صندوق النقد الدولي: تعافي الاقتصاد العالمي مطرد... لكنه بطيء

أكد في تقرير أبريل أن الصمود مثير للدهشة والمخاطر مستمرة

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث بعد تلقيها شهادة «آيزو» من مجموعة «بي إس إيه» خلال اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث بعد تلقيها شهادة «آيزو» من مجموعة «بي إس إيه» خلال اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)
TT

صندوق النقد الدولي: تعافي الاقتصاد العالمي مطرد... لكنه بطيء

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث بعد تلقيها شهادة «آيزو» من مجموعة «بي إس إيه» خلال اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث بعد تلقيها شهادة «آيزو» من مجموعة «بي إس إيه» خلال اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)

في أحدث تقاريره عن آفاق الاقتصاد العالمي، أكد صندوق النقد الدولي، يوم الثلاثاء، أن النشاط الاقتصادي العالمي ظل صامداً على نحو مثير للدهشة طوال فترة تباطؤ معدلات التضخم في العالم في فترة 2202-2023. ومع تراجع التضخم العالمي من مستوى ذروته التي بلغها في منتصف عام 2022، شهد النشاط الاقتصادي نمواً مطرداً، مخالفاً بذلك التحذيرات من حدوث ركود تضخمي وركود عالمي.

وأفاد صندوق النقد في تقرير شهر أبريل (نيسان) أطلقه في اليوم الثاني لاجتماعات الربيع للصندوق والبنك الدوليين في واشنطن، بأن النمو في التوظيف ومستويات الدخل ظلا ثابتين؛ انعكاساً لتطورات داعمة للطلب - بما في ذلك الإنفاق الحكومي واستهلاك الأسر الأكبر من المتوقع - وللتوسع على جانب العرض، لا سيما في ظل دفعة غير متوقعة للمشاركة في القوى العاملة.

وهذا الصمود الاقتصادي غير المتوقع، على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة للبنوك المركزية الذي يهدف إلى استعادة استقرار الأسعار، يعكس أيضاً قدرة الأسر في الاقتصادات المتقدمة الكبرى على الاستفادة من مدخراتها الكبيرة التي تراكمت أثناء جائحة «كوفيد - 19». وبالإضافة إلى ذلك، فإن التغيرات التي طرأت على أسواق الرهن العقاري والإسكان - على مدار العقد السابق للجائحة الذي انخفضت فيه أسعار الفائدة - أدت إلى تخفيف أثر ارتفاع أسعار الفائدة الأساسية على المدى القصير.

وأوضح التقرير أنه مع تقارب التضخم من المستويات المستهدفة، وتوجه البنوك المركزية نحو تيسير السياسات في عدد كبير من الاقتصادات، فإن تشديد سياسات المالية العامة بهدف كبح الدين الحكومي المرتفع، عن طريق زيادة الضرائب وتخفيض الإنفاق الحكومي، من المتوقع أن يشكل عبئاً على النمو.

وتشير التوقعات إلى أن النمو العالمي، الذي قُدّر بنسبة 3.2 في المائة في عام 2023، سيستمر بالوتيرة نفسها في عامي 2024 و2025. وقد رفعت التنبؤات لعام 2024 بمقدار 0.1 نقطة مئوية عما ورد في تقرير يناير (كانون الثاني) 2024 عن مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي، و0.3 نقطة مئوية عن عدد أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأشار الصندوق إلى أن وتيرة التوسع بطيئة حسب المعايير التاريخية؛ وهو ما يعزى إلى عوامل قريبة المدى، مثل تكاليف الاقتراض التي لا تزال مرتفعة، وسحب الدعم المقدم من المالية العامة، وإلى آثار أطول أمدا ناجمة عن جائحة «كوفيد - 19» والغزو الروسي لأوكرانيا، وضعف نمو الإنتاجية، وزيادة التشرذم الجغرافي-الاقتصادي.

ومن المتوقع أن ينخفض التضخم الكلي العالمي من متوسط سنوي بلغ 6.8 في المائة في عام 2023، إلى 5.9 في المائة في 2024، و4.5 في المائة في 2025، مع عودة الاقتصادات المتقدمة إلى أهداف التضخم التي حدّدتها في وقت أقرب من الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

وسجلت أحدث تنبؤات النمو العالمي لخمس سنوات من الآن 3.1 في المائة، وهو أدنى مستوى لها منذ عقود. وقد تباطأت وتيرة التقارب من مستويات معيشة أعلى في البلدان متوسطة ومنخفضة الدخل؛ وهو ما يدل على استمرار أوجه التفاوت الاقتصادي العالمية.

وتعكس الآفاق الضعيفة نسبياً على المدى المتوسط نمواً أقل في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي؛ وهو ما ينجم بصفة خاصة عن الاحتكاكات الهيكلية المستمرة التي تحول دون انتقال رأس المال والعمالة إلى شركات منتجة.

ويوضح التقرير أن الآفاق المستقبلية الأكثر قتامة للنمو في الصين وغيرها من اقتصادات الأسواق الصاعدة الكبرى، بما لها من حصة متزايدة في الاقتصاد العالمي، ستشكل عبئاً على الآفاق المستقبلية للشركاء التجاريين.

وتتسم المخاطر المحيطة بآفاق النمو العالمي بأنها متوازنة بوجه عام في الوقت الراهن. فعلى جانب التطورات السلبية، قد ترتفع توقعات أسعار الفائدة وتنخفض أسعار الأصول نتيجة لأي زيادات جديدة في الأسعار تنجم عن التوترات الجيو - سياسية، بما فيها تلك الناتجة من الحرب في أوكرانيا والصراع في غزة وإسرائيل، إلى جانب التضخم الأساسي المستمر، حيث لا تزال أسواق العمل تعاني نقص العمالة.

كما أن تباين وتيرة تباطؤ معدل التضخم بين الاقتصادات الكبرى يمكن أن يسبب تحركات في أسعار العملات تفرض بدورها ضغوطاً على القطاعات المالية. وقد تترتب على ارتفاع أسعار الفائدة آثارٌ خافضة للتضخم على نحو أكبر من المتوخى، حيث يعاد تحديد أسعار الفائدة الثابتة على القروض العقارية وتواجه الأسر ارتفاعاً في حجم ديونها، وما ينجم عنه من ضغوط مالية... وفي الصين، ومن دون مواجهة شاملة لأوضاع قطاع العقارات الذي يعاني من مشكلات، قد يتعثر النمو، فيلحق الضرر بالشركاء التجاريين.

وأكد الصندوق أنه في ظل ارتفاع الدين الحكومي في كثير من الاقتصادات، فإن العودة على نحو مربك إلى زيادة الضرائب وتخفيض النفقات يمكن أن تضعف الأنشطة الاقتصادية، وتؤدي إلى تآكل الثقة، وإضعاف الدعم لعمليات الإصلاح والإنفاق الذي يهدف إلى الحد من مخاطر تغير المناخ. ومن الممكن أيضاً أن يتفاقم التشرذم الجغرافي - الاقتصادي، مع تزايد الحواجز أمام تدفق السلع ورؤوس الأموال والأشخاص، بما يعنيه ذلك من تباطؤ النشاط على جانب العرض.

وفي ظل احتمال تجاوز النتائج المتوقعة، فإن سياسة المالية العامة الأيسر من اللازم - والمفترضة في التوقعات - يمكن أن تؤدي إلى زيادة النشاط الاقتصادي على المدى القصير، على الرغم من المخاطرة لاحقاً بإجراء تعديل أكثر تكلفة في السياسات.

ومن الممكن أن ينخفض التضخم بشكل أسرع من المتوقع في ظل تحقيق مزيد من المكاسب على صعيد المشاركة في القوى العاملة، وهو ما يتيح للبنوك المركزية إمكانية التبكير بتنفيذ خططها لتيسير السياسات... ويمكن أيضاً للذكاء الاصطناعي والإصلاحات الهيكلية الأقوى أن يسهما في تحفيز الإنتاجية.

وبينما الاقتصاد العالمي على مشارف هبوط هادئ، تتمثل أولوية البنوك المركزية على المدى القريب في ضمان هبوط التضخم بسلاسة، ولكن ليس عن طريق تيسير السياسات قبل الأوان ولا التأخر المبالغ فيه والتسبب في القصور عن بلوغ الهدف. وفي الوقت نفسه، بينما تتخذ البنوك المركزية موقفاً أقل تقييداً، حان الوقت للتركيز من جديد على تنفيذ عمليات ضبط أوضاع المالية العامة في الأجل المتوسط لإعادة بناء حيز للتصرف من الميزانية والاستثمارات ذات الأولوية، وأيضاً لضمان استدامة القدرة على تحمل الديون.

ويرى صندوق النقد أن الاختلافات بين البلدان تستدعي استجابات مصممة خصيصاً على مستوى السياسات. وسوف يسهم تكثيف الإصلاحات الداعمة للعرض في تيسير الحد من التضخم وتخفيض الديون على حد سواء، وتمكين الاقتصادات من زيادة النمو ليقترب من متوسط مستواه الأعلى الذي كان سائداً في فترة ما قبل جائحة «كوفيد - 19»، وتعجيل وتيرة التقارب نحو مستويات دخل أعلى. وكذلك، هناك حاجة إلى التعاون متعدد الأطراف للحد من تكاليف التشرذم الجغرافي - الاقتصادي وتغير المناخ ومخاطرهما، وتعجيل مسيرة التحول إلى الطاقة الخضراء، وتيسير عملية إعادة هيكلة الديون.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد غورغييفا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

رئيسة صندوق النقد الدولي: حرب الشرق الأوسط ترفع التضخم وتكبح النمو العالمي

قالت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

يتوقع صندوق النقد الدولي تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في 2026، بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد قبة مبنى الكابيتول ظاهرة للعيان في الساعات الأولى من الصباح (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد الأميركي «صامد» لكن شبح الديون والتعريفات يهدد الاستقرار

أشاد صندوق النقد الدولي بمرونة الأداء الأميركي وقوة الإنتاجية خلال عام 2025 مطلِقاً جملة من التحذيرات الصارمة بشأن استدامة المسار المالي الحالي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.