«اليورو» تحت المراقبة: تقييم قدرات تحمله بوصفه ملاذاً آمناً للاستثمارات

تخوُّف من تأثير الاضطرابات وحالة عدم اليقين والتضخم واطمئنان بسبب العوامل الاقتصادية الأوسع

علامة عملة اليورو داخل مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي (أ.ف.ب)
علامة عملة اليورو داخل مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي (أ.ف.ب)
TT

«اليورو» تحت المراقبة: تقييم قدرات تحمله بوصفه ملاذاً آمناً للاستثمارات

علامة عملة اليورو داخل مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي (أ.ف.ب)
علامة عملة اليورو داخل مبنى المقر الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي (أ.ف.ب)

تشهد العملة الأوروبية «اليورو» تدقيقاً متزايداً من قِبَل المستثمرين وخبراء الاقتصاد بوصفه ملاذاً للاستقرار في الأسواق المالية المضطربة، إلا أنه مع استمرار ازدياد حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، والمؤثرات الأخرى كالانتخابات في عدد من الدول الأوروبية تثار أسئلة حول قدرة العملة الأوروبية على العمل بوصفه ملاذاً آمناً يمكن الاعتماد عليه للاستثمارات في المستقبل.

وأدت التقلبات الأخيرة في قيمة اليورو، إلى جانب التحديات الاقتصادية داخل القارة العجوز، إلى ازدياد المخاوف بشأن استقراره وجاذبيته للمستثمرين الباحثين عن ملجأ يحميهم من التقلبات، في الوقت الذي يؤكد فيه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول مدى قدرات تحمله بوصفه ملاذاً آمناً للاستثمارات.

تحركات جديرة بالاهتمام

قال محمد حشاد، كبير استراتيجيي الأسواق في «نور كابيتال» إن اليورو شهد تحركات جديرة بالاهتمام في الفترة الأخيرة بسبب عوامل تنوعت بين ما هو سياسي وما هو اقتصادي.

وأضاف حشاد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن البيانات الاقتصادية، خصوصاً بيانات التضخم، تأتي في مقدمة العوامل المؤثرة في حركة سعر اليورو؛ نظراً لتركيز البنك المركزي الأوروبي على تحقيق استقرار الأسعار في المنطقة باستخدام أدوات السياسة النقدية، وفي مقدمتها معدل الفائدة.

ولفت إلى أن بيانات التضخم في ألمانيا، أكبر اقتصادات منطقة اليورو، تعكس حالة من ثبات معدلات التضخم عند مستويات منخفضة دفعت بالبنك المركزي في اجتماع يونيو (حزيران) الماضي إلى البدء في خفض الفائدة بواقع 25 نقطة أساس إلى 4.25 في المائة مقابل 4.5 في المائة، ما يُعد تحولاً إلى التيسير الكمي بدلاً من التشديد الذي أدى إلى تراجع التضخم.

ويتوقع على نطاق واسع أن يبقي «المركزي الأوروبي» على معدل الفائدة دون تغيير في اجتماع يوليو (تموز) الذي ينعقد، الخميس المقبل، وأن يخلو بيان الفائدة من أي ذكر لخفض الفائدة في اجتماع سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو ما قد يساعد اليورو على البقاء في الاتجاه الصاعد.

انعدام يقين سياسي

أكد حشاد أن اليورو تعرض لهزة قوية في الفترة الأخيرة بسبب تطورات في المشهد السياسي الأوروبي؛ إذ سيطر اليمين المتشدد على البرلمان الأوروبي، مثيراً كثيراً من المخاوف حيال سياساته الاقتصادية سيئة السمعة التي قد تضر باقتصاد المنطقة.

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى انتخابات برلمانية مبكرة أسفرت جولتها الأولى عن فوز اليمين المتشدد بعدد تاريخي من المقاعد في البرلمان الفرنسي؛ ما أثار مخاوف حيال سيطرة هذا التيار على الحكم.

لكن مع ظهور نتائج الجولة النهائية من الانتخابات تراجع اليمين المتشدد إلى المركز الثالث، وابتعد تماماً عن عملية تشكيل الائتلاف الحاكم لصالح تحالف اليسار الفرنسي الذي احتل المركز الأول، بينما حل ثانياً تحالف الوسط بقيادة رئيس البلاد إيمانويل ماكرون، وهو ما منح اليورو متنفساً بعد أن اطمأن المستثمرون في العملة والأصول الأوروبية على أن السياسات المقبلة سوف تكون صديقة للاستثمار والأعمال.

اليورو وعقوبات موسكو

وأكد كبير استراتيجيي الأسواق في «نور كابيتال» أن هناك آثاراً للعقوبات المفروضة على روسيا من قبل الغرب على العملة الأوروبية الموحدة، وهي العقوبات التي تتضمن فرض حظر على التعامل مع النظام المصرفي الروسي، وتجميد الأصول الروسية لدى البنوك ومؤسسات الاستثمار الأوروبية، علاوة على فرض عقوبات على مسؤولين روسيين.

وقال: «يكمن الخطر الأكبر على اليورو من العقوبات على موسكو في إمكانية أن تتقوض الثقة بالاقتصاد الأوروبي والجهات المعنية المسؤولة عنه بسبب تجميد الأصول الروسية لدى البنوك والمؤسسات المصرفية وغيرها من المؤسسات في منطقة اليورو؛ إذ من الممكن أن ينتاب القلق المستثمرين حيال إمكانية أن تُجمد أصولهم من قبل السلطات الأوروبية».

العملة الأوروبية وأسعار الطاقة

كشف حشاد أن الاتحاد الأوروبي يعتمد على منتجات الطاقة الروسية بصفة أساسية، ومن ثم قد يواجه اليورو صعوبات حال حدوث اضطرابات في توافر تلك المنتجات، أو ارتفاع أسعارها إلى حدٍّ مبالغ فيه، وقال: «قد يكون ارتفاع أسعار منتجات الطاقة بسبب الحرب في أوكرانيا من العوامل التي تصب في صالح العملة الأوروبية الموحدة؛ إذ قد يدفع ارتفاع أسعار الطاقة معدل التضخم إلى أعلى، ومن ثم يبطئ البنك المركزي الأوروبي من وتيرة خفض الفائدة».

وشدد على أنه في الجانب الآخر، قد يؤدي اضطراب وصول إمدادات منتجات الطاقة الروسية إلى أوروبا ومزيد من العقوبات المحتملة على موسكو إلى تدهور الاقتصاد الأوروبي بسبب نقص الإمدادات، وهو ما قد يضر باليورو، إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى زيادة الطلب على عملات وأصول الملاذ الآمن، وهو ما من شأنه أن يضعف اليورو مقابل الدولار الأميركي.

تأثير الانتخابات

من جهته، بيَّن مارك بوسار، رئيس قسم إدارة المخاطر في «إيه بي إم كابيتال» أنه يمكن للانتخابات العامة في فرنسا أن تؤثر بشكل كبير على اليورو من خلال تأثيرها على معنويات المستثمرين، وتوقعات السياسة الاقتصادية، والإدراك الأوسع لاستقرار الاتحاد الأوروبي؛ حيث شهدت الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017 تأثيراً كبيراً على اليورو؛ فقد أدى فوز إيمانويل ماكرون، المرشح الوسطي والمؤيد للاتحاد الأوروبي، إلى ارتفاع مفاجئ في اليورو بسبب تجدد الثقة بوحدة الاتحاد الأوروبي، والإصلاح الاقتصادي في فرنسا. وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «مع ذلك، أسفرت الجولة الثانية الأخيرة للانتخابات البرلمانية في فرنسا عن نتيجة مفاجئة. ففي الوقت الذي توقع فيه الكثيرون أن يفشل حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان في الحصول على الأغلبية في البرلمان، حقق تحالف اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة) تقدماً مفاجئاً؛ حيث فاز بعدد مقاعد بلغ (182) مقعداً أي أكثر من أي حزب آخر. وحل تكتل ماكرون الوسطي في المركز الثاني بـ163 مقعداً، وحصل تحالف التجمع الوطني على 143 مقعداً. وهذا يعني أننا أمام برلمان معلق يضعنا أمام خيارين رئيسيين: إما محادثات صعبة لتشكيل ائتلاف وإما حكومة تكنوقراط. وحيث إن فرنسا تفتقد الخبرة في تشكيل حكومات ائتلافية، فقد يؤدي هذا إلى جمود سياسي».

الشعور بالراحة

تابع بوسار: «يشير رد فعل السوق الإيجابي بعد الجولة الأولى، والذي أدى إلى فوز التجمع الوطني، إلى أن المستثمرين يشعرون براحة أكبر تجاه اليمين المتطرف مقارنة باليسار المتطرف؛ حيث يُنظر إلى الأخير على أنه يشكل تهديداً أكبر للوضع المالي الفرنسي الذي يمر بفترة حرجة. وكان جان لوك ميلانشون، زعيم تحالف اليسار الجديد، قد صرح بأن التحالف ينوي تنفيذ أجندته بشكل صارم، وهي تشمل زيادة الإنفاق العام لدعم الإجراءات الاجتماعية؛ مثل زيادة الحد الأدنى للأجور، وإلغاء إصلاحات ماكرون التي رفعت سن التقاعد». وقال: «بما يتعلق باليورو، هناك مخاطر كامنة ناتجة عن هذا الغموض السياسي. يمكن أن يؤدي فوز حزب يُنظر إليه على أنه غير مسؤول مالياً إلى إضعاف اليورو بسبب المخاوف من عدم الاستقرار أو سياساته الاقتصادية السلبية، بالإضافة إلى موقف تحالف اليسار الجديد المشكك في الاتحاد الأوروبي. كما يتوقع العديد من المحللين أن يشهد اليورو تراجعاً مقارنة بالعملات الأخرى لمجموعة العشر».

مدعوم بعوامل اقتصادية أوسع

وزاد رئيس قسم إدارة المخاطر في «إيه بي إم كابيتال»: «على الرغم من المخاوف قصيرة المدى المتعلقة بالغموض السياسي في فرنسا، تظل قيمة اليورو على المدى الطويل مدعومة بعوامل اقتصادية أوسع. تلعب الأساسيات الاقتصادية القوية لمنطقة اليورو، مثل السياسة النقدية الحكيمة للبنك المركزي الأوروبي والاستقرار السياسي العام للاتحاد الأوروبي، دوراً هاماً في دعم مكانة اليورو بوصفه ملاذاً آمناً للمستثمرين».

وأضاف: «تظهر الدراسات الاستقصائية الثلاثية لبنك التسويات الدولية أن انخفاض حصة اليورو في تداول العملات الأجنبية العالمية من 38 في المائة في عام 2001 إلى 31 في المائة في عام 2022 لا ينفي أهميتها؛ فرغم احتلالها ثلث إجمالي السوق فإن اليورو لا يزال عملة رئيسية في النظام المالي العالمي، ولا ينبغي للمستثمرين القلق بشأن التداعيات السياسية لدولة واحدة».



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.