المؤسسات الدولية تؤكد زيادة الثقة بالاقتصاد المصري عقب اتفاق صندوق النقد و«التعويم»

توقعات بالحصول على 3.3 مليار دولار من القرض خلال شهرين... والحكومة تعجل الإفراج عن البضائع

مشاة أمام محل صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مشاة أمام محل صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

المؤسسات الدولية تؤكد زيادة الثقة بالاقتصاد المصري عقب اتفاق صندوق النقد و«التعويم»

مشاة أمام محل صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مشاة أمام محل صرافة وسط القاهرة (رويترز)

تواصلت ردود الفعل من المؤسسات الدولية المرحبة بخطوة اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي على توسيع برنامج القرض إلى 8 مليارات دولار، وذلك بعد خفض سعر الصرف واتخاذ إجراءات من شأنها إصلاح مسار الاقتصاد، تزامناً مع دخول سيولة دولارية كبيرة إلى البلاد إثر صفقة استثمارية ضخمة مع دولة الإمارات.

وكان البنك المركزي المصري أعلن، الأربعاء، رفع أسعار الفائدة 600 نقطة مئوية وترك سعر الصرف ليتحدد وفقاً لآليات السوق، مما دفع السعر الرسمي للجنيه ليلامس 50 جنيهاً للدولار في البنوك التجارية قبل أن يستقر حول 49.5 جنيه للدولار عند الإغلاق، وهو الوضع الذي استمر على مدار يوم الخميس في حالة واسعة النطاق من الاستقرار.

وأعقب خطوة «المركزي» إعلان مصر التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي يتضمن رفع قيمة برنامج التمويل الذي جرى الاتفاق عليه في 2022 من ثلاثة مليارات إلى ثمانية مليارات دولار. ومن المقرر أن يجتمع المجلس التنفيذي للصندوق قبل نهاية مارس (آذار) الحالي للموافقة على الاتفاق الجديد.

وتوقع بنك الاستثمار «غولدمان ساكس» يوم الخميس أن يتعافى الجنيه المصري من مستوياته المتدنية «الحالية» خلال أسابيع، ليستقر في أوائل نطاق 40 جنيهاً للدولار في المدى القريب، مضيفاً أن الوضع الجديد في مصر ينعش فكرة الاستثمار في الأصول المصرية التي تنطوي على مخاطر.

وذكر في مذكرة أنه يتوقع تعافي الجنيه من تلك المستويات المتدنية بفضل تدفقات الاستثمار في أذون الخزانة خلال المزادات المقبلة، في ضوء تراجع قيمة العملة وارتفاع العائد الاسمي.

وتوقع ألا تستمر أسعار الفائدة المرتفعة لفترة طويلة بفضل استمرار معدلات التضخم في الانخفاض، وعودة المحافظ الاستثمارية إلى السوق المحلية، وانخفاض احتياجات الحكومة للاقتراض.

وأضاف أن الوضع الجديد في مصر قد ينعش فكرة الاستثمار في الأصول المصرية المنطوية على مخاطر في الأجل القريب، مع استمرار شهية المستثمرين للدخول في السوق المصرية، في ضوء الاستقرار المنتظر لأوضاع الاقتصاد الكلي وإعادة بناء احتياطي النقد الأجنبي. كما توقع طلباً أجنبياً قوياً على الدين المحلي المصري ممثلاً في أذون الخزانة في العطاءات القادمة، بالنظر إلى نطاق خفض قيمة العملة والعوائد الاسمية المرتفعة المرجح عرضها.

وقال المحلل لدى «غولدمان ساكس» فاروق سوسة، في المذكرة، إن الجنيه سيستفيد أيضاً من إقبال حائزي الدولار المحليين على بيع العملة الأميركية في البنوك، إلى جانب صرف شرائح قرض صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى العودة المتوقعة لتحويلات العاملين بالخارج إلى النظام المصرفي. واستبعد أن يكون للإجراءات الجديدة أثر تضخمي، لأنها ستسهم في حل أزمة سلاسل التوريد في البلاد إذ أفرجت الحكومة عن بضائع بقيمة 1.3 مليار دولار من الموانئ خلال الأيام القليلة الماضية، كما سيسهم توحيد سعر الصرف في توقف التجار عن تخزين السلع ترقباً لارتفاع أسعارها.

معهد التمويل الدولي

بدوره، توقع معهد التمويل الدولي أن تساهم صفقة «رأس الحكمة» وإبرام مصر اتفاقاً موسعاً مع صندوق النقد الدولي، في تعزيز إجمالي احتياطيات مصر الأجنبية لأكثر من 50 مليار دولار، وهو ما يكفي لثمانية أشهر من الواردات في نهاية السنة المالية الراهنة.

وكانت مصر أعلنت في 23 فبراير (شباط) الماضي عن صفقة ضخمة بقيمة 35 مليار دولار (حوالي 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) مع «القابضة» - صندوق الثروة السيادية الذي يقع مقره في أبوظبي - وهو ما يمثل أكبر تدفق للاستثمار الأجنبي المباشر في تاريخ مصر، وذلك من أجل تطوير مدينة رأس الحكمة بمساحة إجمالية 170 مليون متر مربع غرب الإسكندرية. بموجب هذه الصفقة، ستحصل مصر على 24 مليار دولار من السيولة المباشرة، و11 مليار دولار من الودائع الإماراتية التي سيتم تحويلها إلى الجنيه المصري للاستثمار في مشروعات أخرى تدعم النمو الاقتصادي والتنمية.

ووفقاً للأرقام الرسمية المعلنة، يملك البنك المركزي المصري صافي احتياطيات بالعملات الأجنبية بما قيمته 35.31 مليار دولار بنهاية فبراير، في انخفاض بسيط من 35.25 مليار دولار بنهاية يناير (كانون الثاني).

وقال معهد التمويل إنه توقع في مذكرة له الشهر الماضي أن يصل إجمالي احتياجات التمويل في مصر إلى حوالي 15 مليار دولار، تراكمياً، اعتباراً من السنة المالية «2023 - 2024» - السنة المالية «2025 - 2026». «لقد كنا نشك في أن معظم هذه الفجوة سيتم سدها من خلال برنامج جديد وموسع لصندوق النقد الدولي ومن عائدات الخصخصة. ومع ذلك، فإن 24 مليار دولار من السيولة بالعملات الأجنبية التي ستحولها الإمارات إلى مصر ستساعد في تغطية أي تمويل متبقٍ من الاحتياجات في المستقبل المنظور (رغم أننا نتوقع استخدام جزء من هذه الأموال في وسائل أخرى، مثل تصفية أعمال الاستيراد المتراكمة أو لتخفيف الضغط في سوق سعر الصرف الموازية). وستعمل التدفقات الإضافية من برنامج صندوق النقد الدولي (8 مليارات دولار) على تعزيز الأصول الاحتياطية في مصر، مما يساعد على تغطية بعض عمليات إعادة الشراء الكبيرة لصندوق النقد الدولي المستحقة في السنتين الماليتين المقبلتين، بينما ستساعد أيضاً في تغطية بعض عمليات إعادة الشراء الكبيرة لصندوق النقد الدولي المستحقة في العامين الماليين المقبلين»، حسبما قال المعهد.

وأضاف أنه «من شأن ضخ الأموال المعلن عنها أن يقلل صافي الالتزامات الأجنبية لدى البنك المركزي ويساعد على خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في مصر. فمبلغ الـ11 مليار دولار من الودائع الإماراتية التي يتم تحويلها إلى الجنيه المصري ستساعد في تقليل صافي مطلوبات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي بنحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يدفع البنك المركزي إلى تسجيل صافي مركز إيجابي للأصول الأجنبية في السنة المالية 2023 - 2024».

من حيث القيمة الدولارية، توقع معهد التمويل الدولي أن ينخفض إجمالي الدين الخارجي من ذروة بلغت 165 مليار دولار في السنة المالية 2022 - 2023 إلى 157 مليار دولار في السنة المالية 2023 - 2024. وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، سيظل الدين الخارجي تحت السيطرة عند مستوى 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2023 – 2024، ارتفاعاً من 42 في المائة في السنة المالية 2022 - 2023.

وفي هذا الوقت، كشف مسؤول حكومي مصري أن بلاده تتوقع الحصول على 3.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي خلال شهري مارس الجاري وأبريل (نيسان) المقبل. وأوضح المسؤول لـ«وكالة أنباء العالم العربي»، طالباً عدم نشر اسمه، أن المبلغ سيتوزع بواقع ثلاثة مليارات دولار من صندوق النقد، ضمن الاتفاق الذي أبرمته مصر يوم الأربعاء مع الصندوق بقيمة ثمانية مليارات دولار، و300 مليون دولار منتظرة من طلب تمويل محتمل من صندوق الاستدامة والصلابة التابع للصندوق.

الإفراج عن البضائع

من جانبه، قال رئيس مصلحة الجمارك المصرية الشحات الغتوري يوم الخميس إنه جرى الإفراج عن بضائع من الموانئ المصرية بقيمة تتجاوز 12 مليار دولار منذ بداية العام الجاري. فيما أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن «شغلنا الشاغل مع التجار في المرحلة المقبلة هو ضبط الأسعار، لتعكس السعر الحقيقي والواقعي للسلع... وتم التوجيه لوزارة الداخلية بالضرب بيد من حديد لكل تجار السوق السوداء ومنظومة الشبكات التي كانت تسيطر على تحويلات المصريين بالخارج».

وقال رئيس الوزراء المصري يوم الخميس إن الحكومة تخطط لإبرام «صفقات كبيرة» لضمان السيولة، وستعمل مع التجار لضبط الأسعار، وتعطي الأولوية لإتاحة العملة الأجنبية لمستوردي السلع الأساسية بعد السماح بتحرير سعر صرف الجنيه.

ومن جانبه، قال وزير المالية المصري محمد معيط، يوم الخميس، إن البلاد بحاجة إلى إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 7 في المائة (زائد أو ناقص 2 في المائة). وأضاف أن الحل متوسط وطويل الأجل يحتاج إلى اقتصاد يقوده القطاع الخاص.


مقالات ذات صلة

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

الاقتصاد أذرع روبوتية في مصنع بمدينة فوزو شرق الصين (أ.ف.ب)

نمو فصلي يفوق التوقعات للاقتصاد الصيني... ومخاوف من التحديات

شهد الاقتصاد الصيني انتعاشاً ملحوظاً في أوائل عام 2026، مدفوعاً بارتفاع الصادرات قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

حققت الصادرات غير النفطية في السعودية نمواً قياسياً خلال عام 2025، حيث ارتفعت بنسبة 15 في المائة إلى 624 مليار ريال (166 مليار دولار) في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجلان يمران أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

اليابان وأميركا تتفقان على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف

قالت وزيرة المالية اليابانية، عقب اجتماعها مع وزير الخزانة الأميركي، إن اليابان والولايات المتحدة اتفقتا على تعزيز التواصل بشأن أسعار الصرف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طوكيو)
الاقتصاد أوراق نقدية وعملات معدنية جديدة من الشيقل الإسرائيلي (رويترز)

لماذا هوى الدولار دون حاجز الـ3 شيقلات إسرائيلية لأول مرة منذ عقود؟

كسر الشيقل الإسرائيلي نزولاً حاجز الـ3 شيقلات مقابل الدولار الأميركي لأول مرة منذ أكثر من 30 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.