من الندرة إلى الاستدامة: مسيرة دول الخليج نحو تحقيق الأمن المائي

المديرة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في البنك الدولي صفاء الطيب الكوقتلي (البنك الدولي)
المديرة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في البنك الدولي صفاء الطيب الكوقتلي (البنك الدولي)
TT

من الندرة إلى الاستدامة: مسيرة دول الخليج نحو تحقيق الأمن المائي

المديرة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في البنك الدولي صفاء الطيب الكوقتلي (البنك الدولي)
المديرة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في البنك الدولي صفاء الطيب الكوقتلي (البنك الدولي)

يسلط اليوم العالمي للمياه الضوء على مسيرة دول مجلس التعاون الخليجي نحو تحقيق استدامة الأمن المائي، وهذا إنجاز يستحق الإشادة، لا سيما وأن هذه الدول تعاني من شح شديد في المياه.

وتواجه دول مجلس التعاون الخليجي حقيقة قاسية تتمثل في عدم توفر المياه السطحية، والاستخدام غير المستدام لموارد المياه الجوفية، وهذا يجعلها من بين أكثر البلدان التي تعاني من شح المياه على مستوى العالم.

والمعيار المرجعي لشح المياه المطلق هو 500 متر مكعب من المياه العذبة المتجددة للفرد سنوياً، وهو رقم لا يزال بعيد المنال بالنسبة للعديد من هذه البلدان، حيث يقل نصيب الفرد فيها من المياه العذبة المتجددة عن 100 متر مكعب سنوياً.

وعلى الرغم من ندرة مياهها، شهدت دول الخليج زيادة في استهلاك المياه، بسبب النمو الاقتصادي، والزيادة السكانية، والتوسع الحضري والعمراني. وغالباً ما تتجاوز معدلات الاستهلاك 500 لتر للفرد في اليوم، وهذا الرقم كبير للغاية، مقارنة بأرقام البلدان ذات مستويات الدخل المماثلة، مثل ألمانيا، حيث يبلغ الاستهلاك نحو 120 لتراً للفرد في اليوم. ويؤدي هذا الاستهلاك المفرط إلى استنزاف سريع لاحتياطات المياه المحدودة بالفعل في دول مجلس التعاون الخليجي.

واستجابة لذلك، شرعت هذه الدول في اتخاذ تدابير طموحة ومبتكرة لضمان مستقبلها المائي. ومن خلال استغلال مواردها المالية والبشرية الكبيرة، أعطت هذه الدول الغنية بالنفط الأولوية لتطوير تكنولوجيا تحلية المياه. وبفضل الابتكارات التي تقودها، لا سيما التقدم في تقنيات الأغشية وكفاءة استخدام الطاقة، انخفض سعر المياه المحلاة من 5 دولارات للمتر المكعب في ثمانينات القرن العشرين إلى ما بين 40 أو 50 سنتاً في المشاريع الأخيرة. وهذا يجعل تحلية المياه ميسورة التكلفة بشكل متزايد للبلدان في جميع أنحاء العالم.

وإلى جانب تحلية المياه، تنفذ دول مجلس التعاون الخليجي استراتيجيات متنوعة لإدارة المياه والطلب عليها. ويتمثل أحد أهم المجالات في الحد من «المياه التي لا تحقق إيرادات» - أي الهدر المادي والتجاري للمياه. وفي معرض حديثنا، نود الإشادة بالتجربة الفريدة والاستثنائية لهيئة كهرباء ومياه دبي. فقد خفضت الهيئة المياه التي لا تحقق إيرادات من 42 في المائة في عام 1988 إلى 4.6 في المائة في 2023. ويمكن أن تصل مستويات المياه التي لا تحقق إيرادات (الهدر) في بلدان أخرى بالمنطقة إلى 70 في المائة، وحتى في أميركا الشمالية، يبلغ المتوسط نحو 15 في المائة. وتساعد أساليب الاقتصاد الدائري أيضاً على زيادة تجميع مياه الصرف الصحي ومعالجتها وإعادة استخدامها، وقد ثبت أن ذلك يمثل إضافة استراتيجية لسد العجز في الموارد المائية المتناقصة وزيادة القيمة من المياه المحلاة. وعلى الرغم من تردد بعض البلدان في إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، نجد اتجاهاً متزايداً في قبول هذا الأمر، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد ما إلى حملات التوعية الجماهيرية الناجحة.

وقد بدأ الدور الريادي لدول مجلس التعاون الخليجي في تحلية المياه في سبعينات القرن العشرين، وهي اليوم تقود العالم في هذا المجال. حيث توجد محطات تحلية المياه في 186 دولة، تنتج ما يصل إلى 140 مليون متر مكعب من المياه النظيفة يومياً، نصف هذا الإنتاج تقريباً يأتي من دول الخليج على الرغم من أنها تشكل أقل من 1 في المائة من سكان العالم.

وتنتج المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بالسعودية، وهي أكبر شركة لتحلية المياه على مستوى العالم، نحو 20 في المائة من المياه المحلاة في العالم. وتستفيد المؤسسة من خبرتها الواسعة بتقديم برامج التدريب من خلال أكاديمية المياه التابعة لها، وقامت الأكاديمية السعودية للمياه بتدريب آلاف المتخصصين في المياه في جميع أنحاء العالم. كما تقوم المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بالسعودية بإجراء بحوث لتحسين عملية تحلية المياه، بهدف زيادة الكفاءة وخفض التكاليف وتقليل الهدر.

وبفضل تجربة دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت بلدان أخرى في المنطقة في تطوير تحلية المياه في الآونة الأخيرة، مستفيدة من الابتكارات التكنولوجية وخفض التكاليف.

لكن لا تزال هناك العديد من التحديات في هذا المجال المعقَّد الخاص بإدارة المياه، ولا تزال صناعة تحلية المياه بحاجة إلى حلول طويلة الأجل لإدارة المياه المالحة المنتجة من عملية التحلية. فقد تؤدي الزيادة الهائلة في تحلية المياه إلى زيادة كبيرة للغاية في مستويات الملوحة المرتفعة بالفعل بشكل طبيعي في الخليج والبحر الأحمر. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تدهور التنوع البيولوجي البحري، وبقاء الأنواع، وإنتاجية مصائد الأسماك، ناهيك عن التأثير السلبي على المجتمعات الساحلية. ومع تزايد تطوير محطات تحلية المياه، من الضروري للغاية التعاون وتضافر الجهود بين دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط والإدارة لتحديد الآثار التراكمية المحتملة وتعظيم الاستفادة من قرارات الاستثمار بهدف ضمان الاستدامة البيئية للأمن المائي على مستوى المنطقة.

وتشارك دول مجلس التعاون الخليجي البنك الدولي للتصدي للتحديات المتبقية بغية تحقيق استدامة الأمن المائي. وبناءً على أكثر من 50 عاماً من الشراكات، تتضافر المعرفة العالمية للبنك الدولي مع الخبرة المحلية للوصول إلى أساليب جديدة لتقدير قيمة المياه، وتعزيز فرص تعزيز الممارسات المستدامة في مجال تحلية المياه وتشجيع تبادل المعارف وبناء القدرات في البلدان الأخرى. ويستند ذلك إلى الخبرات والابتكارات التي قدمتها شركات مثل المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة بالسعودية وهيئة كهرباء ومياه دبي الإمارات، إلى جانب تحويل تجارب التنمية للبنك الدولي من مجرد أفكار إلى واقع ملموس.

وعلى مدى عشرات السنين من الاستثمارات في ابتكارات تكنولوجيا تحلية المياه والإدارة الجيدة للمرافق في دول مجلس التعاون الخليجي، تحققت ميزة تنافسية لهذه الدول فيما يتعلق بالتكنولوجيا والخبرة البشرية للتغلب على التحدي العالمي لشح المياه الذي يلوح في الأفق. وقد أثمرت جهود البحث والتطوير التي تقودها هذه الدول «منفعة عامة عالمية» على حد قول الاقتصاديين، وهذا يعود بالنفع على كوكب الأرض بأسره بالمعنى الحرفي للكلمة. ويؤكد الدور القادم للسعودية بوصفها البلد المضيف للمنتدى العالمي للمياه في عام 2027 على ريادة دول مجلس التعاون الخليجي في إدارة المياه، وهذا المنتدى يمثل منبراً لعرض إنجازات هذه الدول وتبادل معارفها مع العالم في مجال الأمن المائي.

* المديرة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في البنك الدولي


مقالات ذات صلة

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

شمال افريقيا وزير الري المصري خلال لقاء مع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الأوزبكي (وزارة الري المصرية)

مصر لتوسيع الشراكة المائية مع أوزبكستان وسط تحديات «سد النهضة»

خطوة جديدة تتخذها القاهرة في توسيع شراكاتها المائية عبر محادثات مع أوزبكستان بهدف تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق الدولي بشأن «حوكمة الأنهار الدولية».

محمد محمود (القاهرة)
صحتك يقلل الكمون من الانتفاخ والغازات (بيكساباي)

ماذا يحدث لمعدتك عند شرب ماء الكمون يومياً؟

يؤدي شرب ماء الكمون يومياً إلى تحسين عملية الهضم وتقليل الانتفاخ والغازات، بفضل محتواه من مركبات تحفز إفراز الإنزيمات الهاضمة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان أوسمان ديون (تركي العقيلي) p-circle 05:41

خاص البنك الدولي: 12 مليار دولار سنوياً لتحويل أمن الغذاء في المنطقة إلى فرصة اقتصادية

يتحول الأمن الغذائي في المنطقة إلى فرصة اقتصادية تستقطب الاستثمارات في المياه والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، مع بروز السعودية مركزاً إقليمياً.

هلا صغبيني (الرياض)
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري خلال لقائه عدداً من المزارعين (مجلس الوزراء المصري)

تعهدات مصرية بتوفير الاحتياجات المائية للمزارعين رغم تحديات «سد النهضة»

جهود كبيرة تتحدث عنها وزارة الري المصرية لتوفير الاحتياجات المائية مع الاحتفال بـ«عيد الفلاح» بالبلاد في ظل عجز مائي تشهده، وسط تحديات أزمة «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عجز الحساب الجاري الأميركي يتسع بشكل حاد في الربع الثاني

حاويات شحن مكدسة في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)
TT

عجز الحساب الجاري الأميركي يتسع بشكل حاد في الربع الثاني

حاويات شحن مكدسة في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)
حاويات شحن مكدسة في ميناء لوس أنجليس في لونغ بيتش - كاليفورنيا (رويترز)

أظهرت بيانات حكومية يوم الخميس أن عجز الحساب الجاري الأميركي اتسع بشكل حاد خلال الربع الثاني، في ظل قفزة في واردات السلع.

وقال مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة إن عجز الحساب الجاري، الذي يقيس تدفقات السلع والخدمات والاستثمارات من وإلى البلاد، ارتفع بمقدار 33.4 مليار دولار، أو ما يعادل 15.7 في المائة، ليصل إلى 246 مليار دولار في الربع الماضي.

وجرى تعديل بيانات الربع الأول (يناير «كانون الثاني» - مارس «آذار») بالخفض، لتُظهر عجزاً قدره 212.6 مليار دولار، بدلاً من التقديرات السابقة البالغة 226.8 مليار دولار. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا اتساع فجوة الحساب الجاري إلى 255 مليار دولار.

ومثّل عجز الحساب الجاري في الربع الثاني 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفاعاً من 2.7 في المائة في الربع الأول. وكان العجز قد بلغ ذروته عند 6.3 في المائة في الربع الثالث من عام 2006.

ورغم أن عجز الحساب الجاري لا يؤثر على الدولار، نظراً إلى مكانة العملة الأميركية كعملة احتياطية، تتزايد المخاوف بشأن تفاقم العجز المزدوج في البلاد.

وقفزت واردات السلع بمقدار 67.4 مليار دولار لتصل إلى 931.6 مليار دولار، متجاوزة بذلك الزيادة في صادرات السلع، التي بلغت 27.1 مليار دولار لتصل إلى 640.3 مليار دولار. ونتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري في السلع بمقدار 40.4 مليار دولار ليصل إلى 291.3 مليار دولار.

وخصمت التجارة 1.14 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني، لتشكل بذلك عبئاً عليه لثلاثة أرباع متتالية.

وتقلص رصيد الدخل الأولي إلى 11.4 مليار دولار في الربع الماضي، انخفاضاً من 15.8 مليار دولار في الربع الأول. وارتفعت إيرادات الدخل الأولي إلى 416.2 مليار دولار، مقارنة بـ391.5 مليار دولار في الربع السابق، بينما زادت مدفوعات الدخل الأولي إلى 427.6 مليار دولار، مقارنة بـ407.3 مليار دولار في الربع الأول.

وشهد صافي مركز الاستثمار الدولي للبلاد، وهو الفرق بين الأصول المالية الخارجية والالتزامات المالية للمقيمين في الولايات المتحدة، تدهوراً طفيفاً، إذ اتسع العجز ليصل إلى 22.42 تريليون دولار بنهاية الربع الثاني، مقارنة بعجز قدره 21.27 تريليون دولار في الربع الأول.

وبلغ إجمالي الأصول 46.97 تريليون دولار، في حين بلغت الالتزامات 69.39 تريليون دولار.


هدنة التجارة تمنح ترمب وشي وقتاً إضافياً لتسوية الخلافات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة «أندروز» الجوية بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة «أندروز» الجوية بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)
TT

هدنة التجارة تمنح ترمب وشي وقتاً إضافياً لتسوية الخلافات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة «أندروز» الجوية بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً نظيره الصيني شي جينبينغ في قاعدة «أندروز» الجوية بولاية ماريلاند الأميركية (أ.ف.ب)

دخلت الولايات المتحدة والصين جولة جديدة من إدارة التوتر الاقتصادي بينهما، مع وصول الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في أول زيارة له إلى الولايات المتحدة منذ نحو ثلاثة أعوام، وسط اتفاق على تمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير (كانون الثاني)، لكن من دون مؤشرات قوية حتى الآن إلى تسوية أوسع للخلافات التي تشمل الرسوم الجمركية والرقائق والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن الجانبين توصلا إلى اتفاق لتمديد الهدنة التي كان مقرراً أن تنتهي في 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، مانحين المفاوضين شهرين إضافيين للعمل على تفاهمات أوسع. وجاء الإعلان بينما استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره الصيني شخصياً لدى وصوله إلى قاعدة «أندروز» المشتركة في ولاية ماريلاند.

وقال شي، في بيان مكتوب أصدرته السفارة الصينية، إن «الصين والولايات المتحدة يجب أن تكونا شريكتين لا خصمين»، من دون الإشارة مباشرة إلى اتفاق تجاري.

وتحمل الزيارة أهمية اقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي، بعدما هزت حرب الرسوم الجمركية في 2025 الأسواق العالمية ودفعت الرسوم المتبادلة بين أكبر اقتصادين في العالم إلى مستويات تجاوزت 100 في المائة على بعض السلع. ومن شأن تمديد الهدنة أن يقلص، ولو مؤقتاً، خطر العودة إلى التصعيد.

هدنة بدلاً من اتفاق شامل

تبدو التوقعات محدودة بشأن قدرة القمة على إنتاج اتفاق تجاري واسع. فالقضايا الأكثر حساسية لا تزال من دون حلول، وفي مقدمتها القيود الأميركية على تصدير الرقائق المتقدمة، والضوابط الصينية على المعادن الأرضية النادرة، إضافةً إلى تدفقات السلع الزراعية والتكنولوجيا.

وقد تسفر محادثات الخميس عن خفض الرسوم في قطاعات محددة أو تفاهمات بشأن مكافحة تهريب المخدرات، إلى جانب فتح قنوات جديدة للنقاش حول الذكاء الاصطناعي. لكنّ هذه النتائج، إذا تحققت، ستندرج في إطار إدارة المنافسة أكثر من إنهائها.

وتسعى الدولتان، رغم خلافاتهما، إلى إظهار قدر من الاستقرار بين أكبر قاعدة صناعية في العالم وأكبر سوق استهلاكية. وتحتاج الشركات على الجانبين إلى رؤية أوضح بشأن الرسوم وسلاسل الإمداد والاستثمارات، بعدما أصبحت القرارات التجارية مرتبطة بصورة متزايدة بنتائج اللقاءات السياسية رفيعة المستوى.

وتدخل الصين المحادثات في ظل قوة صادراتها، لكنها تواجه في الداخل ضعفاً في إنفاق الأسر واستمرار أزمة سوق العقارات. أما الولايات المتحدة فتواجه ارتفاعاً في أسعار الطاقة بعد أشهر من الحرب مع إيران، مما يزيد حساسية أي إجراءات تجارية يمكن أن ترفع تكاليف السلع للمستهلكين.

«بوينغ» تختبر حدود الانفراج

يمثل ملف الطائرات أحد أوضح الأمثلة على صعوبة تحويل التهدئة السياسية إلى صفقات تجارية كبيرة. فقد تراجعت الآمال في إعلان الصين التزاماً جديداً واسعاً بشراء طائرات «بوينغ» خلال القمة.

وبدلاً من السعي للحصول على طلبية جديدة لمئات الطائرات، تركز الشركة الأميركية حالياً على استكمال اتفاق أوَّلي أُبرم في مايو (أيار) لبيع الصين 200 طائرة، حسب مصادر مطلعة.

كانت المناقشات قبل قمة مايو تشمل احتمال شراء ما يصل إلى 500 طائرة، لكن الاتفاق النهائي جاء أصغر من المتوقع. ووصف الرئيس التنفيذي لـ«بوينغ» كيلي أورتبرغ آنذاك طلبية الـ200 طائرة بأنها «دفعة أولية»، معتبراً أن المكسب الأساسي يتمثل في إعادة فتح السوق الصينية أمام الشركة.

كانت «بوينغ» قد حُرمت فعلياً من طلبيات صينية كبيرة منذ 2017، بينما عززت منافستها الأوروبية «إيرباص» حصتها في واحدة من أهم أسواق الطيران العالمية. وتقدر الشركتان أن الصين ستحتاج إلى نحو 9 آلاف طائرة جديدة بحلول 2045، أكثر من أي منطقة أخرى.

وتملك «إيرباص» ميزة إضافية تتمثل في وجود خط تجميع نهائي في تيانجين، إلى جانب استفادتها خلال السنوات الماضية من علاقات تجارية صينية - أوروبية أقل توتراً نسبياً من العلاقات بين بكين وواشنطن.

ورغم تراجع الآمال في صفقة جديدة، لا تزال هناك فرصة لإحراز تقدم في تنفيذ اتفاق مايو. وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن نحو 140 طلبية أصبحت في «وضع جيد»، بينما يجري استكمال عشر طلبيات أخرى. وقد يتم الإعلان عن بعض التفاصيل خلال القمة إذا أنجزت العقود.

وكان ضمان الحصول على قطع الغيار والمحركات من القضايا التي أثارت قلق الجانب الصيني، خصوصاً بعد تهديدات أميركية سابقة بتقييد الإمدادات. وقالت وزارة التجارة الصينية في مايو إن واشنطن قدمت ضمانات بشأن توريد أجزاء المحركات والمكونات المرتبطة باتفاق الطائرات.

التكنولوجيا في قلب المنافسة

لكن الطائرات لم تعد القضية التجارية الأهم بين البلدين. فقد انتقل مركز الثقل بصورة واضحة إلى أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة.

وتتمسك واشنطن بضوابط تصدير الرقائق المتقدمة والتكنولوجيا المرتبطة بها، فيما تستخدم بكين موقعها المهيمن في بعض سلاسل توريد المعادن النادرة ورقةً مهمة في المفاوضات. ويجعل ذلك أي هدنة تجارية مرتبطة بصورة مباشرة بأمن سلاسل الإمداد العالمية، وليس فقط بمستويات الرسوم الجمركية.

ومن المنتظر أيضاً أن يناقش الجانبان مخاطر الذكاء الاصطناعي وإمكان إنشاء قنوات للحوار بشأنها، رغم احتدام المنافسة بين الشركات الأميركية والصينية على النماذج والرقائق ومراكز البيانات.

ويعكس حضور متوقع لرؤساء شركات مثل «أبل» و«إنفيديا» و«أوبن إيه آي» في مأدبة الدولة، الخميس، الأهمية المتزايدة للتكنولوجيا في العلاقة الاقتصادية بين البلدين. فهذه الشركات تعتمد بدرجات متفاوتة على السوق الصينية أو سلاسل التوريد الآسيوية، بينما أصبحت في الوقت نفسه جزءاً من المنافسة الاستراتيجية بين القوتين.

شهران إضافيان للأسواق والشركات

لا يلغي تمديد الهدنة الخلافات، لكنه يمنح الشركات والمستثمرين فترة إضافية من الاستقرار النسبي. وبالنسبة إلى المصدرين الأميركيين، خصوصاً في الزراعة والطيران، يمثل استمرار الوصول إلى السوق الصينية أولوية، بينما تحتاج بكين إلى تجنب قيود إضافية على التكنولوجيا الأميركية، والحفاظ على أسواق التصدير في وقت يعاني فيه الطلب المحلي من الضعف.

وفي المقابل، يصعب توقع عودة العلاقة الاقتصادية إلى النموذج الذي سبق حرب الرسوم. فالسياسة التجارية أصبحت مرتبطة بالأمن القومي والتكنولوجيا وتايوان والعلاقات الصينية مع إيران، مما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً.

ومن هنا تبدو قمة واشنطن أقرب إلى محاولة لوضع حواجز تمنع المنافسة من التحول إلى مواجهة اقتصادية جديدة. وتمديد الهدنة حتى يناير يمنح الطرفين وقتاً، لكنه يؤجل أيضاً القرارات الأصعب بشأن الرقائق والمعادن والرسوم والمشتريات الصينية.

وبالنسبة إلى الأسواق العالمية، قد يكون استمرار الحوار في حد ذاته عاملاً مهدئاً بعد اضطرابات 2025. لكن الاختبار الحقيقي سيأتي مع اقتراب الموعد الجديد لانتهاء الهدنة: إما تحويل التفاهم السياسي إلى ترتيبات تجارية أكثر استدامة، وإما عودة الشركات والأسواق مرة أخرى إلى مواجهة خطر التصعيد بين أكبر اقتصادين في العالم.


رئيسة «فيدرالي» كليفلاند: ضغوط التضخم لا تزال تميل نحو الارتفاع

رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك (رويترز)
رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» كليفلاند: ضغوط التضخم لا تزال تميل نحو الارتفاع

رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك (رويترز)
رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك خلال مقابلة مع «رويترز» بنيويورك (رويترز)

قالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، يوم الخميس، إن ضغوط التضخم لا تزال مرتفعة، وإن استمرارها لفترة أطول سيزيد من صعوبة إعادة ضغوط الأسعار إلى المستوى المستهدَف.

وأكدت هاماك في تصريحات، خلال افتتاح مؤتمر في البنك: «تشير الظروف الحالية في الولايات المتحدة إلى أن الناتج ينمو بوتيرة قوية، وأن سوق العمل لا تزال قريبة من تعريفي لمستوى التوظيف الكامل، إلا أن التضخم لا يزال مرتفعاً».

وأضافت أن «توقعات التضخم لا تزال محفوفة بقدر كبير من عدم اليقين، مع ميل المخاطر نحو الارتفاع»، مشيرة إلى أنه «كلما استمر التضخم المرتفع لفترة أطول، زادت التحديات والتكلفة المرتبطة بخفضه مرة أخرى».