بسبب تراجع عدد السكان.

ووفقاً لكثير من مراكز الأبحاث، زاد التفاوت بين القطاعين الخاص والعام بشكل كبير في عهد المحافظين الذين ظلوا في السلطة 14 عاماً.

ويقول هاري كويلتر بينر، مدير معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR): «زادت الرسوم الدراسية بشكل كبير في المدارس الخاصة، في حين تم تخفيض الإنفاق العام حتى العام الماضي».

وتابع: «اضطرت المدارس العامة إلى الابتكار» للبقاء ضمن ميزانيتها من دون الإضرار بالطلاب. وأضاف: «الحكومة العمالية تدعو المدارس الخاصة إلى أن تحذو حذوها».


مقالات ذات صلة

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

الاقتصاد زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو التجارة العالمية بعدما أدى الطلب المتسارع على الرقائق إلى تعزيز الصادرات والاستثمارات الآسيوية

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد رجل على دراجة في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ب)

صندوق النقد يخفض توقعات نمو الصين إلى 4.5 %

خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني خلال عام 2026 إلى 4.5 في المائة، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد «البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

«صندوق النقد» يتوقع رفع الفائدة اليابانية تدريجياً

توقع «صندوق النقد الدولي» أن يواصل «بنك اليابان» رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو المستوى المحايد، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الطاقة...

الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجع عوائد السندات في منطقة اليورو وسط موجة بيع أسهم التكنولوجيا

تراجعت عوائد السندات في منطقة اليورو، الثلاثاء، بالتوازي مع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ولا سيما السندات طويلة الأجل، مع دفع موجة بيع أسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسواق الأوروبية ترتفع بدعم من تراجع أسعار النفط

ارتفعت الأسهم الأوروبية، الثلاثاء، بدعم من تراجع أسعار النفط، الذي عزز شهية المستثمرين للمخاطرة، في حين تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» تعزز سيولة القطاع السكني بإصدار جديد

مبنى الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (الشركة)
مبنى الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (الشركة)
TT

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» تعزز سيولة القطاع السكني بإصدار جديد

مبنى الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (الشركة)
مبنى الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (الشركة)

أعلنت الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC)، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، إطلاق الإصدار الثاني من الأوراق المالية المدعومة بالتمويلات العقارية السكنية (RMBS)، في خطوة نوعية لتطوير سوق التوريق في المملكة.

ويستند الإصدار الثاني إلى محفظة من التمويلات العقارية السكنية تبلغ قيمتها نحو 420 مليون ريال (112 مليون دولار)، منشأة من ست جهات تمويلية.

وحصلت الأوراق المالية على تصنيف «AAAsf (sau)» على المقياس الوطني من وكالة «فيتش»، مع نظرة مستقبلية مستقرة، فيما منحتها وكالة «موديز» تصنيف «Aaa.sa (sf)» على المقياس الوطني، ويُعد الإصدار الأول محلياً من هذه الفئة الذي يحصل على تصنيفات ائتمانية معلنة من الوكالتين، وهما أعلى فئتَي تصنيف على المقياس الوطني لدى كل منهما.

وقال وزير البلديات والإسكان، رئيس مجلس إدارة الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري، ماجد الحقيل، إن تطوير السوق الثانوية للتمويل العقاري يمثل ركيزة أساسية لتعزيز كفاءة منظومة التمويل السكني، من خلال توسيع مصادر السيولة طويلة الأجل، وتنويع الأدوات الاستثمارية، وتعزيز ارتباط التمويل العقاري بأسواق رأس المال.

وأضاف أن تطوير السوق الثانوية يتجاوز توفير السيولة إلى بناء منظومة أكثر تكاملاً، تتيح لجهات التمويل إدارة رؤوس أموالها بكفاءة، وتدعم استدامة مصادر التمويل وقدرة القطاع على تلبية الاحتياجات السكنية المتنامية.

من جانبه، أوضح الرئيس التنفيذي للشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري، مجيد العبد الجبار، أن الإصدار الثاني يبني على الإصدار الأول الذي أطلقته الشركة في أغسطس (آب) 2025، ويضيف إليه تصنيفات ائتمانية مستقلة تعزز وضوح الخصائص الائتمانية للأصول، وتتيح تقييمها وفق معايير معتمدة.

وأشار إلى أن الإصدار يدعم توفير مصادر تمويل طويلة الأجل لجهات التمويل العقاري، وتعزيز السيولة المتاحة لديها، ورفع كفاءة إدارة رأس المال، بما يسهم في استدامة التمويل العقاري السكني وتطوير السوق الثانوية في المملكة.


جلسة حوارية بمؤتمر البترول العالمي تسلط الضوء على دور السعودية في صياغة مستقبل الطاقة

جانب من الجلسة الحوارية الرئيسية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسة الحوارية الرئيسية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

جلسة حوارية بمؤتمر البترول العالمي تسلط الضوء على دور السعودية في صياغة مستقبل الطاقة

جانب من الجلسة الحوارية الرئيسية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسة الحوارية الرئيسية ضمن أعمال مؤتمر البترول العالمي في الرياض (الشرق الأوسط)

شهدت أعمال مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين انعقاد جلسة حوارية رئيسية بعنوان «الشراكة من أجل النجاح التحديات والفرص»، سلّطت الضوء على دور المملكة المتقدم في صياغة مستقبل قطاع الطاقة العالمي، والتحول الاستراتيجي المستند إلى التكنولوجيا الحديثة والتكامل التشغيلي والاعتماد على الكوادر والموارد الوطنية.

شارك في الجلسة كلٌّ من رئيس مجلس إدارة شركة «أكوا باور» محمد أبو نيان، والرئيس التنفيذي والعضو التنفيذي في مجلس إدارة «سابك» الدكتور فيصل بن محمد الفقير، ونائب الرئيس التنفيذي لشؤون الغاز في شركة «أرامكو السعودية» عبد الكريم الغامدي.

وأوضح أبو نيان، خلال مشاركته في الجلسة، أن منظومة وزارة الطاقة والدعم الحكومي المستمر مكّنت الشركة من تعزيز تنافسيتها الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن تكلفة إنتاج الطاقة المتجددة لدى المملكة أصبحت منافسة بدرجة كبيرة مقارنةً بالمستويات الدولية، مع استخدام تقنيات متطورة تشمل تشغيل الطاقة الشمسية على مدار الساعة، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في القطاع.

الذكاء الاصطناعي

وأكد أن الطاقات والكفاءات الشبابية الوطنية هي المحرك الأساسي لإدارة وتنفيذ مشاريع الطاقة المتجددة، مشدداً على أهمية مواكبة التحول الرقمي والابتكار والذكاء الاصطناعي لتحويل التحديات الاقتصادية والتقنية إلى فرص استثمارية واعدة.

ونوّه أبو نيان بجهود التوطين ونقل المعرفة، مشيراً إلى أن نسبة المصادر والمعارف والخبرات المحلية في المشاريع الجديدة بلغت نحو 90 في المائة، مؤكداً في الوقت ذاته التزام الشركة بالتوسع الاستثماري وتجاوز التحديات الميدانية في الأسواق العالمية الكبرى مثل الصين.

وتناول الدكتور فيصل الفقير أبعاد الشراكة التكاملية والتحديات التي تواجه قطاع البتروكيماويات عالمياً، لا سيما في ظل تقلبات الدورة الاقتصادية والزيادات المتتالية في الطاقات الإنتاجية للأسواق العالمية، موضحاً أن مواجهة هذه الظروف تتطلب الاستمرار في تطوير نماذج الأعمال الشريكة، وتبني تقنيات حديثة خافضة للكربون مثل حلول الحياد الكربوني والتصنيع المستدام.

استراتيجيات التوسَع

ولفت إلى أهمية التكامل بين شركات الطاقة والبتروكيماويات والشركات الوطنية الرائدة مثل «أكوا باور» و«أرامكو السعودية» لصياغة حلول مبتكرة تكفل رفع المردود الاقتصادي والمرونة التشغيلية.

واستعرض عبد الكريم الغامدي الإنجازات والاستراتيجيات المتكاملة للتوسع في قطاع الغاز بالمملكة، موضحاً أنه يمثل المحرك الأساسي لتلبية احتياجات الطاقة المحلية والدعم المباشر للصناعات البتروكيماوية والتحويلية.

وكشف عن الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2027، التي شهدت إنشاء وتشغيل نحو 6 إلى 7 مصانع ومرافق معالجة للغاز، وهو ما يعد التوسع الأكبر في تاريخ «أرامكو» والمنطقة بأسرها، مبيناً أن الهدف الاستراتيجي يكمن في رفع مبيعات الغاز بنسبة تصل إلى 80 في المائة بحلول عام 2030، مقارنةً بمستويات عام 2021، مع إنتاج كميات مكافئة للسوائل والغازات تعادل حجماً استثمارياً وتنموياً كبيراً.

كما تطرق الغامدي إلى الجاهزية التشغيلية وسلاسل الإمداد، مشيراً إلى تحقيق نسبة تزيد على 75 في المائة إلى 90 في المائة في توطين الموارد ضمن برنامج «اكتفاء»، وهو ما يوفر حماية عالية للعمليات التشغيلية ضد أي اضطرابات خارجية، مؤكداً في ختام حديثه أن العنصر البشري الوطني والتكامل التكنولوجي هما الركيزتان الأساسيتان لاستدامة نمو قطاع الغاز وتعزيز مرونته المستقبليّة.


طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)
زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)
زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)

أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو التجارة العالمية، بعدما أدى الطلب المتسارع على الرقائق الإلكترونية ومعدات الحوسبة ومراكز البيانات إلى تعزيز الصادرات والاستثمارات في الاقتصادات الآسيوية، خصوصاً تايوان وكوريا الجنوبية، في تحول يعيد رسم خريطة النمو الاقتصادي وسلاسل التوريد العالمية.

وأكد صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، أن التوسع في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أسهم في دعم النشاط الاقتصادي في الصين والهند وعدد من الدول الآسيوية، فيما تجاوز نمو التجارة في المنتجات التكنولوجية المرتبطة بهذه الصناعة وتيرة نمو التجارة العالمية عموماً.

وقالت سيلفانا تينريرو، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، إن التجارة العالمية كانت ستسجل نمواً أبطأ بكثير لولا الزيادة القوية في الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه التصريحات تحول الذكاء الاصطناعي من قطاع تكنولوجي سريع النمو إلى قوة اقتصادية مؤثرة في حركة التجارة والاستثمار والإنتاج الصناعي، مع ازدياد الإنفاق العالمي على البنية التحتية اللازمة لتطوير تطبيقاته وتشغيلها.

وتستفيد آسيا بصورة خاصة من هذا التحول، نظراً إلى موقعها المحوري في صناعة أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية ومعدات الحوسبة المتقدمة.

وتبرز تايوان وكوريا الجنوبية في مقدمة الاقتصادات المستفيدة من طفرة الطلب على الرقائق المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيل مراكز البيانات.

ورفع صندوق النقد توقعاته لنمو اقتصاد تايوان خلال عام 2026 إلى 10.7 في المائة، في حين رفع تقديراته لنمو كوريا الجنوبية إلى 3.3 في المائة، مدفوعاً بالتوسع العالمي في الطلب على أشباه الموصلات.

وتكشف هذه التوقعات عن الأثر المباشر للاستثمارات التكنولوجية في النشاط الاقتصادي، حيث تتحول زيادة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى طلب صناعي يعزز الإنتاج والصادرات.

وأشار الصندوق إلى أن تايوان وكوريا الجنوبية تستحوذان معاً على 62 في المائة من صافي التجارة المرتبطة بمكونات الحوسبة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي.

ويعكس هذا التركّز الأهمية الاستراتيجية للاقتصادين في سلاسل التوريد العالمية، لكنه يكشف أيضاً اعتماد الصناعة على عدد محدود من المراكز الإنتاجية.

فمع استمرار التوسع في مراكز البيانات، تزداد الحاجة إلى المعالجات المتقدمة ورقائق الذاكرة ومعدات الحوسبة، ما يوفر فرصاً إضافية للشركات العاملة في هذه المجالات.

وفي المقابل، فإن أي تباطؤ محتمل في الإنفاق الرأسمالي لشركات التكنولوجيا الكبرى قد ينعكس سريعاً على الطلب على الرقائق، ومن ثم على الصادرات والنمو في الاقتصادات الأكثر ارتباطاً بهذه الصناعة.

ولا تقتصر المكاسب على الشركات المنتجة لأشباه الموصلات، إذ تمتد إلى قطاعات الكهرباء والاتصالات والبنية التحتية والمعدات الصناعية المرتبطة بإنشاء مراكز البيانات وتشغيلها.

وتوقع صندوق النقد أن تستفيد عدة دول في جنوب شرقي آسيا من التوسع المستمر في بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مع زيادة الاستثمارات في المنشآت الرقمية والخدمات المساندة.

ويفتح هذا التوسع فرصاً أمام الاقتصادات القادرة على توفير الطاقة والبنية التحتية والكوادر الفنية اللازمة لاستقطاب المشروعات التكنولوجية.

كما يعزز أهمية تطوير شبكات الكهرباء والاتصالات، بوصفها عناصر أساسية في قدرة الدول على الاستفادة من الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وفي الصين، أسهم الطلب العالمي على التكنولوجيا المتقدمة في دعم الصادرات والنشاط الصناعي، مع استمرار توسع الشركات في القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه التطورات تنامي دور الصناعات التكنولوجية في الاقتصاد الصيني، حيث أصبحت المنتجات المتقدمة أحد مصادر القوة في قطاع التصدير.

أما الهند، فتستفيد من تنامي النشاط في الخدمات الرقمية والقطاعات التكنولوجية، إلى جانب اتساع سوقها المحلية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية.

ورفع صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد الهندي خلال عام 2026 إلى 7 في المائة، بزيادة قدرها 0.6 نقطة مئوية، وإن كانت هذه المراجعة تعكس عوامل اقتصادية وديمغرافية أوسع، ولا ترتبط بطفرة الذكاء الاصطناعي وحدها.

وتبرز أهمية هذه الطفرة في قدرتها على خلق طلب عالمي جديد على المنتجات والخدمات، في وقت تواجه فيه التجارة الدولية تحديات ناجمة عن التوترات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة.

لكن الصندوق أشار إلى أن المكاسب ليست متساوية بين الاقتصادات، إذ تستفيد الدول ذات القدرات الصناعية والتكنولوجية المتقدمة بصورة أكبر من ارتفاع الطلب على مكونات الحوسبة.

كما أن التركّز الجغرافي لصناعة الرقائق يجعل سلاسل التوريد أكثر حساسية لأي اضطرابات قد تصيب المراكز الإنتاجية الرئيسية.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح قدرة الاقتصادات على تنويع أنشطتها التكنولوجية وتطوير بنيتها التحتية عاملاً مهماً للاستفادة من النمو المستقبلي.

ورغم التفاؤل بشأن مساهمة الذكاء الاصطناعي في دعم التجارة، حذر صندوق النقد من المخاطر الاقتصادية الأوسع، خصوصاً ارتفاع مستويات الدين العام واستمرار التضخم.

ودعت تينريرو الحكومات إلى ضبط الموازنات وخفض العجز المالي، فيما أكدت ضرورة استعداد البنوك المركزية لمواصلة السياسات النقدية المقيدة عند الحاجة لإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة.

وتكتسب هذه التحذيرات أهمية في ظل ضخامة الاستثمارات المطلوبة لتطوير البنية التحتية الرقمية، وما قد يصاحبها من ضغوط على التمويل وتكاليف الطاقة.

وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد موجة استثمارية في أسواق التكنولوجيا، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في اتجاهات التجارة والنمو الاقتصادي العالمي.

ومع استمرار الطلب على الرقائق ومراكز البيانات، تبدو الاقتصادات الآسيوية المؤهلة تكنولوجياً في موقع متقدم للاستفادة من هذا التحول.

غير أن استدامة المكاسب ستعتمد على استمرار الطلب العالمي، وقدرة الشركات على تحقيق عوائد من استثماراتها، ومدى نجاح الاقتصادات في توسيع قاعدة المستفيدين من الطفرة الرقمية، بدلاً من اقتصارها على عدد محدود من الصناعات والأسواق.