فاتورة الحرب تتفاقم بعد 230 يوماً وتكبد إسرائيل 62 مليار دولار

«المصرف المركزي» يتوجه لإبقاء الفائدة ثابتة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية

جندي يثبت العلم الإسرائيلي على دبابة خلال مناورة عسكرية بالقرب من الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (رويترز)
جندي يثبت العلم الإسرائيلي على دبابة خلال مناورة عسكرية بالقرب من الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (رويترز)
TT

فاتورة الحرب تتفاقم بعد 230 يوماً وتكبد إسرائيل 62 مليار دولار

جندي يثبت العلم الإسرائيلي على دبابة خلال مناورة عسكرية بالقرب من الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (رويترز)
جندي يثبت العلم الإسرائيلي على دبابة خلال مناورة عسكرية بالقرب من الحدود مع لبنان في شمال إسرائيل (رويترز)

إثر صدمة الحرب، وجد الاقتصاد الإسرائيلي نفسه على مفترق طرق، حيث شهد تباطؤاً واضحاً في النشاط التجاري والاستثماري والخدماتي. لم تكن تلك التحديات مقتصرة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل كانت أيضاً تحديات اجتماعية وسياسية أدت إلى انحراف البلاد عن مسار النمو المستمر الذي استمر لمدة عامين تقريباً.

ويوماً بعد يوم، تزيد تكلفة الحرب وطأة على الاقتصاد الإسرائيلي، حيث إنها تكبِّد إسرائيل يومياً 269 مليون دولار، وفقاً لتقرير صادر عن وكالة التصنيف العالمية «موديز»، استناداً إلى دراسة أولية من تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية، ما يعني أنه بعد نحو 230 يوماً على الحرب، تكبدت إسرائيل 61.9 مليار دولار.

كما أن لفاتورة الحرب انعكاسها الكبير على مالية إسرائيل التي يُتوقع أن تسجل موازنتها عجزاً يتجاوز الهدف المحدد؛ فبحسب بيانات وزارة المالية الإسرائيلية، ارتفع العجز المالي إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 4 أشهر من العام الحالي ليصل إلى 35.7 مليار دولار منذ أبريل (نيسان) 2023، وهو أعلى من تقديرات الحكومة البالغة 6.6 في المائة لعام 2024 بكامله. كما أنه رقم غير مسبوق منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، وفق اعتراف وزارة المالية التي أشارت إلى أن العجز المالي في أبريل الماضي وحده بلغ 3.16 مليار دولار.

تصاعد الإنفاق الدفاعي

أجبرت الحرب الحكومة على زيادة الإنفاق بشكل كبير، حيث شهدت ارتفاعاً كبيراً في الإنفاق الدفاعي الذي استحوذ على نحو ثلثَي الإنفاق في 4 أشهر، والذي بدوره سجَّل زيادة نسبتها 36 في المائة تقريباً. وفي المقابل، تراجعت الإيرادات بنسبة 2.2 في المائة، بسبب تراجع مدفوعات الضرائب.

وتواجه المالية العامة للحكومة ضغوطاً واضحة، حيث تخطط لجمع نحو 60 مليار دولار من الديون هذا العام، وزيادة الضرائب لتلبية احتياجاتها المالية. مع العلم بأن متوسط مبيعات سنداتها الشهرية تضاعف 3 مرات بعد اندلاع الحرب، وفقاً لتقديرات «بلومبرغ» التي أشارت إلى أن الحكومة جمعت نحو 55.4 مليار دولار منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، من الأسواق المحلية والخارجية.

وفي ظل تنامي الأعباء المالية الناجمة عن الحرب، كانت إسرائيل تتلقى الضربة تلو الأخرى من وكالات التصنيف الدولية، وهو ما يؤثر بالطبع على محاولاتها لجمع تمويل خارجي للحرب؛ فبعدما قامت وكالة «موديز» بخفض تصنيفها السيادي لإسرائيل درجة واحدة إلى «إيه 2»، انضمت إليها وكالة «ستاندرد آند بورز» في أبريل، وخفضت التصنيف من «إيه إيه -» إلى «إيه +».

وماذا عن الفوائد؟

وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن مدى تأثير الحرب المستمرة مع «حماس»، من المتوقَّع على نطاق واسع أن يترك بنك إسرائيل أسعار الفائدة قصيرة الأجل خلال اجتماعه الاثنين من دون تغيير، للمرة الثالثة على التوالي.

وقالت ألينا سليوسارتشوك، الخبيرة الاقتصادية في «مورغان ستانلي»، إن «السياسة المالية التوسعية ومفاجآت التضخم الصعودية والمخاطر الجيوسياسية المستمرة تعني أن هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في التيسير النقدي. لا نرى تخفيضات في أسعار الفائدة على الطاولة قبل خريف هذا العام».

وكانت لجنة السياسة النقدية خفّضت، في يناير (كانون الثاني)، سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 25 نقطة أساس، الذي أعقب 10 زيادات متتالية في أسعار الفائدة، في دورة تشديد قوية من أدنى مستوى على الإطلاق عند 0.1 في المائة في أبريل 2022، قبل توقُّف مؤقت في يوليو (تموز) الماضي.

وفق استطلاع أجرته «رويترز»، فإن المزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة خلال بقية عام 2024 معرضة للخطر بسبب ضغوط التضخم الناشئة مرة أخرى.

وواصل معدل التضخم السنوي ارتفاعه في أبريل إلى 2.8 في المائة، بعد تراجعه إلى معدل 2.5 في المائة في فبراير (شباط).

تكلفة السيطرة

وفي ظل الحديث عن حكم عسكري إسرائيلي محتمل في غزة، أفادت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن وثيقة رسمية، بأن أي حكم عسكري في غزة سيكلف تل أبيب ما لا يقل عن 20 مليار شيقل (5.4 مليار دولار) سنوياً. وذكرت الصحيفة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أعدت وثيقة تحليلية لدراسة التبعات المالية لإقامة حكومة عسكرية في قطاع غزة.

وأشارت إلى أن تكلفة بناء ممر إضافي للقطاع تُقدَّر بنحو 150 مليون شيقل (40.4 مليون دولار). وبحسب التقرير، فإنه، بالإضافة إلى هذه الأرقام، ستشمل التكاليف الإضافية إعادة إعمار قطاع غزة (بما في ذلك البنية التحتية والمستشفيات والمدارس والطرق) بالإضافة إلى إنشاء البنية التحتية للحكومة العسكرية والنفقات الأخرى ذات الصلة. كما أكد التقرير على الحاجة إلى 400 منصب لإدارة الإدارة العسكرية الإسرائيلية في القطاع.

جنود إسرائيليون يطلقون النار خلال عملية ضد «حماس» في غزة (رويترز)

تحديات متعددة

يعتمد مصير الاقتصاد الإسرائيلي في فترة الحرب وما بعدها بشكل كبير على عدة عوامل، بما في ذلك الاستقرار السياسي والأمني، والتحولات في القطاعات الاقتصادية المختلفة، وتطورات الصراعات الإقليمية. ورغم التحديات القائمة، تشير بعض التوقعات إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي سوف يتعافى بوتيرة معتدلة، إلا أن هذا لا يغني عن ضرورة تعزيز النمو والاستقرار بشكل أفضل، خصوصاً في ظل الظروف الجيوسياسية المضطربة التي تشهدها المنطقة.

وفي مقابلة مع صحيفة «جيروزاليم بوست»، أكَّدت الحاكمة السابقة لـ«بنك إسرائيل»، كارنيت فلوغ، أن الاستجابة الحكومية للتحديات الاقتصادية المترتبة عن الصراع بين إسرائيل و«حماس» لم تكن جديرة بالمستوى.

وأشارت إلى أن الإجراءات المطروحة (بعضها تمت الموافقة عليه في الكنيست، بينما تم تأجيل بعضها الآخر أو خُطّط لتنفيذه في المستقبل) لا تكفي لمعالجة التحديات التي تواجهها إسرائيل حالياً.


مقالات ذات صلة

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مقاتلون فلسطينيون خلال الهجوم على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 (أ.ب)

المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر في التماسات تشكيل لجنة تحقيق بهجوم أكتوبر

نظرت المحكمة العليا في إسرائيل في التماسات لإلزام الحكومة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في هجوم السابع من أكتوبر 2023.

المشرق العربي سيدتان فلسطينيتان تقرآن تعليمات التصويت بالانتخابات المحلية في مدينة دير البلح بوسط غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

استعدادات لأول انتخابات في غزة منذ 2005

تُجري لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، استعدادات مكثفة لإجراء أول انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة منذ عام 2005، تنطلق السبت المقبل بالتزامن مع الضفة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي احتجاج مصغر داعم لفلسطين قرب مقر اجتماع مجلس الشؤون الخارجية الأوروبي في لوكسمبورغ الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle

«هل نريد غزّة ثانية؟»... ازدياد الاستياء الأوروبي من إسرائيل رغم تعثر معاقبتها

خيَّم الإحباط على اجتماع مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، إزاء مضيّ إسرائيل في انتهاك القانون الدولي رغم التحذيرات التي تصدر عن الاتحاد والتلويح بمعاقبته.

شوقي الريّس (بروكسل)

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
TT

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)
أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)

أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام ​2026 أنَّ الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في 2026، مع توقع تفاقم انعدام الأمن الغذائي في عدد من أكثر بلدان العالم هشاشة.

وجاء في النسخة العاشرة من تقرير رصد الجوع، الذي نشرته مجموعة من المنظمات التنموية والإنسانية، أنَّ مستويات الجوع الحاد زادت بمقدار المثل خلال العقد الماضي، في وقت أُعلنت فيه حالتان من المجاعة العام الماضي للمرة الأولى في تاريخ التقرير، وذلك في كل من غزة والسودان.

وفي المجموع، واجه 266 مليون شخص في 47 دولة ‌ومنطقة مستويات عالية من ‌انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2025، في ​حين ‌عانى ⁠1.4 مليون شخص ​من ⁠أوضاع كارثية في مناطق من هايتي ومالي وغزة وجنوب السودان والسودان واليمن.

وعانى 35.5 مليون طفل في أنحاء العالم من سوء التغذية الحاد في عام 2025 وحده، من بينهم نحو 10 ملايين طفل عانوا من سوء التغذية الحاد الوخيم.

وبالنظر إلى عام 2026، أفاد التقرير بأنَّ مستويات الخطورة لا تزال حرجة، مع توقع أن تكون هايتي الدولة الوحيدة التي تخرج من أسوأ فئة «كارثية»، بفضل تحسُّن طفيف في الوضع الأمني وزيادة المساعدات الإنسانية.

وقال ألفارو ⁠لاريو، رئيس الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) التابع للأمم المتحدة، و‌الذي يساعد على إعداد التقرير السنوي: «لم نعد نشهد ‌صدمات مؤقتة فحسب، بل صدمات مستمرة على مر ​الزمن». وأضاف لاريو لـ«رويترز»: «المغزى الأساسي هو ‌أن انعدام الأمن الغذائي لم يعد قضيةً منعزلةً، بل يضغط على الاستقرار العالمي».

‌حرب إيران

وقال لاريو إن الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران زادت حدة القلق، محذراً من أن استمرار الاضطراب في تجارة الطاقة والأسمدة يمكن أن يمتد إلى أسواق الغذاء العالمية، ويعمق أزمة الجوع في البلدان المعتمدة على الاستيراد، والتي تمر بالفعل ‌بأزمات. وأضاف: «حتى لو انتهى الصراع في الشرق الأوسط الآن، فإننا نعلم أن كثيراً من صدمات أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم ⁠ستظهر خلال الأشهر الستة ⁠المقبلة».

وحتى قبل الضغوط الإضافية الجديدة الناتجة عن هذه الحرب، بدا أنَّ غرب أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي سيظلان تحت ضغوط شديدة هذا العام؛ بسبب الصراعات والتضخم المستمر، لا سيما في نيجيريا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.

ومن المتوقع أن تسجل نيجيريا واحدة من أكبر الزيادات في مستويات انعدام الأمن الغذائي في 2026، مع توقع معاناة 4.1 مليون شخص جديد من الجوع الحاد.

وفي شرق أفريقيا، يرجَّح أن يؤدي تراجع هطول الأمطار في معظم أنحاء منطقة القرن الأفريقي إلى تفاقم المعاناة في الصومال وكينيا، حيث يسهم الجفاف وانعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء وتقلص المساعدات الإنسانية في تعميق الأزمة.

وحذَّر التقرير أيضاً من تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص لقطاعات الغذاء في الأزمات في 2025، مع توقُّع ​انخفاضه بشكل أكبر. ويُقدر أن التمويل الإنساني ​لقطاع الغذاء انخفض بنحو 39 في المائة العام الماضي مقارنة بمستويات عام 2024، في حين تراجعت المساعدات الإنمائية بما لا يقل عن 15 في المائة.


اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
TT

اليابان بين مخاطر الذكاء الاصطناعي... وضغوط العملة

وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)
وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (رويترز)

تواجه اليابان جملةً من التحديات الاقتصادية والمالية المتشابكة، تتراوح بين المخاطر الناشئة عن تطورات الذكاء الاصطناعي وتهديداته للأمن السيبراني، إلى تقلبات سوق العملات مع تراجع الين إلى مستويات حساسة.

وفي خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي، أعلنت طوكيو تشكيل فريق عمل لمعالجة المخاطر التقنية، بالتزامن مع تجديد تحذيراتها من تدخل محتمل في سوق الصرف.

وفي صدارة هذه التطورات، أعلنت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، أنَّ الحكومة ستُشكِّل فريق عمل متخصصاً لمواجهة مخاطر الأمن السيبراني داخل النظام المالي، في خطوة جاءت عقب مخاوف متزايدة بشأن نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُعرَف باسم «ميثوس».

وأوضحت كاتاياما أنَّ القرار جاء بعد اجتماع ضمَّ جهات تنظيمية رئيسية، من بينها وكالة الخدمات المالية، وبنك اليابان، والمكتب الوطني للأمن السيبراني، إلى جانب أكبر البنوك ومجموعة بورصة اليابان، بحسب «رويترز». وأكدت الوزيرة أنَّ المسألة لم تعد نظريةً، بل تمثل «أزمة قائمة بالفعل»، مشيرة إلى أنَّ القطاع المالي نفسه أبدى قلقاً مماثلاً من المخاطر المحتملة.

وجاء هذا التحرك بعد إعلان شركة «أنثروبيك» أنَّ نموذج «ميثوس» كشف «آلاف» الثغرات الأمنية الخطيرة في أنظمة تشغيل ومتصفحات رئيسية، ما أثار مخاوف واسعة بشأن قدرة الأنظمة الحالية على الصمود أمام أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويحذِّر خبراء من أنَّ مثل هذه النماذج قد تسرِّع وتيرة الهجمات الإلكترونية، إذ يمكنها اكتشاف واستغلال ثغرات غير معروفة بسرعة تفوق قدرة الشركات على معالجتها، وهو ما يُشكِّل تهديداً خاصاً للقطاع المالي المعروف بتعقيده واعتماده على أنظمة مترابطة.

وأشارت كاتاياما إلى أنَّ طبيعة هذا القطاع، القائم على العمليات الفورية والترابط العالي، تعني أنَّ أي خلل قد ينتشر بسرعة، مسبِّباً اضطرابات في الأسواق وتقويضاً للثقة.

وفي موازاة هذه المخاطر التقنية، تجد اليابان نفسها أمام تحديات متزايدة في سوق العملات، فقد جدَّدت كاتاياما تحذيراتها من تحركات المضاربة في سوق الصرف، مؤكدة استعداد الحكومة لاتخاذ «إجراء حاسم» بالتنسيق مع الولايات المتحدة، في حال استمرار ضعف الين. ويأتي هذا التحذير في وقت يقترب فيه الين من مستوى 160 مقابل الدولار، وهو مستوى يعده كثير من المتعاملين في الأسواق خطاً أحمر قد يدفع السلطات إلى التدخل.

وأوضحت الوزيرة أنَّ التحركات الأخيرة في سوق العملات تعكس نشاطاً مضاربياً تأثر بتقلبات أسعار النفط، مؤكدة أنَّ طوكيو على تواصل دائم مع واشنطن لضمان تنسيق أي خطوات محتملة.

ويشير هذا التنسيق إلى احتمال تدخل مشترك بين اليابان والولايات المتحدة، في خطوة قد تكون الأولى من نوعها منذ نحو 15 عاماً، في حال استمرَّت الضغوط على العملة اليابانية. ويعكس ذلك القلق من أن يؤدي ضعف الين إلى زيادة تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة، ما يضيف ضغوطاً على الاقتصاد المحلي.

وتتزامن هذه التطورات مع إشارات متباينة من بيانات التضخم، التي تظلُّ عاملاً محورياً في توجهات السياسة النقدية. فقد أظهرت بيانات حديثة أنَّ التضخم الأساسي في اليابان تباطأ إلى 1.8 في المائة في مارس (آذار)، دون هدف «بنك اليابان»، البالغ 2 في المائة للشهر الثاني على التوالي، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الطاقة.

وفي المقابل، تشير مؤشرات أخرى إلى تصاعد الضغوط السعرية، إذ ارتفع مؤشر يستثني الغذاء والوقود إلى 2.4 في المائة، كما قفزت أسعار خدمات الشركات بنسبة 3.1 في المائة، مدفوعة بزيادة حادة في تكاليف الشحن البحري، التي ارتفعت بأكثر من 40 في المائة.

وتعكس هذه البيانات بيئةً اقتصاديةً معقدةً، حيث تتقاطع عوامل داخلية وخارجية، من بينها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، التي أدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد، ما يضع صناع القرار أمام تحديات متعددة في إدارة الاستقرار المالي والنقدي.

وفي المجمل، تكشف التطورات الأخيرة عن أنَّ اليابان تواجه مرحلةً دقيقةً تتداخل فيها المخاطر التكنولوجية مع الضغوط الاقتصادية، في ظلِّ بيئة عالمية غير مستقرة.

وبينما تتحرَّك الحكومة لتعزيز أمن النظام المالي ومواجهة تقلبات العملة، تبقى قدرة طوكيو على تحقيق التوازن بين هذه التحديات عاملاً حاسماً في الحفاظ على استقرار الأسواق، والثقة الاقتصادية.


إندونيسيا تنهي الجدل: لا رسوم على «مضيق ملقا»

ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)
ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)
TT

إندونيسيا تنهي الجدل: لا رسوم على «مضيق ملقا»

ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)
ناقلة الغاز الطبيعي المُسال «ميرشانت» في مضيق ملقا (إ.ب.أ)

أكد وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودهي ساديوا، يوم الجمعة، أنه لا توجد أي نية لدى بلاده لفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق ملقا، وذلك بعد الجدل الذي أثارته تصريحاته السابقة بشأن إمكانية استغلال هذا الممر البحري الاستراتيجي لتحقيق عوائد مالية.

وجاءت تصريحات ساديوا لتؤكد موقف وزير الخارجية الإندونيسي الصادر يوم الخميس، والذي شدد على أن أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا لن يفرض أي رسوم على حركة الملاحة في المضيق، وفق «رويترز».

وأوضح ساديوا خلال مؤتمر صحافي أن إندونيسيا ستلتزم بالكامل بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تنظّم استخدام الممرات المائية الدولية وحرية الملاحة فيها.

وكانت تصريحات سابقة للوزير قد أثارت جدلاً واسعاً هذا الأسبوع، بعد طرحه فكرة فرض رسوم على السفن العابرة، قبل أن يوضح لاحقاً أن مثل هذا الإجراء غير قابل للتطبيق عملياً.

ويأتي هذا الجدل في وقت يثير فيه الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز في الشرق الأوسط مخاوف متزايدة لدى صانعي السياسات في آسيا بشأن أمن الممرات البحرية الحيوية.

ويُعد مضيق ملقا، الذي يمتد لمسافة تقارب 900 كيلومتر بين إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، أحد أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تصفه إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأنه شريان رئيسي لنقل النفط العالمي، كما يمثل أقصر طريق بحري بين شرق آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وأظهرت بيانات إدارة الشؤون البحرية الماليزية أن أكثر من 102,500 سفينة، معظمها تجارية، عبرت المضيق خلال عام 2025، مقارنة بنحو 94,300 سفينة في عام 2024.